(22) المرجع نفسه ، ص 75.
(23) المرجع نفسه ، ص 79.
(24) المرجع نفسه ، ص 81.
(25) المرجع نفسه ، هامش 1 ، ص 81.
(26) المرجع نفسه ، ص 88.
(27) المرجع نفسه ، ص 98 ـ 99.
(28) المرجع نفسه ، ص 123 ـ 124.
د/ محمد منير سعد الدين
عندما نفكر في التربية أو نتحدث عنها، فمن الطبيعي أن يتبادر لذهننا أولًا قبل كل شيء المدرسة وما يحدث فيها من مناشط، وحين نقول فلانًا تربى، فنعني بذلك أنه أكمل برنامجًا دراسيًا في المدرسة، وعندما ندعو شخصًا متربيًا، فإننا نربط بينه وبين المدرسة من الناحية المهنية، وعليه فإنه من المناسب عند دراسة فلسفة التربية أن نتناول المدرسة على أنها المصدر المباشر المحدد الواضح للخبرة التربوية.
ولكن عندما نبدأ التفكير في المدرسة نلاحظ وعلى الفور أنه بالإضافة إلى المدرسة هناك وسائل كثيرة تدار من خلالها عملية التربية، من بين هذه الوسائل تحتل المدارس بالتأكيد أهمية أساسية،"ولكن المدارس ليست الأمكنة الوحيدة التي ينمو فيها الأفراد نموًا موجهًا قصديًا، فقبل المدرسة هناك المنزل , وهو من نواح كثيرة له أثر في الشخصية أقوى وأدوم وأعمق , وتقوم التعاليم الدينية أيضًا في العادة بممارسة تأثيرها القوي."
كما أن الاشتراك مع الأصدقاء ومع الزملاء من المواطنين في مناشط تحتل اهتمامًا مشتركًا , والاشتراك في العمل والحياة المهنية لها علاقة بتوجيه النمو الإنساني، فالمؤسسات الاجتماعية كدور الكتب والمتاحف , وكذلك المدارس يمكن أن تكون عوامل للنمو العقلي.
وفي النهاية فالفرد نفسه وسيلة تربوية على جانب عظيم من الأهمية، وما يصبح عليه الفرد لا يتحدد في كليته على الإطلاق، نتيجة تأثير العوامل الخارجية، ولكن يتحدد أيضًا على أساس قدرته الداخلية على التوجه الذاتي" (1) ."
أما بالنسبة للمؤسسات التربوية الإسلامية،"فقد عرف الإسلام المؤسسة التربوية منذ اللحظات الأولى لبدء نزول الوحي على قلب محمد ، فكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم أول مؤسسة تربوية، فقد كان المعلم الأعظم يجمع القلة القليلة التي آمنت به سرًا في هذه الدار، ويستخلص نفوسها، ويعلمها آيات القرآن التي يتنزل بها الروح الأمين على قلبه، ويشكلها (عقائديًا) بما يتفق وتعاليم الإسلام الحنيف" (2) .
ولم تكن المؤسسة التربوية الإسلامية مقتصرة على المدرسة فقط، بل تعدتها إلى الكتاب، والمسجد، والمكتبة، وبيوت الحكمة، ودور العلم، وحوانيت الوراقين، ومجالس العلم والمناظرة، ومنازل العلماء، ومجالس الفتوى، والبيمارستانات، والمراكز الصوفية، والعتبات المقدسة وغيرها.
ولقد كانت هذه المؤسسات التربوية الإسلامية، نتاج بيئة معينة، نابعة من صميم حاجات المجتمع الإسلامي وتطوراته، مصبوغة بالروح الإسلامية، حيث اهتدت بتعاليم وأغراض الإسلام، إنها ليست بالدخيلة، وإنما هي نتاج نمو وتطور في الحياة الإسلامية العامة، نشأت في أمكنة معينة وأزمان معينة، وظروف معينة , وضمن أغراض معينة أملتها حاجات المجتمع الإسلامي النامية المتطورة.
وسنتناول في بحثنا المؤسسات التعليمية عند المسلمين، ونبدأ بدراسة الكتَّاب.
ظهر الكُتَّاب عند المسلمين منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وانتشر مع انتشار الإسلام في مختلف البلدان، وأنشئ من خلال عمل إسلامي بحت، وكان المكان الرئيسي في العالم الإسلامي لتعليم الصغار، وقد تمتع بمكانة كبيرة الأهمية في الحياة الإسلامية، وبخاصة وأنه المكان الذي يتعلم فيه الصبيان القرآن، إضافة إلى ما للعلم من مكانة في نظر الإسلام حيث هو فريضة على كل مسلم، وكذلك تلك القدوة التي نأخذ بها من خلال أقوال وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم حيث حض على ضرورة التعلم , فكلف كل أسير من أسرى الحرب بعد موقعة بدر بتعليم اثني عشر طفلًا من أطفال المسلمين على سبيل الفدية.
ولقد قسمت الكتاتيب إلى قسمين:
1 ـ كتاتيب أولية: وكان يتعلم الأطفال فيها القراءة والكتابة , ويحفظون القرآن , ومبادئ الدين وأوليات الحساب.
2 ـ كتاتيب قانونية: إن صح هذا التعبير -كانت لتعليم الأطفال والشباب علوم اللغة والآداب، وكانوا يتوسعون فيها بعلوم الدين والحديث وسائر صنوف العلوم الأخرى بصورة عامة (3) .
إلا أن أحد الباحثين يفصل بين الكتاتيب بحيث يرى أنه"كان من الشائع المتعارف عليه أن يقوم غير المسلمين بمهنة تعليم القراءة والكتابة , وكان هذا النوع من التعليم يجري في منازل المعلمين , وربما خصص هؤلاء حجرة في بيوتهم لاستقبال الطلاب، وقد حافظ الكتاب من هذا النوع في الكثير الغالب على استقلاله التام عن الكتاب الآخر الذي كان يجري به تعليم القرآن الكريم , ومبادئ الدين الإسلامي، وكثير من الباحثين لم يفرقوا بين نوعي الكتاب هذين , وقرروا أنه كان هناك نوع واحد من الكتاتيب , تعلم فيها القراءة والكتابة , ويحفظ فيه القرآن , وتدرس به علوم الدين" (4) .
نستنتج من هذا أنه كان هناك نوعان من الكتاتيب، أحدهما لتعليم القرآن , ومبادئ الدين الإسلامي، وثانيهما لتعليم القراءة والكتابة والحساب، إلا أن هذا لا يمكن تعميمه , حيث كان ثمة كتاتيب تجمع بين تعليم هذه المواد، لكن نستطيع القول إن الكتاتيب القرآنية قد انتشرت بشكل واسع وبارز ؛ نتيجة تحمس الناس الشديد للقرآن الكريم، وكثرة الفتوحات الإسلامية، وبالتالي اتساع رقعة الدولة.
كذلك ظهر نوع من الكتاتيب اختص بالأيتام، وكان الغرض من إنشائها، تعليم الأيتام وأبناء الفقراء ورعايتهم، إلى جانب التقرب إلى الله تعالى.
ولم تقتصر هذه الكتاتيب على تعليم الأيتام بل"أضيف إليهم أولاد الفقراء والجند والبطالين، وقد وفر هذا النوع من التعليم الرعاية العلمية والاجتماعية لهذه الفئة غير القادرة , والذين لم يكن في وسع ذويهم إرسالهم إلى المكاتب الخاصة , أو إحضار مؤدبين لهم إلى المنازل" (5) .
ولقد كثر الاهتمام بكتاتيب الأيتام خلال عهود الزنكيين، والأيوبيين والمماليك، فهذا نور الدين زنكي يبني"في كثير من بلاده مكاتب للأيتام ويجري عليهم وعلى معلميهم الجرايات الوافرة" (6) .
واختلفت أحجام الكتاتيب صغرًا وكبرًا،"فكتاب أبي القاسم البلخي كان يتعلم فيه (3000 تلميذ) وتدل رواية ياقوت على أن هذا الكتاب بجانب استقلاله عن المسجد كان فسيحًا ليتسع لهذا العدد الكبير ,ولهذا كان يحتاج البلخي أن يركب حمارًا ليتردد بين هؤلاء وأولئك ؛ وليشرف على جميع تلاميذه" (7) .
وكان المكان المخصص للكتاب"يختلف باختلاف المعلمين ومشاربهم , فمن مكان متسع طلق الهواء , يساعد الصبية على الإقبال على الدرس , إلى مكان مظلم , لا تدخله الشمس يحدّ من استعداد الصبية للحفظ والإفادة من التعليم" (8) .
أما أثاث الكتاب فكان يفرش بالحصر غالبًا، يجلس عليها الصبيان متربعين حول معلمهم، وكانت أدوات الدراسة تتضمن مصحفًا شريفًا، وعدة ألواح، وعددًا من الدوي والأقلام.
وقد يختص المعلم"بسرير أو كرسي مرتفع , وربما عوض الكرسي بمصطبة مبنية (دكانة) ليس عليها من الرياش سوى بساط صغير" (9) .