فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 1942

ويذكر أمين انه في أمر كهذا كان لابد من الاستعانة بمؤرخ بريطاني شهير اكتسب شهرته كمؤرخ خبير بأي شيء يتعلق بالإسلام ولكن لا رغبة عنده البتة في ذكر الحقيقة كاملة عن الإسلام، بل لديه دافع قوي للغاية بسبب ولائه للصهيونية لذكر ما يسئ إلى الإسلام والمسلمين وهو برنارد لويس، الذي اصدر عقب أحداث 11 سبتمبر كتاب «أين مكمن الخطأ» ويقصد بهذا العنوان ما هو بالضبط الذي جعل المسلمين يرتكبون أحداث 11 سبتمبر وطبعا اتبعت أميركا كل الأساليب لضمان نجاح الكتاب وتسويقه على أوسع نطاق ممكن فالرسالة التي يحملها من المهم أن تصل في هذا الوقت إلى اكبر عدد ممكن من الناس وهذا كله من دون أن يحقق من صحة القول بان الخاطئين كلهم مسلمون.

ثم اصدر كتابه الثاني «أزمة الإسلام» الذي يشترك مع الكتاب السابق في أنهما يحملان الإسلام أسباب ما حدث، وفي حديثه عن محاولات تحسين صورة العرب والمسلمين يرى أمين أن من الاستراتيجيات التي يلجأ إليها البعض لذلك محاولة التبرؤ من هؤلاء المسلمين الذين يكرههم الغرب فيقولوا «إنهم ليسوا مسلمين حقيقيين أو ينتمون للإسلام وان الإسلام الحقيقي لا يقول هذا بالمرة ومن ثم فنحن نتبرأ منهم ونعتبرهم مجرمين مارقين مثلما يعتبرهم الغرب بالضبط» وهذا الاتجاه بالتمييز بين ما يسمى بالإسلام الحقيقي وغير الحقيقي هو اتجاه بغيض في رأيه كما انه اتجاه خطير قد يؤدي بالسائر فيه إلى التهلكة أما انه بغيض فلما يتضمنه من ادعاء وغرور إذ يزعم قائله إن هناك إسلامًا «حقيقيا» لا يفهمه إلا هو وكل ما عداه إسلام «غير حقيقي» وكذلك لا يشعر أمين بأي ارتياح عندما يحاول «المحسنون» أن يبينوا فضل المسلمين على الحضارة الغربية، وكل هذا صحيح ولكن الإسلام لا ينحصر فضله في القيام بدور الوسيط بين جزء من الغرب وجزء آخر منه والمسلمون لديهم أكثر من سبب يبرر استحقاقهم للحياة غير قيامهم بهذه الخدمة للغرب في يوم ما من الماضي.

ويخلص أمين إلى أن لهجة الغربيين اليوم في كلامهم عن الإسلام والمسلمين ليست من النوع الذي يثير الرغبة في محاولة تحسين صورة الإسلام والمسلمين في أعينهم بل من النوع الذي يثير الغضب والحنق فقد أساءوا الأدب في الكلام عن شيء نبيل وعزيز لدينا مما لا يترك مجالا لتبادل الحديث معهم ومحاولة تبرئة النفس في مواجهة ظلم صارخ من هذا النوع هو من قبيل الإمعان في إذلال النفس واحتقارها ويزيد الغضب والحنق عندما تجئ هذه الاتهامات والاهانات من سياسيين في الغرب لا يعرف عنهم في رأيه الكثير من صفات التحضير إلا في أتفه الشكليات كنوع ما يرتدونه من ثيات مثلا أو طريقة تناولهم للطعام فلا يعرف عنهم سمو الأخلاق في معاملتهم لغيرهم من الشعوب أو الترفع عن الصغائر عندما يتعاملون مع خصومهم أو الحلم والصبر وضبط النفس عند الشدائد أو الاستعداد للعفو عندما يكونون قادرين عليه وكلها صفات اظهر العرب والمسلمون في تاريخهم قدرا وافرا منها.

المصدر: عصر التشهير بالعرب والمسلمين، نحن والعالم بعد 11 سبتمبر 2001 المؤلف: الدكتور جلال امين الناشر: دار الشروق ـ القاهرة..

11/10/1425 الموافق 01/01/1970

حضارة الوفاق بين العلم والدين

أ. د. عماد الدين خليل

جاء الإسلام.. وبضربة من يد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأيدي أصحابه رضوان الله عليهم.. تهاوت جدران الوثنية.. تساقط الأرباب.. حجارتها الصماء تحت الأقدام المتحركة صوب أهدافها الكبرى.. وفتح العرب المسلمون أعينهم يومًا فإذا بالسد الذي حجب عنهم الرؤية والحركة قد انزاح، وامتد الطريق أمامهم مستقيمًا واضحًا متجهًا كالسهم إلى أقصى تخوم الأرض.. وإذا بالسماء التي غيبتها غشاوة أعينهم طويلًا، تبدو الآن واضحة للعيان، نقية زرقاء، تنساح باطمئنان عجيب إلى ما لا نهاية.. وكيف لا يبدو الطريق مستقيمًا، والسماء منفتحة، وقد أُزيح الركام، ورُفعت هامة العربي لكي لا تنحني من بعد إلا لله؟

وفي عقود من السنين محدودة استطاع الإسلام أن يحول أهل الجاهلية إلى أمة متحضرة خرجت إلى أطراف الأرض تحمل علمها الجديد، وحضارتها المتوحدة، لكي ترسم للعالمين مصيرًا جديدًا.. من إلغاء الوثنية وكسر الحصار وفتح مجال الرؤية ومنح حرية الحركة، تمكن الإسلام أن يصنع إنسانه المتحضر العالم الذي انطلق إلى تخوم حضارات شاخت وعلوم وهنت، وأفكار طغى عليها ركام الرؤى المشوهة والأضاليل.. خرج المسلم من الصحراء وهو يحمل قيمه الجديدة الحية، وتعاليمه الواضحة البينة، ومعتقداته المتفردة الفذة، وتصوراته الكلية الشاملة، وتوحده الذاتي العجيب، وطموحه الإيماني الذي لا يقف عند حد إلا ليتجاوزه إلى حدود أبعد، وسلوكه الأخلاقي الذي شد أنظار المتخبطين في عبودية كسرى وقيصر.. خرج المسلم من الصحراء لكي يصوغ بهذا كله حضارته الجديدة، وعلمه (الحركي) الذي أشعلته في ذهنه فتيلة الإيمان التي ما لها من نفاد.

انطلق المسلم إلى العالم مع إخوانه يحمل تعاليم الله ورسوله: تثبيتًا لمفاهيم التوحيد في كل مكان، ونشرًا للعدل والمساواة في كل أرض.. وتفجيرًا للطاقات الحضارية والعلم الصحيح في فؤاد كل إنسان.. وانفتاحًا إنسانيًا نادرًا على كل ما يمكن أن تقدمه الحضارات القديمة من قيم ومعطيات تساعد الإنسان في تأكيد وتعميق هذه القيم جميعًا، ابتداءً من التوحيد المطلق لله - سبحانه - وانتهاءً بصياغة حضارة تضم جناحيها على منجزات البشرية منذ أن قدح الإنسان الحجر بالحجر فتطايرت الشرارة الأولى.. وإلى أن يشاء الله فيبتكر المسلمون من بعد ويكتشفوا ويخترعوا ويقدموا للبشرية معطيات حضارة متوحدة فذة لم تعرف يومًا تفريقًا وثنائية وازدواجًا بين العلم والدين..

فها نحن قد عرفنا كيف أن الدين هو الذي بّصر الإنسان وحركه، وهيأ له الأرضية الصالحة لبناء حضارة من أكثر حضارات التاريخ غنى وعطاء.. تلك التي أمدّت عالم الغرب فيما بعد عن طريق الجسور التي أقامتها الأحداث بين العالمين، بطرائق لا حصر لها في ميادين البحث والتجربة والتعلم والتحضر، وأتاحت له أن يصل بما أضافه إليها من مبتكرات إلى العصر التكنولوجي الحاضر.. ولكن شتان!! شتان بين علم وحضارة صنعهما دين عرف كيف يوحد الإنسان ويضم أرضه إلى سمائه بانسجام وتوافق معجزين، وبين علم وحضارة يصنعهما اليوم (روافض) لم يعرفوا عن الدين شيئًا، ولا استذوقوا طعم السعي في ظلاله يومًا، ولا أدركوا أبعاد آفاقه التي لم تنغلق يومًا بوجه إنسان يبحث عن (طريقة) تضع طاقات الكون بين يديه وترمي بكنوزها عند قدميه..

شتان بين علم هيأ للإنسان (فعلًا) وحدته البشرية مع ذاته، ومع إخوته من بني الإنسان، وأتاح له (فعلًا) أن يكون سيد للعالمين وخليفة في الأرض.. وبين علم سحق وحدة الإنسان الباطنية والجماعية، ودمر على بني آدم قدرتهم على تحويل الإنجاز العلمي إلى وسيلة لسعادة حقيقية شاملة في الأرض والسماء.. علم أحدث تناقضًا مخيفًا بين كدح الإنسان المادي الملموس وبين مطامحه الروحية والأخلاقية النائية البعيدة.. شتان بين علم أخضع أعناق القوى المادية للإنسان، وبين علم أخضع أعناق بني آدم للقوى المادية.. واليوم تنصب طاقات البحث والتجريب من أجل ابتكار أشد الأسلحة مضاء في قتل الإنسان ودماره.. ويمد العلماء أبصارهم إلى اليوم الذي يتمكنون فيه من إلغاء العالم إلغاءً بحفنة من جراثيم مكتلة، أو سموم مصنعة، أو قنابل لا تعرف شفقة ولا رحمة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت