فهرس الكتاب

الصفحة 1316 من 1942

ومثلما حّاول باسكال تقديم رؤية نقدية في كتّابه الأول لإسرائيل ولطبيعة العلاقات الفرنسية الأوربية معها، وحالة إسرائيل كدوله فوق المحاسبة يواصل هذه المرة تفنيد خرافة مصطلح الحرب العالمية الرابعة أو الحرب علي الإرهاب وهو المصطلح الذي بدأ استخدامه في التسعينات بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتزايد في الفترة الأخيرة بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث يري باسكال أن الإرهاب ليس هو الخطر الوحيد الذي يهدد عالمنا اليوم بل أنصار القوة واستخدام البطش في العالم الغربي أيضا يشكلون تهديدا علي القيم والأفكار الليبرالية والديمقراطية، وترك الساحة لهؤلاء الذين لا يرون في العالم سوي (هم ونحن، الخير، و الشر) لا يمكن أن يجعل عالمنا يعبر بسلام المأزق الذي يمر به بل قد يقودنا هؤلاء الأشخاص ذو التفكير الآحادي إلي كارثة حرب عالمية رّابعة. وبلغة تجمع بين الرصانة الأكاديمية ورشاقة الأسلوب الصحفي لا يتواني باسكال عن نقد أطروحات من يسميهم بصقور الإدارة السياسية الغربية الذين يرون أن القضاء علي الإرهاب لا يمكن إلا باستخدام القوة العسكرية حيث يبدأ فصول كتابه بتحليل رؤية صمويل هنتنجتون حول صدام الحضارات والتي تعتبر الأطروحة الأكثر حضورا في السنوات الأخيرة: فباسكال يلفت النظر أولا إلي الحضور الطاغي لتلك النظرية في معظم النقاشات السياسية مؤخرا ورغم ازدياد النقد الموجه لهذه النظرية إلا أن حضورها يزداد تأكيدا حيث يوضح هذه الحالة التعبير البليغ للفنان الأمريكي أندي وارهول لا يهم أن يقولوا أمورا سيئة عني طالما أنهم يكتبون اسمي بصورة صحيحة وهكذا لأنه لا يوجد من يخطأ في تهجئة اسم هنتنجتون فمازال الاسم وأطروحته حاضران باستمرار علي الساحة.

يري باسكال أن أطروحة صدام الحضارات تحتوي علي الكثير من الثغرات التي لم يفسرها هنتنجتون كوضع الحضارة اليهودية أو تفسيره لحروب الخليج التي دارت معظمها بين أبناء حضارة واحدة هي الحضارة الإسلامية، ويطرح باسكال النقد الأساس الذي يوجهه لأطروحة هنتنجتون والذي يتمثل في الطبيعة الحتمية التي يتحدث بها هنتنجتون عن صراع الحضارات حيث يفترض مقدما كأن الحضارات تسير بالضرورة نحو المواجهة فيما بينها، وأن هذه المواجهة ستكون بالضرورة بلا نهاية. كما لو كان البشر لا يمكنهم أن يغيروا مجري الأحداث بأعمّالهم وكما لو أن الشعوب وقادتها متفرجون سلبيون علي تاريخهم الخاص.

يفند باسكال بعد ذلك الإدعاء القائل بأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يعد أحد أشكال صدّام الحضارات ففلسطين تحتوي علي عدد متعدد من الطوائف الدينية والمسيحية وليس من السهل إدماجها كلها تحت قائمة الحضارة الإسلامية، لكن مع ذلك يشير باسكال لخطورة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فهذا الصراع الذي يمكن اعتباره صراع علي مستوي الشعوب العربية الرافضة لوجود إسرائيل وإسرائيل التي تمارس التجاوزات في حق هذه الشعوب يمكن أن يقود في حال استمراره إلي انتحار متبادل للشعبيين الفلسطيني والإسرائيلي وهو ما قد يعجل فعليا مسيرة العّالم نحو صدام شامل: فالحكومات العربية استخدمت القضية الفلسطينية لعقود طويلة لتأطير طاقة الجماهير العربية وتحويلها بعيدا عن مشاكل السياسية الداخلية ولذلك فعدم إنشاء دولة فلسطينية أو رفض الاعتراف بهذه الدولة وبحقوق الشعب الفلسطيني،ينظر له من قبل الشعوب العربية والإسلامية كرمز تام للمصير التعس المكرس لهم وحالة الإحباط المتولدة من استمرار الصراع الفلسطيني دون حل تعتبر أقوي مولدات الغضب لدي الشعوب الإسلامية.

يّتوسع باسكال في القضايا التي يتناولها بعد ذلك في كتابه، فنجده يتناول في فصلين كاملين العلاقات الفرنسية الإسرائيلية والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، مقدما رؤية تحليلية لطبيعة العلاقات في كلا الحالتين ومراحل تطورها التاريخية. فمنذ انقطاع التحالف الاستراتيجي الفرنسي الإسرائيلي بعد حرب 1967 وفرنسا تلتزم بالرؤية التي وضعها الجنرال ديجول والتي تعتبر أن الاحتلال العسكري للأراضي ليس شرعيا وليس مفيدا وإذا كانت فرنسا تعمل من أجل حل الصراع الإسرائيليالفلسطيني، فذلك لأنها تري أن استمراره لا يتفق مع القانون الدولي وهو مدان علي الصعيد الأخلاقي وخطر علي الصعيد الاستراتيجي.

وفي مقابل ذلك فهناك العلاقات الأمريكية الإسرائيلية والتي يرصد الكاتب مراحل تطورها التاريخي منذ نشأة إسرائيل وكيف عملت أمريكا طوال الوقت علي توفير الغطاء العسكري والسياسي والاقتصادي لإسرائيل ولجرائمها وتجاوزها للقوانين والأعراف الدولية لكن باسكال يرصد مفارقة هامة في طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فالحامي (الولايات المتحدة) لا يستطيع أن يفرض شروطه علي المحمي (إسرائيل) بل المحمي هو الذي يفرض شروطه علي من يحميه ويعقد في هذا الصدد مقارنة بين موقف أمريكا من ألمانيا الغربية قبل توحيد الألمانيتين وموقفها من إسرائيل، فألمانيا الغربية كانت محمية من أمريكا ولم تكن تستطيع أبدا أن تخالف أمريكا في توجهاتها السياسية لكننا نشاهد العكس مع إسرائيل التي تملي شروطها علي أمريكا بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلي إغراق مدمرة أمريكية هي المدمرة ليبرتي من قبل إسرائيل لتحقيق أهداف عسكرية خاصة بها ومع ذلك لم تعترض أو تثور الإدارة الأمريكية بل قبلت الرواية الإسرائيلية الرسمية التي وصفت الحّادث بالخطأ المؤسف حيث اعتقدت القوات الإسرائيلية المدمرة الأمريكية مدمرة مصرية.

في نهاية الكتاب الذي يمتد ل 201 صفحة يضع باسكال عددا من السيناريوهات التي يتوقعها للمستقبل علي ضوء معطيات الواقع السياسية: أول هذه السيناريوهات هو تزايد القوة الأمريكية ومعها سيزداد الغرور والعمي الأمريكي، ومعه يزاد العنف والتجاوزات الإسرائيلية وهو ما سيؤجج الغضب العربي الإسلامي تجاه أمريكا وإسرائيل وبالتالي ينتهي الأمر بكّارثة يدفع ثمنها الطرفان. السيناريو الثاني هو أن يتدخل المجتمع الدولي بمساعدة المؤمنين بالسلام من الطرفين (الإسرائيليالفلسطيني) لفرض السلام العادل الذي يكفل عودة اللاجئين الفلسطينيين وقيام دولة فلسطينية وإسرائيلية علي حدود 1967 مع تقديم إسرائيل للتعويضات المناسبة للاجئين الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم طوال هذه السنوات. أما السيناريو الثالث فهو استمرار المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية التي تفضي بعد سنوات إلي دولة فلسطينية متناهية الصغر، مع استمرار الاحتلال وبالتالي استمرار القمع علي قسم من الضفة، وعدم إعادة القدس الشرقية يتواكب كل هذا مع استمرار الحضور العسكري الأمريكي في العراق وعمليات عسكرية ضد إيران بدعوة مقاومة انتشار السلاح النووي وكل هذا يعطي أسامة بن لادن وأصدقائه مزيدا من القوة والشعبية وهكذا يسدل الستار في النهاية علي قادة أمريكيين يتشدقون بالسير في الاتجاه الصحيح وقادة إسرائيليين ينادون بالصبر ويؤكدون علي ضمان أمن إسرائيل قبل كل شيء، ومثقفين وخبراء ليسوا بالضرورة غير مبالين، يرفعون شعارات أخلاقية، لكنهم يقبلون القيام بدور الكورال. وفي حالة كهذه سيقترب أكثر صدام الحضارات، والحرب العّالمية الرابعة المستندة علي حمّاقة إستراتيجية ستصير واقعا والقرن العشرين الذي كان قرن حروب سيتم تجاوزه بفظائع القرن الحادي والعشرين.

عصرنة الدين أم تديين العصر

الخميس 1 من ذو الحجة 1427 هـ 21 - 12 - 2006 م الساعة 01:52 م مكة المكرمة 10:52 ص جرينتش

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت