فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 1942

فليس من الحضارة أن تركب سيارة لا تعرف عنها سوى القيادة، وليس من الحضارة أن تأكل فواكه أمريكا وأوربا، ولكن أن تساهم في علوم العالم وصناعته، وعلى رأس كل ذلك أن تساهم في تقديم فكر متميز، لا يكون عالة على أحد ولا تبعًا لأحد.

يرى الكاتب مالك بن نبي - رحمه الله - [2] أن لكل حضارة منتجاتها، فهي متولدة عنها، ولكن لا يمكن صنع حضارة بمجرد تبني منتجاتها، فشراء ما تنتجه الحضارة الغربية من كل دول العالم لم يجعلها تكسب حضارة، فشراء المنتجات هو كسب وتحصيل للهيكل والجسد وليس للروح، والحضارة ليست تكديس منتجات بل هي فكر ومُثُل وقيم لابد من كسبها أو إنتاجها.

والأنكى من ذلك أن أمراض الحضارة يمكن أن تضرب أولئك الذين يتعاملون معها في الأخذ والاقتباس، فتطحنهم أمراضها قبل أن تصلهم خيراتها.

ومن لا يصدق ذلك فما عليه الا أن يزور إفريقية ليرى مصداق ذلك في أمراض الجنس وتعاطي الخمور والمخدرات، وعدم وصول شيء من حضارة الغرب إليهم.

7-قد يقول البعض إنه يريد الآخرة، ويكفيه في ذلك العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة..

والجواب: نعم، قد يصل المسلم الجنة عن هذا الطريق، لكنه لن يكون له نصيب في الدنيا ولا في الحضارة، أو نصيب هامشي لا قيمة له وبالمثل فإن الإنسان في الغرب يشكل الوجه الثاني (للعملة) فهو لا يعرف الله - تعالى - وإن عرفه فهو يفصل بينه وبين الحياة فالإنسان في الغرب جعل دينه (الحضارة) كما جعلها كل شيء في حياته، وقد قفز بها قفزات كبيرة، ولن يستطيع أحد تجاوز ذلك، أو جحوده، ولن تفرط البشرية في منجزاتها الحضارية، وأن حضارة اليوم تطلق قوى كالذرة قد تكون سببًا في دمار الحضارة والقضاء عليها، وما تلوث البيئة، والخراب الذي لحق بمفاعل (تشرنوبيل) وانتشار الأمراض إلا ثمرة من ثمار هذه الحضارة إلى جانب المنجزات الكثيرة.

8-تبقى ألوف الملايين من البشر تدب على هذه الأرض لا تعرف الله - تعالى -ولا تعبده، ولا تساهم في الحضارة من قريب أو من بعيد، وفيهم وفي أمثالهم يصدق قول الله - تعالى - (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ) [الأعراف: 179] وأقبح من الكل تلك الملايين من البشر التي تعجز حتى عن إطعام نفسها، وتطالب الآخرين أن يطعموها ويداووها ويبنوا لها المساكن.

في العالم اليوم ملايين من الكسالى ليس لديهم الاستعداد لعمل شيء، حتى الخبز تريده مبلولًا وربما مدهونًا وعليه سكر.

والأمة الإسلامية مدعوة بكل جد وقوة لعبادة الله كما أمر، وعدم الشرك مهما صغر، وكذلك المساهمة في الحضارة دون أن تفلسف كسلها وعجزها وتخلفها.

إن العالم يموج بالأقوياء، ومَن لا يكون قويًا بفكره واستقلاله فإنه يعيش على الهامش، كما تعيش بعض القوارض، وستظل الدنيا محكومة بالأقوى فكرًا وإنتاجًا وتحضرًا، ولن يكون فيه مكان للكسالى المتواكلين، ولن يجدوا (خبزًا مبلولًا) ولا سكنًا جاهزًا ولا قبرًا جاهزًا.

(1) معالم في الطريق، ص8، طبعة10.

(2) شروط النهضة، ص42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت