فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 1942

أما سن ذهاب الصبي إلى الكتاب فيلاحظ بصفة عامة أن هناك"اتجاهًا نحو التبكير في التعلم بالكتاب، فمنذ السنة الخامسة أو السادسة أو السابعة ينتقل الطفل إلى بيئة جديدة هي الكتاب، حيث يبقى فيها إلى أن يتم حفظ القرآن بأكمله , أو يحفظ جزءًا منه إلى جانب تعلمه القراءة والكتابة، وبعض النحو والعربية , وشيئًا من الحساب، وما إلى ذلك من الأمور التي كانوا يعتبرونها وسائل للإحاطة بالدين" (10) .

ولعله من الأرجح أن يبقى الصبي في الكتاب حتى سن الثانية عشرة أو ما دون ذلك، ولكن لا يمنع الأمر أن يكون هناك من هم في سن أكبر من الثانية عشر.

ولما كان الصبيان يأتون إلى الكتاب صغار السن، لذا كان على الأهل أن يؤمّنوا من يرافقهم في غدوهم ورواحهم إلى الكتاب، وأطلق على هذا المُرافق اسم السائق , واشترط فيه أن يكون"أمينًا ثقة متأهلًا، لأنه يتسلم الصبي في الغدو والرواح , وينفرد به في الأماكن الخالية , ويدخل على النسوان , فيلتزم أن يكون كذلك" (11) .

وتعد مثل هذه الأمور ظاهرة اهتمام واضحة من المسلمين بسلامة أطفالهم، وخاصة من خلال تلك القواعد التي وضعوها , ورعوا فيها الظروف الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع، فوضعوا شروطًا وقيودًا للمحافظة على الأطفال من بعض الأمراض الاجتماعية التي كانت منتشرة، وقد امتد الاهتمام بالأطفال ليشمل أوقات الراحة والذهاب إلى المنزل والعودة منه.

أما معلم الكتاب فقد جمع مهامًا متعددة بيده، ومهمته تشبه إلى حد ما مهمة المعلم المنفرد، لكنه يتصرف ضمن لوائح وإرشادات معينة لا يحق له الخروج عنها.

"وقد تحرى أجدادنا -رحمهم الله- جهدهم في انتخاب المعلم الذي يتولى تعليم صبيانهم، فلا يختارون لهذه المهمة إلا من تقرر عندهم حسن أخلاقه، وتوفرت فيه خصال رشيدة جمَّة، منها الاشتهار بالاستقامة والعفاف، والعدالة مع الخبرة العامة بالقرآن وعلومه. وقد وضع الفقهاء المسلمون خصالًا ينبغي توفرها في معلم الكتاب، فالقابسي يرى أنه ينبغي أن يكون مهيبًا لا في عنف، لا يكون عبوسًا مغضبًا، ولا مبسطًا، مرفقًا بالصبيان دون لين، وينبغي أن يخلص أدب الصبيان لمنافعهم" (12) .

ولقد أنيطت مهمة الإشراف على معلم الكتاب بالمحتسب , فاشترط بهذا المعلم أن يكون من"أهل الصلاح والعفة والأمانة، حافظًا للكتاب العزيز، حسن الخط، ويدري الحساب، والأولى أن يكون متزوجًا، ولا يفسح لعازب أن يفتح مكتبًا إلا أن يكون شيخًا كبيرًا , وقد اشتهر بالدين والخير , ومع ذلك فلا يؤذن للتعليم إلا بتزكية مرضية وثبوت أهلية" (13) .

أما منهج التعليم ومواده المقررة، فكان يطلب من الصبي أن يحفظ القرآن الكريم كله أو بعضه عن ظهر قلب أو رواية واتقانًا، ويتعلم القراءة والكتابة والخط، ومبادئ الحساب الأولية.

وقد اهتم المربون المسلمون بتكوين الشخصية السوية لأطفال الكتاب بتعويدهم الكتابة للناس، وتعليم بعضهم بعضًا , وخاصة من خلال ذلك الصبي المتميز بعلمه , والمعروف بالعريف , وإملاء بعضهم على بعض , وإمامة من بلغ سن الاحتلام وصلح لإمامة غيره في صلاة الجماعة، مع ما في ذلك من اهتمام في التطبيق العملي لما يتعلمونه.

وقد يفرغ المعلم من تعليمهم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، فيعلمهم"مبادئ علوم الدين واللغة، أي أن النشاط التعليمي داخل الكتاب كان يمتد ليشمل تعليم الأطفال بعض الأحاديث النبوية وآداب الدين، ويعلمهم عقائد أهل السنة والجماعة، ومما يتناسب مع السن والفهم، وكذلك قواعد اللغة , وما يستحسن من المراسلات والأشعار , ويدرجه بذلك حتى يألفه طبعًا" (14) .

أما تنظيم التعليم في الكتاب فقد قام الفقهاء بمحاولات تنظيمه قدر الإمكان، وأخضعوا الكتاتيب لشروط موحدة، بالإضافة إلى ما كانت تقوم به الدولة بالإشراف عليها , وعلى أنظمتها من خلال المحتسب , ومراقبته لها، والذي له الحق أن يمنع من لم تتوفر فيه الشروط اللازمة لممارسة المهنة.

وكانت الحياة في الكتاتيب"فطرية في الغالب"وأوقات الدراسة فيها كانت تحدد بعلامات طبيعية, فشروق الشمس كان بدء اليوم الدراسي , يطول ويقصر تبعًا لشروق الشمس، وأذان العصر" (15) ."

وأما بالنسبة للراحة والعطل المدرسية، فقد لوحظ اهتمام المسلمين بإعطاء الصبي قسطًا من الراحة بعد عناء الدراسة، فهذا ابن الحاج العبد ري (ت 737هـ/ 1336م) يقول"إن ذلك مستحب لقوله عليه الصلاة والسلام"روحوا القلوب ساعة بعد ساعة"فإذا استراحوا يومين في الجمعة نشطوا لباقيها" (16) . وهناك تعطيل في أيام الأعياد، وحالات المرض، والرياح والعواصف والبرد والمطر الشديد.

أما المعلم فإذا تغيب لشغل طارئ"فعليه أن يستأجر للصبيان من يكون فيهم بمثل كفايته إذا لم تطل مدة ذلك... كذلك إن هو سافر فأقام من يوفيهم كفايته لهم، إن كان سفرًا لا بد منه، قريبًا اليوم واليومين، وما أشبههما فيستخف ذلك إن شاء الله، وأما إن بعد أو خيف بعد القريب لما يعرض في الأسفار من الحوادث فلا يصلح له ذلك" (17) .

أما تعليم البنات، فيبدو أن التعليم الابتدائي لم يكن مختصًا بالصبيان الذكور دون الإناث، بل إنه كان شاملًا للجنسين، لا سيما عند الأغنياء، وأصحاب المناصب العالية والعلماء،"فهذا القاضي الورع عيسى بن مسكين المتوفى سنة (275هـ/888م) كان يقرئ بناته وحفيداته. قال عياض: وكان من سيرة عيسى بن مسكين في غير مدة قضائه أنه كان إذا أصبح قرأ حزبًا من القرآن، ثم جلس للطلبة إلى العصر. فإذا كان بعد العصر دعا بنتيه وبنات أخيه يعلمهن القرآن والعلم" (18) .

ويبدو أن بعض الصبيان كانوا يستمرون في الكتاب إلى سن الاحتلام , ولهذا كان يخشى على الإناث من الفساد، ولذلك لم يمنع البنات من التعليم، وإنما منع اختلاطهن بالذكور، انطلاقًا من الغيرة على الأخلاق، وحفظ الدين، وأكبر دليل على انتشار التعليم بين الإناث تلك الأعداد الكبيرة من النساء الفقيهات، والشاعرات، والكاتبات... الخ.

أما الحياة الاجتماعية في الكتاب، فلم يسمح المسلمون أن تقوم عزلة وحواجز بين الكتاب والمجتمع، ولذلك فهو يتفاعل مع مجتمعه , ويشارك في حياته اليومية"فإذا مات عالم جليل أفاد العباد بعلومه , أو رئيس نفع البلاد بآرائه وأعماله، أو أمير عادل أنصف في أحكامه، أغلقت الكتاتيب أبوابها، وعطل الأحداث دراستهم يوم دفنه مشاركة في المصاب العمومي، وإظهارًا للتأسي وإجلالًا لخدمة الصالح العام" (19) .

ويشارك الصبيان في القضايا العامة التي تلم بالمجتمع فيقول ابن سحنون:"إذا أجدب الناس , واستسقى الإمام , فأحب للمعلم أن يخرج بهم من يعرف الصلاة منهم، وليبتهلوا إلى الله بالدعاء ويرغبوا إليه، فإنه بلغني أن قوم يونس -صلى الله على نبينا وعليه السلام- لما عاينوا العذاب خرجوا بصبيانهم , فتضرعوا إلى الله بهم" (20) .

وقد تميز التعليم في الكتاب بالاهتمام بالآداب الاجتماعية حيث"يقوم المعلم بتأديب الأطفال , وتربيتهم التربية الصالحة , وتعويدهم العادات الحسنة، وتعليمهم كيفية احترام الناس , ومراعاة الذوق والأدب طبقًا للعرف الجاري، وأن يلقي السلام على من يدخل عليهم , أو يمر بهم من الناس، ويأمرهم ببر الوالدين، والانقياد لأمرهما بالسمع والطاعة، والسلام عليهما , وتقبيل أياديهما عند الدخول إليهما، ويضربهم على إساءة الأدب , والفحش من الكلام وغير ذلك من الأفعال الخارجة عن قانون الشرع" (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت