فهرس الكتاب

الصفحة 1669 من 1942

إننا ننادي أن يكون تعليم (( الصيانة العامة ) )، جزءًا لا يتجزأ من خطط التوعية والتعليم، والتدريب في المجتمع، على جميع المستويات، وذلك لترسيخ مفاهيم الصيانة بشتى الوسائل والطرق، كي تدخل في مناهج حياتنا، وسبل تفكيرنا، ولتتحرك أيدينا المعقودة، وتنشط عقولنا الخاملة، وتحل عقدة الانبهار عندنا بمنتوجات صنعها غيرنا، لنفهم كيف تعمل هذه المنتوجات؟ فنقدرها، ونحترم تعاملنا معها، لنحافظ عليها أطول وقت ممكن. لذا فإن القوى البشرية التي تعمل في مجالات الصيانة، تصبح من هذا المنطلق، طاقة وطنية تحتاج إلى رعاية قصوى، واهتمام تام بتنميتها، وتدريبها، وتوجيهها.

إننا ننادي بإعطاء الصيانة مكانة علمية، في الجامعات ودور العلم، حتى إيجاد تخصصات لها في الدراسات العليا، إن أمكن ذلك. كما أن علينا تشجيع تعليم الصيانة في الورش الأصلية،والمصانع الوطنية، وحبذا لو فرضت دولنا قوانين على تلك الورش والمصانع، تطالبها بإعداد كتيبات، عن كيفية صيانة منتوجاتها، وإثارة الوعي بعمل نماذج وصناديق هوايات تتعلق بالمنتج الوطني.

ولنا أن نتساءل:

ماذا لو قامت الأجهزة المختصة في وزارات الصناعة في بلداننا، مع أقسام الورش في كليات الهندسة، ومعاهد التدريب المهني، بإعداد دورات تدريبية عن المنتوجات الشائعة جدًا في المجتمع، مثل مضخات المياه، وعوامات الخزانات، وأدوات السباكة، وبعض الأدوات الكهربائية، وأصدرت كتيبات مبسطة عن طريقة تركيبها، وصيانتها، وكذلك الصيانة الأولية للسيارات، والمركبات المتحركة، والأثاث، والأدوات المنزلية؛ توزع مجانا؟ إن مثل هذا العمل سوف يعين، ولا شك على انتشار الوعي بين المواطنين، لحب العمل اليدوي، وممارسته، لا فرق في ذلك بين كبير أو صغير.

إن التركيب، والتشغيل، والصيانة، هم المداخل الأساسية للتقنيات المختلفة في المجتمع.

كما أن تدريس الحرف الشعبية، مثل الصيد، والزراعة، والصياغة، والخياطة، وخلافها، وإعداد كتيبات عن تركيب وصيانة أدواتها، يعتبر أمرًا هاما وحافزًا لاستبقاء هذه الحرف.

والأمر يحتاج على كل حال إلى ترتيب الصيانة ترتيبا رقيما، وربطها بطيف القدرات البشرية المتوافرة، مع تجميع مكتبة للصيانة، من كل الكتب التي كتبت في الغرب، ليستعان بها في إعداد مثيلاتها باللغة العربية.

إنه من المفيد ملاحظة أن أدوات الاستهلاك التي تحتاج إلى صيانة متقدمة، تصبح عبئًا مضاعفًا على الأمة، لأن المتخصصين في هذه الصيانة قلة، فحبذا لو قللنا من استيرادها.

إن صيانة الأجهزة، والمعدات الاستهلاكية المتطورة، تحتاج إلى طاقات بشرية مؤهلة، ليست متوافرة وطنيا، ولا حتى قوميا، وبالإمكان، بطبيعة الحال، استئجارها من خارج الحدود، إلا أن الأمر لا يقف عند الاستئجار، وإنما يتعداه إلى النواحي النفسية في الأمة، وشعورها بالتبعية، كما قد يؤثر على كثير من سلوكها الدولي، والداخلي. والبديل الوحيد المؤقت لاستئجار الصيانة المتطورة، هو تقليل استيراد الأشياء الاستهلاكية التي نحتاجها وفي ذلك فائدة مزدوجة.

إذن فللصيانة هدفان أساسيان هما (1) :

-حفظ الثروة الوطنية، المتمثلة في الأجهزة والمعدات المستوردة أو المصنعة.

-استنبات التقنية.

ونحن أمة تعيش على الاستيراد الصناعي، ونظل كذلك لفترة قادمة غير قصيرة، وفي مثل هذه الظروف تلعب الصيانة دورًا أساسيًا وجوهريًا في حفظ الثروة الوطنية، وفي استنبات التقنية.

والخطوات الطبيعية، لتعزيز مفهوم الصيانة في كياننا الاجتماعي، ولتحقيق الهدفين السابقين، هي:

أولا: تصميم منظومة الصيانة تصميمًا يرشّد الجهد العام، وجهد الأفراد، في تناغم يحقق المقاصد المرجوة، من غير تفريط، ولا إفراط. وهذا يتطلب صياغة دور الأجهزة العامة في المنظومة، ليحقق مجموعة من الوظائف المتكاملة، ومن ذلك صياغة القوانين والأنظمة التي تحكم:

-استيراد الأشياء وحق الصيانة.

-ملكية الأشياء، وضرورة تعلم الصيانة الأولية، والامتحان فيها شرط من شروط الملكية، أو باختصار: التشغيل، وحق الصيانة.

-التقليل إلى الحد الأدنى من تدفق (( الزوالية ) )من العالم المتطور تقنيًا، حتى نتيح للإنسان العربي والمسلم قدرًا من الوقت، للتعامل مع (( بضائع بطيئة ) )يصونها، ويتعلم منها الجديد.

-إلزام المصانع الوطنية بعمل كتب صيانة واضحة للمستعمل.

ثانيا: توسيع وتأكيد دور مؤسسات التعليم والتدريب في نشر الوعي التقني، عن طريق الصيانة، وذلك بإعادة النظر في كل مناهجنا التعليمية، لتخدم منظومة الصيانة، فالدراسة الأولية لمناهجنا التعليمية، سواء ما قبل الجامعة أو ما بعدها، تظهر بوضوح، أن الصيانة ليست وجهة، ولا هدفا، من أهداف العملية التعليمية. وبالطبع لن يضطلع بهذه المهمة في دولنا، إلا المشتغلون بالتعليم، سواء كانوا في الجامعات أو في غيرها.

وبجانب النظر في المناهج جميعها، كي تتخذ لنفسها وجهة صيانة، لابد من إعداد مجموعة من المناهج، على مستوى البكالوريوس ، ومستوى الدراسات العليا، تهتم بالصيانة علمًا، ونثير في الطلاب والأساتذة الرغبة في بحوثها، حتى تصبح المفاهيم الصيانية التي تتمخض عنها الدراسات المختلفة، شائعة، بين أكبر قدر من التقنيين، الذين سيديرون دفة الصناعة في أجيال مقبلة.

ونخلص من ذلك إلى القول: بأنه من غير قوانين حاكمة، وتعليم، وتدريب يوفر الطاقة البشرية المدربة، وإدارة محيطة بأبعاد العملية الصيانية ودورها الحضاري، من غير ذلك يصبح كل جهد في الصيانة ضائعا، وتتعارض الجهود، وتصطدم المصالح.

وإذا جاز لنا أن نستخدم تعبيرًا شائعًا في الحاسبات الأليكترونية ، فنقول: إن القوانين والأنظمة التي تحكم:

-منظومة الصيانة،

-وتوفير الطاقة البشرية الوطنية المؤهلة والمدربة

-وإيجاد الإدارة المستوعبة لأبعاد العملية الصيانية ودورها الحضاريّ،

كلها مكونات (لينة ) ( Soft ) للعملية الصيانية.

أما المكونات (( الصلدة ) ) (Hand ) لعمليات الصيانة فتنحصر في أنواع الخدمات التالية:

-خدمات الإصلاح والتجديد.

-خدمات الصيانة الدورية والوقائية.

-خدمات التركيب والتشغيل.

-خدمات التدريب، واكتساب المهارات الخاصة.

بقي علينا أن نحدد من خلال دراسة علمية متخصصة، نماذج مؤسسات الصيانة المطلوبة في المرحلة القادمة من عمرنا الصناعي وذلك عن طريق:

تحديد نوعية الصيانة المطلوبة، وحجمها، وفترة مستقبلية معينة.

-اختيار أمثل لمجموعة من نماذج مؤسسات الصيانة التي يمكن إقامتها، سواء على مستوى الأفراد أو مستوى المنشآت.

-اختيار أمثل لمجموعة من الخيارات العالمية لعمليات الصيانة، من خلال قائمة أولويات تحكمها (1 ) .

التقليد الصناعي. أساس استنبات التقنية

يعد التقليد، من الدروس الأساسية للتعليم والتدريب التقني، الذي يخدم بدوره الصناعة الوطنية. والتقليد بمفهومه الصناعي، أو بما يمثل في مجالات التقنية هو: استيعاب كامل للقطع المتعددة، التي يتكون منها الجهاز المراد تقليد صناعته، وخواص المواد التي تصنع منها، وإدراك تام لدور كل قطعة منه، وما تقوم به من عمل، كي يؤدي الجهاز وظيفته بكفاءة وإتقان.

وإتقان التقليد الصناعي يمر بمراحل عديدة، لعل من أهمها ما يتعرض له المُصَنّع من بحوث وتجارب، للوصول به إلى الأداء الكفء. ولهذا تصبح البحوث التطبيقية والتجارب الميدانية من أهم واجبات المُقَلدْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت