العراق .. قلب الحضارة الإسلامية النابض
تعاقبت على أرض العراق الكثير من الحضارات منذ فجر التاريخ وكان أول هذه الحضارات هي حضارة سومر والتي نشأت تقريبًا قبل الميلاد بأربعة آلاف عام ثم تبعتها الحضارة البابلية ثم الآشورية ثم استولى الفرس على البلاد لفترة من الزمن ثم السلوقيين ثم الفرس مرة أخرى حتى فتحها العرب المسلمون عام ً637ً ميلادية.وقد أدى ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي إلى تمكين المسلمين من هزيمة الساسانيين عام 637م وقد نشر العرب اللغة العربية والدين الإسلامي في بلاد ما وراء النهرين وفي عام 752م أنشأت الخلافة العباسية بالقرب من بغداد وفي عام 1228م غزا المغول - من آسيا الصغرى - بلاد ما وراء النهرين وانهارت الخلافة العباسية ثم جاء الحكم العثماني للبلاد وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تدهورت قوة الدولة العثمانية واستولت القوات البريطانية على بلاد ما وراء النهرين وتحت ضغط حركة الاستقلال العراقي نال العراق استقلاله وذلك في عام 1932م وأصبح العراق عضوا في جامعة الدول العربية بل وشارك في إنشائها.وقد قامت الملكية في العراق في يونيو بعد قيام ثورة في الحجاز عام 1916 بقيادة فيصل بن الحسين والذي سمي بعد ذلك فيصل الأول وهو أول ملوك العراق، واستمرت الملكية في العراق حتى سقطت في ً14ً يوليو ً1958ً حينما قام قائد الجيش عبد الكريم قاسم بقيادة انقلاب عسكري وتم إعلان الجمهورية وتم قتل الملك فيصل ونوري السعيد. وهكذا فإن المجتمع العراقي مجتمع حضاري بالسليقة ومشارك عبر تاريخه في صنع هذه الحضارة، وهذا يجعل الشخصية العراقية بطبعها شخصية ديناميكية عميقة. ومنذ الفتح الإسلامي للعراق أصبحت بغداد مركزًا هامًا من مراكز صنع التاريخ العربي الإسلامي. ويكفي أن بغداد كانت مصرًا شديد الأهمية من أمصار الدولة الإسلامية الأولى في عهود الخلفاء الراشدين، وعلى أرضه حدثت وقعتي الجمل وصفين. ورغم أن الدولة الأموية كانت عاصمتها ومركزها دمشق إلا أن بغداد ظلت على نفس أهمية دمشق بل تزيد. ثم ظل العراق لقرون طويلة قائد حضارة المسلمين خلال عمر الدولة العباسية. ولم يكن التميز العراقي تميزًا في السياسة فقط بل كانت المدارس اللغوية والفقهية في الكوفة والبصرة وبغداد والموصل شاهدًا على التميز والريادة الثقافية والفكرية والدينية. فسيبويه والخليل بن أحمد في اللغة، وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل والشافعي في الفقه وعلوم الدين، كل ذلك كان في العراق. وهذه الخلفية التاريخية تؤكد استحالة تطويع الشخصية العراقية والسيطرة عليها لأنها بطبيعتها التاريخية تعودت على القيادة وصناعة الأحداث وليس الانفعال بها. وقد ظل العراق دائمًا جبهة متقدمة في مقاومة الكيان الصهيوني منحازًا إلى أمته ورافضًا هذا الخطر الحقيقي الذي يهدد وحدتها، ولعل هذا يفسر لنا استهداف الدوائر الغربية بقيادة الولايات المتحدة وكذلك الدوائر الصهيونية لهذا البلد العربي المهم. فبعد إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني 1948 قامت الجيوش العراقية والأردنية بمهاجمة الصهاينة. وفي ً11ً مايو ً1949ً تم عقد هدنة بين الكيان الصهيوني والأردن إلا أن العراق ظل يحاربها. وبعد تأميم مصر لقناة السويس أيدتها العراق تأييدًا تامًا وبعد أن قام الصهاينة وبريطانيا وفرنسا بالعدوان الثلاثي على مصر ردت العراق وسوريا. خلال الحرب بين العرب والدولة العبرية عام ً1967ً أرسلت العراق وحشودًا عسكرية وطائرات حربية على الحدود الأردنية الصهيونية ثم أعلنت الحرب على الصهاينة وأغلقت خطوط الأنابيب المتجهة للدول الغربية وفي ذلك الحين ساءت العلاقات العراقية الأمريكية. في يونيو ً1981ًدمر هجوم جوي صهيوني مفاجئ المفاعل النووي العراقي ثم أعلن الصهاينة تبريرًا لهذا الهجوم أن هذا المفاعل كان يقوم بتصنيع أسلحة نووية موجهة إليهم. ولعل العراق حاول الخروج من حالة الحصار التقني والعلمي الذي يفرضه الغرب علينا ويفعل مثلما فعلت باكستان ويصبح قوة نووية، ولكن الأعين الغربية والصهيونية كانت مفتوحة، وكما اغتالت إسرائيل الدكتور يحيي المشد المشرف على البرنامج النووي العراقي، ضربت نفس المفاعل. بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990 م ونتيجة لتداعيات الأزمة، استغلت أمريكا المشكلة لتحقيق أهدافها وحشدت العالم كله خلفها بما فيه غالبية الدول العربية، وشنت أعنف هجوم في العصر الحديث عام 1991 م ضد بلد وأعادته إلى العصور الوسطى ودمرت بنيته الأساسية. وفور انتهاء الحرب بدأ حصار شامل على العراق قادته أمريكا وبريطانيا واستخدمت فيه الأمم المتحدة لتمرير إطالة أمد الحصار، وتجويع الشعب العراقي. كما بدأ الأطفال والشيوخ رحلة معاناة نتيجة لندرة الدواء مع التزايد المخيف في انتشار السرطان نتيجة استخدام قنابل اليورانيوم المنضب والأسلحة المحرمة دوليًا. واستمرت الطائرات الأمريكية والبريطانية في ضرب الأهداف المدنية والعسكرية بصفة يومية وبدون قرار من الأمم المتحدة. ومع ذلك كله استطاع العراق - بشخصيته الحضارية- أن يصمد في وقفة أسطورية ويعيد بناء ما دمرته الحرب. الانقلابات العسكرية وقد عاش العراق فترة من حياته تسيطر عليه حالة الانقلابات العسكرية إلا أنه استطاع التغلب عليها والانفلات منها، ففي ً8ً فبراير عام ً1963ً قامت مجموعة من ضباط الجيش بعزل قاسم ثم تم اغتياله في اليوم التالي وقد كان معظم هؤلاء الضباط من حزب البعث، وتولى عبد السلام عارف رئاسة البلاد وعمل على تحسين العلاقات مع الغرب وفي ً13ً إبريل ً1966ً قتل عارف في حادث تصادم طائرته المروحية وتولى بعده أخوه عبد الرحمن عارف. في ً17ً يوليو ً1968ً تم خلع عارف وتولى رئاسة الوزراء أحمد حسن البكر، الذي أصبح رئيسًا لمجلس قيادة الثورة بعد ذلك. وفي عام 1979 تنازل البكر عن السلطة لصدام حسين. ومنذ 1968 حتى الآن عاش العراق في حالة استقرار سياسي داخلي في مجال الحكم وتخلص من الانقلابات العسكرية. المشكلة الكردية والمشكلة الكردية قلق حقيقي يؤرق العراق كما يؤرق الدول المجاورة التي توجد بها أقلية كردية مثل تركيا وإيران، ففي عام ً1958ً قام انقلاب يطالب بإقامة الجمهورية على أساس المشاركة الحرة من العرب والأكراد وتمت عودة القائد العسكري الكردي ورئيس الحزب الكردي الديمقراطي مصطفى برزاني من منفاه في روسيا بعد قيادته لثورات ً1943ً و ً1945ً. في عام ً1960ً و ً1961ً قامت عدة محاولات غير ناجحة لامتصاص الأكراد إلا أن العصيان الكردي المسلح استمر. وفي بدايات ً1970ً وقعت حكومة البكر اتفاقية تقضي بأن يكون نائب الرئيس كرديًا وكذلك عدد من الوزراء وكانت الأربعة سنوات التي تم تطبيق هذه الاتفاقية خلالها ليست فترة حرب ولا سلام. في أوائل ً1974ً اندلع قتال عنيف في شمال العراق مع الأكراد وكان حزب برزاني يتلقى مساعدات عسكرية إيرانية ولكن بعد أن وافق العراق على بعض التنازلات بخصوص الحدود العراقية الإيرانية توقفت إيران عن مساعدة الأكراد في يوليو ً1979ً تولى صدام حسين الرئاسة بعد البكر. ورغم ذلك فإن الحكم الذاتي الذي حصل عليه الأكراد العراقيين هو أفضل ما تحقق لهم في دول الجوار التي بها أكراد. مشكلات الجغرافيا السياسية تبعًا لقواعد علم الجغرافيا السياسية فإن العراق يتمتع بعوامل قوة كثيرة ابتداء من مساحة أرض شاسعة وتعدد مناخي مما نتج عنه تعدد في المحاصيل الزراعية، بالإضافة لوجود مياه دجلة والفرات، وكميات الاحتياطي الهائلة من النفط. يكفي أن نشير إلى