تحتفظ النفس البشرية بالصور التي تنعكس عليها ـ من نافذة الحواس ـ عن العالم الخارجي، تحتفظ بها ثم تبدأ تركب بعضها مع بعض وتجرد بعضها من خصائصها لتصنع منها صورة جديدة وهذا يسمى خيالا. فالخيال إذا إبداع النفس لصور كاذبة.
13-الإنتزاع:
قد يعلم الإنسان بوجود دار معينة. ثم يعلم بوجود دار أخرى وثالثة ورابعة و.. و.. وهنا تتعب النفس عن الاحتفاظ بعدة معلومات عن الدور العديدة المتمايزة عن بعضها فتحاول ان تستريح وتجد مهربا في تجريد الدور عن صفاتها المميزة والتركيز على صفتها الموحدة فتحتفظ الذاكرة بصورة عن الدار بعيدة عن خصائص الدور التي عرفها الإنسان وتسمى هذه عملية الإنتزاع.
فالإنتزاع ـ إذا ـ توحيد المعلومات المختلفة بصبغة واحدة.
14-التصور:
حينما يحس الفرد بشيء تنعكس صورته على نفسه، وقد تعمل النفس عامدة لخلق مثيلها. وتذكر الصور النفسية أو معرفتها يدعى بالتصور.
فالتصور ـ إذًا ـ علم النفس بما فيها من صور الحقائق الخارجية.
البحث الأول عن: الدليل إلى الله
كلمات في البدء
لماذا ندرس العقائد؟
1-لأن العقائد تبين مبدأ الإنسان ومصيره وخط سيره في الحياة الأولى والآخرة، فإن من لا يدرسها ببصيرة، سوف يحسب انه على صراط النجاة.. بينما هو على صراط الشقاء في الدنيا وسبيل النار في الآخرة فيخسر نفسه في العالمين.. ومن هو أشقى ممن خسر نفسه في الدنيا والآخرة؟ قال الله تعالى: [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالاَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا] ، (الكهف 103/104) .
2-من أوجده؟ إلى أين ينتهي؟ ولماذا جاء؟ وما هو سبيله الأقوم؟ وكيف يسعد؟ ولماذا خلق الكون؟ وما هي الغاية من وجود البشر؟ ولماذا يسعد بعض ويشقى آخرون؟ أسئلة يطرحها كل فرد على نفسه، ويسعى لمعرفة الإجابة الصحيحة. ذلك لأن هذه الأسئلة ترتبط بكافة نواحي حياته وبدون الإجابة عنها يفقد الرؤية السليمة إلى الحياة فيقع في تناقضات مستمرة وهنا إذا هو درس العقائد دراسة عميقة عرف الإجابة الصحيحة، والا فاما ان تبقى الأسئلة لديه بدون جواب فيصيبه الفراغ والضياع، أو يجيب عنها إجابات مرتجلة فيضل، ويشقى! إذ انه راح يعتقد بأفكار خرافية مثل عبادة الأصنام والحيوانات والنجوم.
3-لقد بث أعداء الإسلام شبهات حول الدين فلقفتها الشبيبة لأنهم لم يكونوا قد درسوا بوعي ما كانوا يعتقدون به، فتمسكوا بالشبهات وتركوا حقائق الدين وأصبحوا دعاة للكفر وجنودا للأعداء، فكان لابد لنا من ان ندرس العقائد لنرجع هؤلاء إلى ما كانوا عليه من عقيدة بالدين والتزام بشرائعه.
4-والثقافة الإسلامية التي نزل بها الروح الأمين على قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم تبق سليمة وذلك بفعل ما اختلط بها من اهواء وأساطير أملتها خرافات الإغريق قديما، وفلسفات الغرب حديثا. فلم يعد المسلم يبصر طريقه في الحياة، تلك الطريق التي ضاعت في زحمة الدعايات الأجنبية فأصبح متوتر الفكر، مشوه الكيان، مفقود الثقة بنفسه والأصالة في رأيه، مغرقا في بؤرة التناقضات.
ولكي نعيد المسلم إلى واقعه، وننقذه من سلبيته وتبعيته، لابد ان نعيد إليه الثقافة الإسلامية الحقة التي ترتكز على العقائد الإسلامية.
كيف ندرس العقائد؟
أمام دارس العقائد ثلاثة مناهج مختلفة:
1-منهج الفلسفة؛ ويعتمد على المنطق الأرسطي (الشكلي) وفلسفة الاغريق الالهيين، وعلم الكلام الإسلامي المقتبس منها وهو منهج شكلي تجريدي. ودراسة العقائد وفق هذا المنهج استعارة ناشزة للقالب الفلسفي في عرض العقائد الإسلامية حيث تتلوث بتصورات البشر الوثنية، إذ ان الإسلام مبدأ حنفي جديد على الإنسان موحى إليه من الغيب، وله قالب يناسبه، وأي اقحام لمفاهيم الفلسفة ومناهجها وألفاظها في بنائه الفكري يشوه صبغته ويخل بتوازنه ويقضي على وحدته العضوية الداخلية.
ومن هنا فقد أخطأ أولئك الذين حاولوا صياغة الإسلام في قوالب أجنبية غريبة في مناهجها وألفاظها وإيحاءاتها عن روح الرسالة الإسلامية، كعلماء الكلام قديما ومقلدي الغرب حديثا.. وقد نعت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أول من قام بهذه المحاولة الخاطئة في المسلمين، نعته بأنه (سامري هذه الأمة(1) لأنه بدل عبادة الله الأحد بعبادة التوهمات الغريبة عندما أشاب نقاء الحنفية الإسلامية بوثنية الاغارقة المشركين!
2-المنهج الصوفي؛ وقد انبثق هذا المنهج من الاغراق في التقشف وجعل الإنسان رمز الشرور والخطيئات الذاتية، وجعل فناء الإنسان في غياهب العدم والسلبية هو المنهج القويم الموصل بهم إلى الحقيقة. ونرى هذا التصور الخاطئ بارزا في الفلسفة البرهمية والفلسفات الآسيوية البعيدة، وقد طرقت أبواب المسلمين في بداية القرن الثاني مع نشاط حركة الترجمة بين المسلمين.
وهذا المنهج ينكر دور العقل في معرفة حقائق الكون، ويدعو إلى السلبية ونبذ النظم الدينية والاكتفاء بالصفاء الروحي الذي يتحول شيئا فشيئا إلى الانطواء أو اللامبالاة. والواقع ان ابتعاد هذا المنهج عن روح الإسلام هو كبعد الإسلام عن روح الجاهلية. إذ ان هذا المنهج يعتمد على العمل أكثر من اعتماده على العقل! بل ويكفر بدور العقل والاستدلال النظري بتاتا، ويتصور ان معرفة الله هي فوق مستوى العقل. وهذا قول مرفوض وباطل كما تحدثنا عنه في القسم الأول، من هذا الكتاب.
3-المنهج الإسلامي؛ ويستوحى من القرآن الحكيم ويقوم على أصول ثابتة من الفطريات المسلمة والمتميزة عن دواعي الهوى والغضب، وميزته الأساسية ايقاظ الوعي وإثارة العقل والدعوة إلى التدبر والتفكر والتوجيه إلى الانفتاح على الحياة لمعرفة أعماقها وملامسة أغوارها ومخاطبة روحها النقية الخالصة. ولا ينسى هذا المنهج دور العمل كما لا يجرد العقل عن العمل، وأسلوب الحديث في هذا المنهج التذكرة والتنبيه والابتعاد ابدا عن المراء والجدل والمكابرة على الحق.
وركيزة الحديث فيه التبشير والانذار وذكر الأمثال من الأمم السابقة، كيف نجى فيها من نجى وكيف هلك منها من هلك.
ونحن نتبع هذا المنهج لأن الإسلام لا يمكن فهمه الا من حيث المجموع لأنه بناء متين ينبغي ان يدخل فيه برفق وتدبر.. ولأنه طريق قريب، واضح المعالم، بليغ البينات، منسجم مع الفطرة، وضرورات الحياة.
ولقد استوحينا المنهج من هدى القرآن حين حاولنا التلمذة عليه دون ان نحاول التأويل فيه، أو مواجهته برواسب الثقافات الغريبة (2) .
أي رب ندعو إليه ؟
إلى أي اله ندعو الناس؟ لابد ان نوضح عدة نقاط مبدئية لكي لا تكون دعوتنا إلى الله مشوبة برواسب الثقافات الأخرى، وبالتالي ترفض هذه الدعوة بسبب تلك الخرافات التي زعمها الآخرون ونحن منها براء. والواقع ان أكثر المشركين بالله هم الذين تصوروا الله بأوهام بعيدة عن الحق فأنكروا الله وهم لم ينكروه في الواقع بل أنكروا من تصوروا انه الله والا فأي شيء أكبر شهادة من الله؟
القرآن نجاة من الأساطير
(1) - بحار الانوار ،ج42 ، ص142 .
(2) - راجع مقدمة الطبعة الرابعة .. في مطلع هذا الكتاب