فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 1942

2/ المواعيد غير المنتظمة والدقيقة، فإنها مضيعة للوقت، كأن تواعد أحد أصدقائك بأن تأتيه إلى المكان الفلاني في الساعة الخامسة - مثلًا- ثم يأتي صديقك حسب الموعد أما أنت فتسوّف في هذا الموعد فلا تأتي إلاّ في الساعةالسادسة، أو قد ينعكس الأمر، فيكون المتأخّر هو صديقك، وهذه الظاهرة في تضييع للوقت تنتهي بالإضرار بكلاالطرفين، في حين أن القرآن يؤكد علينا في أن نكون دقيقين ومنضبطين في مواعيدنا، وقد قال اللَّه سبحانه وتعالى بشأن النبي إسماعيل عليه السلام: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) (مريم/54) ، وعن سبب نزول هذه الآية يقول المفسرون: إن هذا النبي العظيم انتظر رجلًا سنة كاملة في نفس المكان الذي وعده فيه لكي يثبت للآخرين أهمية وقدسيّة الوعد الذي يقطعه الإنسان على نفسه بالنسبة إلى الآخرين، والمثل المعروف يقول في هذاالمجال: (وعد الحرّ دين ) أي إن الوعد هو بالنسبة إلى الإنسان الحر دين عليه أن يؤدّيه.

وبناءً على ذلك فإذا أردنا أن نصوغ المجتمع المستعد للتطور الحضاري وإذا أردنا أن نهيئ أرضية التقدم والتحضّر فيه،فلابد من الالتزم بجميع القيم والعناصر والتعاليم الحضارية التي ذكرتها نصوصنا ومصادرنا الدينية، والتي كان المسلمون الأوائل ملتزمين بها أشد الالتزام.

العمل طريقنا إلى بناء الحضارة

من السهل على الإنسان أن يحمل هدفًا ورسالة، أما أن يحقق ذلك الهدف وتلك الرسالة فإنه أمر شاق للغاية، كما يؤكدعلى ذلك الحديث الشريف المروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (إن أمرنا لصعب مستصعب لا يحتمله إلاملك مقرب، أو نبيٌّ مرسل، أو مؤمن أمتحن اللَّه قلبه للإيمان ) (29) .

وفي هذا الصدد تثار أسئلة عديدة تفرض نفسها، وتطالب بالجواب عليها بإلحاح وهي:

1/ ما هي المسافة بين العمل ونجاحه؟

2/ ما هي المسافة بين الهدف والرسالة وتحقيقها؟

3/ كيف يمكن لنا أن نقطع هذه المسافة؟

الاعتقاد وحدة لا يكفي

وفي إطار الإجابة على التساؤلات السابقة نقول: إن الكثير منا يزعم أن مجرد اعتقاده بالحق وإيمانه بقيم الرسالة يكفيانه في تقديم إجابات مقنعة على تلك الأسئلة، غافلًا عن خطأ هذا التصوّر، فقد جاء عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورًا) (30) ؛ أي إن الإيمان الذي لا يتحول إلى عمل، والعقيدةالتي لا تفرز واقعًا حضاريًا حيًا، لا قيمة لهما.

ونحن الذين نؤمن بالإسلام؛ رغم أن إيماننا هذا هو إيمان لفظي، ولكننا عندما نراجع أوضاع المسلمين نجد أنهم يمثلون أكثر شعوب العالم تبعية وتمزقًا، وقد تفشى فيهم الفقر، والمرض، وسائر الظواهر الدالة على التخلف والانحطاط.فالإنسان، والقيم، والعدالة، والحرية، والكرامة.. كل ذلك بات من أرخص القضايا في البلدان الإسلامية.

أما في الأنحاء الأخرى من العالم؛ فإننا عندما نراهم يتحدثون عن الطفولة - مثلًا- وعن ضرورة الاهتمام بالطفل، نجدأن أطفالهم مكرّمون ومحترمون بالفعل، ففي بلدان العالم نجد منظمات عديدة تهتم بالطفولة، ومن أبرز هذه المنظمات منظمة (اليونيسيف ) التي تولت مؤتمراتها وبحوثها في العقود الأخيرة ضرورة الاهتمام بالطفل، حتى خصصواله عامًا هو عام الطفل.

انعدام الكرامة

إن كل ما حدث ويحدث في بلداننا من انتهاك لحقوق الإنسان، وهدر لكرامته، وعدم إعطائه مكانته الإنسانية اللائقةبه؛ كل ذلك سببه الكرامة التي نزعت عن الأمة، لأن الأمة المفرغة من القوة والوحدة والحرية.. التي لا وجود حضاري لها في هذا العالم، هذه الأمة لا كرامة لها. فالطفل، والرجل، والمرأة - والإنسان بصورة عامة - ليسوا مكرمين فيها،وبالتالي فإن الإنسان والقيم أصبحا رخيصين فيها، بل إن كل شي ء فيها أضحى تافهًا لا أهمية له.

ترى هل هدانا اللَّه عز وجل للدين الإسلامي لكي نكون على هذه الشاكلة، وهل يعني الإسلام التمرق والتخلّف والتبعية والكبت والدكتاتورية؟

كلاّ؛ ليس هذا هو الإسلام الذي أراده الخالق سبحانه وتعالى لعبادة؛ فهو لا يطلب لنا سوى الرحمة والكرامة، وقد جاءبالإسلام ليسعدنا ويرحمنا ويكرمنا به، وليرزقنا الفلاح في الدارين بواسطته، وبناءً على ذلك فإن المسلمين هم المسؤولون - دون غيرهم - عما يعيشونه من تردد وتخلّف وتراجع.

أساس البناء الحضاري

إن الكسل لا يفرز إلا الفشل ، والأنانية لا تفرز غير التبعية، والجهل لا يولد سوى التخلف.. وهذه الصفات السلبيةوغيرها لا يمكن أن تعطينا سوى التمزق، والتباغض، فلا يسعها أن تفرز وحدة أو حضارة، أو تهب للمجتمع التقدم والرقي.

فالإنسان لا يستطيع تغيير وحلحلة الوضع المتخلّف الذي يعيشه إلا بسعيه ومثابرته، لا بالكسل والأنانية والجهل والجبن، كما يؤكد ربنا عز وجل ذلك في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَابِأنفُسِهِمْ ) (الرعد/11) ، وقوله سبحانه: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ) (النجم/39) .

فالدين الإسلامي يؤكد على أساس البناء الحضاري للأمة، والقرآن الكريم صريح في ذلك، فهو - على سبيل المثال-يقول بصراحة فيما يتعلق بالإيثار: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ، وفي قضية العلم يوجدفي القرآن ما يقرب من ثلاثمائة آية تتحدث حول العلم كقوله تعالى: (وَقُل رَبي زِدْني عِلما) (الكهف/20) . وهكذا الحال بالنسبة إلى العمل الصالح، حيث يأمرنا القرآن الكريم في مائة وعشرين آية بضرورة القيام بالعمل الصالح وربطه بالإيمان: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) . وكذلك يدفعنا هذاالكتاب العظيم إلى التوكل على اللَّه، كما يدفعنا إلى التسلح بسائر الصفات الحميدة والرفيعة كقوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) .

وعلى هذا؛ فإننا لا نجد في القرآن ما يحثنا على الكسل ، والجبن، والتبعية، والعجز... بل إن الأمر على العكس من ذلك تمامًا، حيث تأمرنا آياته المباركة بالاستقلال، والطموح، والعمل الجاد، والتطلّع نحو الأفضل.

ولما كان القرآن داعيًا إلى انتهاج النهج السليم، والاتصاف بالصفات المثلى بهذا الوضوح والصدق، بات حتمًا على المسلمين - بعد اتضاح هذه الحقائق - أن يلقوا باللائمة على أنفسهم، وعلى الطريقة الخاطئة التي فهموا القرآن من خلالها؛ فهم لم يدركوا من القرآن ولم يفهموا منه إلا حروفًا ورسمًا، فتركوا معانيه وحقائقه وبصائره؛ فهم لا يؤمنون إلابالقرآن الذي يتلى بصوت حسن جميل في المناسبات، ولعلّهم يفخرون عندما يقرؤون عشر آيات منه في كل صباح!

وهنا أتساءل: هل إننا نقرأ القرآن بصفته برنامج عمل يوميّ، وهل نقرأه من أجل تغيير أنفسنا، أم إننا نتلوه لكي نفسره حسب أهوائنا وآرائنا، فنعمد إلى الآية التي تحثنا على العطاء، وتدفعنا إلى العمل، فنحرّفها إلى آية للكسل والتقاعس؟

فالآية القرآنية التي تقول: (وَأَنْفِقُوْا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِاَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة/195) ، تأمرنابالعطاء والإنفاق، ولكننا نجد البعض يفسرها بالجبن والتخاذل، ليبرر هزيمته، غافلًا عن أن القرآن لا يبرر الهزيمة، ولايدعو إليها، بل يأمرنا بالصمود والاستقامة والتحدي.

القرآن تعاليم حياتية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت