فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 1942

واشتركت كل هذه الجامعات العظيمة في تشجيعها لطلبتها على مبدأ المناقشة والمناظرة والتمرس عليها، فأصبح من المألوف أن يخالف الطالب أستاذه في الرأي في إطار الأدب المتعارف عليه، وبهذا أوجدت المدرسة العظيمة التي يطلق عليها بالمسجد - بمفهومه الشامل - أجيالًا ستظل معجزة العالم ومفخرته، ولها فضل على كل علوم الدنيا شرعية أو كونية أو إنسانية، حيث كوَّنت أساس النهضة العلمية والصناعية في الغرب.

وحظي القرنان الخامس والسادس الهجريان بالتوسع في بناء المدارس المنفصلة عن المساجد، مما أدى تدريجيًا إلى فقد شمولية التعليم في حلقات المسجد ليقتصر على العلوم الشرعية، وبدأ الضعف العلمي يدب في الأمة، ومما زاد في تسارع الضعف والانهيار حدوث كوارث ثلاث في تاريخ أمة الإسلام على مدى ثلاثة قرون:

أما الأولى فهي حرق مدينة الفسطاط عام 564هـ، وأما الثانية فهي تخريب وحرق التتار لبغداد مركز الحضارة الإسلامية آنذاك في عام 656هـ، أما الكارثة الثالثة فهي سقوط الأندلس عام 897هـ.

وبفقد المسلمين للزعامة العلمية تم فقد قيادة الإسلام للبشرية، وورثت أوروبا التراث العلمي، فحمله أبناؤها وقدروه حق قدره، فرفع قدرهم ليتسلموا من المسلمين الزعامة العلمية وقيادة البشرية، وأصبح المسلمون يتخبطون في الجهل، وضاعت هويتهم الإسلامية، فبدأوا يفصلون بين التعليم الديني والتعليم الدنيوي وهو مفهوم غريب عند جيل عمالقة المسلمين، وانفصل بذلك البعد الروحي والخلقي والتربوي للمسجد عن العلوم الدنيوية، فضعف التحصيل في علوم الدنيا التي فيها قوام الحياة، وعمل الاستعمار على تقليص التعليم الإسلامي الشامل، فعملت بريطانيا على الأزهر، وفرنسا على جامع القرويين في فاس، وكذلك الحال بالنسبة للزيتونة بتونس، ومن وسائل تحجيم وتحييد هذه المساجد الجامعية إضعاف أوقافها، وتخرجت أجيال ممن صبغت بغير صبغة الله وبغير صبغة مدرسة الإسلام، وابتعد المسلمون أكثر فأكثر عن مفهوم الشمولية العلمية، وعمارة الأرض، والأخذ بأسباب كل ما يقيم الحياة ويبنيها، بل وعندما فقدت صبغة المسجد فقد الإخلاص في تلقي العلوم، وسخرت أمم أخرى العلوم بمعزل عن القيم الروحية وما يصلح النفس البشرية.

إن ضعف دور المسجد هو انعكاس لضعف الأمة الإسلامية، ولن تكون الصحوة الإسلامية إلا عندما يقوم المسجد بدوره الشامل، ويرتقي بأساليبه ووسائله التربوية والتعليمية بما يتناسب مع احتياجات العصر ومقتضياته، ليصبح قلب الحياة الإسلامية من جديد، وهو واجب عصري حيث لا يتم واجب تعليم الجيل إلا به.

إن هناك جهودًا حثيثة لإعادة دور المسجد في بناء الحضارة وصناعة الحياة، ومن هذه الجهود ما تقوم به الجمعية الإسلامية في بوسطن من إقامة أضخم مركز حضاري في أمريكا يشمل مسجدًا جامعًا ومدرسة ومكتبة تكون مرجعًا للباحثين ومركزًا لدعوة غير المسلمين وقاعات للمحاضرات.

وسيبنى المسجد - إن شاء الله - في موقع متميز بجوار المدينة الطبية والجامعات الكبرى مثل هارفرد وجامعة بوسطن على أرض قدمت للمسلمين بسعر رمزي لأول مرة في تاريخ أمريكا، وسيكون هذا موضوعنا القادم إن شاء الله.

(ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) .

المرجع: المسجد ودوره التعليمي عبر العصور من خلال الحلق العلمية لعبدالله الوشلي.

* استشاري غدد صماء وسكر، ورئيس برنامج في مركز جوزلن للسكر، وعضو هيئة تدريس كلية طب جامعة هارفرد - بوسطن، وعضو مجلس أمناء الجمعية الإسلامية في بوسطن.

العمران والحضارة عند ابن خلدون

ناجي بن الحاج الطاهر

لم يعد الحديث عن أزمة العالم محور جدل اليوم، بل صار محور تلاقٍ لمختلف التيارات الفكرية في كل البلاد. كما أن تلك الأزمة بحد ذاتها أصبحت إشكالًا يُمثلُ - للمفارقة - عاملَ توحيد بين مختلف الأمم المتواجدة على الساحة العالمية في هذا العصر.

وفي هذه اللحظة الخانقة من تاريخ البشرية، تُطرح"العالمية"أو"العَولمة"على أنها مشروع لحل أزمة العالم اليوم بمختلف أجناسه وشعوبه. ويتجسد طرح العولمة في صورٍ مختلفة، فهي مرةً"نهاية التاريخ"، وهي مرة أخرى"توحيد الأسعار وفتح الحدود"، ومرة ثالثة هي"الإنترنت"، مرورا بـ"كوكلة"العالم (حيث يشرب العالم كله الكوكاكولا) على حد تعبير الدكتور المسيري. ويغيب عن بال البعض أن تلك العولمة هي في حقيقة الأمر - بشكلها الحالي - تعبيرٌ عن الأزمة أكثر من أن تكون حلًا لها.

إلا أن الشكل الذي تُطرح به العولمة لا يجب أن يحجب عنا المظاهر العديدة التي تجعل منها واقعا مُعاشا. فهناك تداخل العلاقات الدولية إلى حدٍ يستحيل معه أي قرار داخلي دون اعتبار الآخر الخارجي، وهناك سرعة انتقال المعلومات وتجاوزها الطبيعي للحدود الدولية، وهناك عالميةُ مشكلة البيئة، وعالميةُ مسألة الهجرة، وعالمية التجارة كمُعطى وليس كخيار.. والوعي المشترك والمتزايد للبشرية بوحدة مصيرها، ومدى التأثير العالمي على الأحداث الداخلية (راوندا، البوسنة، أفغانستان...) . كل هذا وغيره يجعل من الضروري لمن يريد أن يفكر في مصير البشرية اليوم من موقع المسؤولية أن يتفكر في شأن مفهوم العالمية في شكل من الأشكال.

وفوق ذلك، فالعولمة أو العالمية عند المسلمين فكرة ذات مستوى معرفي، وذات بعد ديني في الوقت نفسه، وذلك لارتباطها عندهم بفكرة الخاتمية. الأمر الذي يجعل مسؤولية المسلمين في هذا المجال مزدوجة، ويدعوهم لجعل فكرة الخاتمية تلك ممكنة على صعيد الواقع والنظرية على حد سواء.

من هنا، وسواء طُرح الإسلام كبديلٍ أو كشريكٍ حضاري، فإن من غير الممكن الاستغناء عنه في بناء حضارة عالمية تُمكِّنُ العالم من تجاوز أزمته. إلا أن أي محاولة للإسهام في هذا الأمر من قبل المسلمين كطرفٍ عالمي تتطلب فهما وبحثا معرفيا عميقا لمفهومين أساسيين هما: العمران والحضارة. ذلك أن الموجود إلى الآن في تاريخ المسلمين المعاصر لا يمثل سوى محاولاتٍ لترجمة ما عند (الآخر) من عطاء ثقافي يتعلق بهذين المفهومين.

وقد قصدنا الحديث عن التاريخ المعاصر، لأننا نجد في تاريخ المسلمين ما قبل المعاصر أن عبد الرحمن بن خلدون طرح مسألتي العمران والحضارة كظاهرتين بشريتين بشكل متكامل. فابن خلدون الذي ولد في تونس سنة 1332 للميلاد عاش لحظة أزمة عالمية تتطلب التفكير العميق في التحول الحاصل من جرائها، فهاهو يقول"وإذا تبدلت الأحوال جملةً فكأنما تبدّلَ الخلقُ من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلقٌ جديد ونشأةٌ مستأنفةٌ وعالَمٌ مُحدَث"1. ولذا تبرز مسؤوليته في إعادة كتابة التاريخ كضرورة، يقول"فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق والأجيال والعوائد والنِّحل التي تبدلت لأهلها ويقفو مسلك المسعودي لعصره"2.

ومن هنا، يتبين السبب الكامن وراء إعادة قراءتنا للفكر الخلدوني متمثلا في استقلاله عن غيره من المسلمين عند تحديد مفهومي العمران والحضارة من وجهة نظر معرفية إسلامية، وذلك من واقع وعيه بالأزمة من داخلها، وشعوره بالمسؤولية للخروج منها. وربما تُساعد مشاركة ابن خلدون على إقامة حوار تعارف مع الحضارات الأخرى من منطلق انتمائها الحضاري الأصيل، بعكس كثيرٍ من المساهمات التي لا تُمثّلُ سوى الآخر مترجما، ذلك لأن الشريك غير المترجم دائما في حوار الحضارات...

العمران عند ابن خلدون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت