جاء في الدعاء المأثور عن الإمام الحسين عليه السلام، والمعروف بـ (دعاء عرفة) : (كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل اليك. عميت عين لا تراك عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبًا) .
الله نور السموات والأرض، إذًا، فهو الشاهد على السموات والأرض، وبه نعرف السموات والأرض وليس العكس.
لابد ان نرفع الستار حتى تستقبل أفئدتنا أنوار معرفته.. ليدلنا إلى ذاته بذاته، لابد ان نرفع عن أعيننا غشاوة الظنون والشهوات، لابد ان نطهر قلوبنا من رجس الذنوب ورين الأماني.
وهكذا ينبغي أن يفعل معلم العقائد، وعليه أن يستعين بالله، ويتوكل عليه في عمله. وأخيرا أسأل الله ان ينفعني بهذا الكتاب يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
محمد تقي المدرسي
3/رجب الحرام/ 1404هـ
البحث الأول عن:المعرفة بين الإسلام والتصورات البشرية
منهج البحث
كمن يدخل بيتا يكتنفه الظلام فيتحسس قبل كل شيء عن المصباح، فإذا وجده استضاء به في اكتشاف سائر الأشياء، كذلك حاول الإنسان: أن يجد في البدء مصباحا للحياة، فإتجه قبل كل شيء ناحية نفسه ليجد فيها العلم والعقل فأولاهما كل اهتمامه.
والإسلام بدء يذكر الإنسان بعقله، ليتخذه مصباحا يكشف به غيب الحياة، وتماما كما أن كل شيء في البيت المظلم ينكشف بالمصباح الا أن المصباح ذاته لا يُعرف الا بنفسه بعد التوجه إليه، فإن الإسلام يعتبر العقل أول ما يُعرف، بيد ان معرفته لن تكون الا بذاته. إذ ان الإنسان كيف يكشف العقل وهو لا يملكه؟ بل كيف يكون العقل كاشفا للإنسان عن كل شيء ولا يكون كاشفًا عن ذاته؟
وهكذا يبدء الإسلام معالجة أعقد مشكلة عند البشر من زاوية جديدة وبمنهج جديد، وذلك حين يأمر الإنسان بألاّ يحاول معرفة العقل الا بالعقل ذاته، إذ انه سيُلحد عن المنهج القويم إذا أراد معرفته بالتوصيف أو بالتصورات والتحليلات البعيدة، ذلك لانه سيبعده عن العقل تمامًا مثل الذي يحاول التعرف على المصباح في الليل المظلم بتوصيفه أو تصوره.. يقول الإسلام: ليس العقل شيئا بعيدا عن الإنسان، ولذا فلابد الاّ يحاول معرفته الا بكشف ذاتي وتنبه ذاتي. ومن هنا فإنه يُذكِّر البشر بأن العقل ذلك النور الذي يجده كل عاقل في نفسه بعد ان لم يكن، وحين يجده يشرع بمعرفة الحسن والقبح والخير والشر.. الخ. وربما يفقد الإنسان عقله في سورة الغضب فيرتكب عملا فإذا أفاق لام نفسه، وتحسر عما فعلت.. هكذا توجيه إلى الداخل، عودة إلى الذات، عودة إلى الشعور.
إن الكشف الذاتي الذي يملكه العقل، نابع من أن كل شيء ظاهر بسببه، فكل ما هو منكشف للبشر وظاهر ، له آية من آيات وجوده. ومن هنا كان على الإنسان الغافل عن عقله أن يستثير أكبر كمية ممكنة من معارفه، ليجد انه لم يكن يحيط بها لولا وجود طاقة لديه تكشف الحقائق وهي (العقل) . ولهذا فإن التوجيه إلى آثار العقل وآياته هو الدليل القريب إلى حقيقته وإذا وجده الإنسان وعرف حقيقته وميزه عن الجهل، وفرق بين أحكامه الصائبة وخيالات النفس، وأخيرا إذا استيقظ العقل داخل الذات بالتذكرة به والتوجيه إليه استطاع الإنسان أن يسكن إلى نفسه ويثق بفكره ويهتدي إلى السبيل إلى كل علم وكل خير.
هذا هو المنهج الإسلامي الفريد.. ويتخلص في ثلاث نقاط:
1-التذكرة بأن معرفة العقل بداية كل معرفة ومنطلق كل بحث.
2-التذكرة بأن معرفة العقل لن تكون الا بالعقل ذاته، أو بآثاره وآياته وذلك بمقارنة حالتي وجوده وعدمه ببعضهما.
3-التذكرة بأن وجدان العقل، هو الطريق إلى وجدان الحقيقة وتميزها عن الباطل. من هنا نجد النصوص الإسلامية تتظافر بالتذكرة إلى العقل في محاولة لا يقاظه داخل النفس ووجدان الحقائق به. جاء في الحديث:
قال الامام الصادق عليه السلام: إذا أردت أن تختبر عقل الرجل في مجلس واحد فحدثة في خلال حديثك بما لا يكون، فإن أنكره فهو عاقل وان صدقه فهو أحمق (1) . هذه تذكرة إلى آيات العقل وإلفات النظر إلى أثر من آثار العقل، وهي معرفة المستحيل وإنكاره رأسا.
وسئل الحسن بن علي عليهما السلام فقيل له ما العقل؟ قال: التجرع للغصة حتى تنال الفرصة (2) ..
هذه آية أخرى من آيات العقل يكتشف بها الإنسان وجوده.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صفة العاقل أن يحلم عمّن جهل عليه، ويتجاوز عمّن ظلمه، ويتواضع لمن هو دونه، ويسابق من فوقه في طلب البر، وإذا أراد أن يتكلم تدبر، فإن كان خيرا تكلم فغنم، وان كان شرا سكت فسلم، وإذا عرضت له فتنة إستعصم بالله، وأمسك يده ولسانه، وإذا رأى فضيلة انتهزها لا يفارقه الحياء، ولا يبدو منه الحرص. فتلك عشر خصال يُعرف بها العاقل (3) .
هكذا تتظافر النصوص الإسلامية على بيان آيات العقل وآثاره لكي تكون تذكرة إليه ويقظة له من الداخل، لانه ليس هناك أي حقيقة يمكنها ان تكشف العقل لنا دون العقل ذاته، والعقل لا يمكن معرفته الا بالتذكرة إلى آثاره..
بين العقل والعلم
وحيث يتعرف الإنسان على العقل يستطيع أن يميز العلم عن الخيال. فالعقل يحكم بإستحالة التناقض والتضاد، وقبح الشر والظلم، وبصحة محسوسات الجوارح، وانه يقدر على أن يرد كل حادث إلى سببه وكل هاجس ـ في النفس ـ إلى علته، يقدر على تمييز كل فكرة صحيحة عن الخاطئة بعد التأكد من سببها، وهو يحكم بأنه لو انكشف الواقع أمام الإنسان انكشافًا واضحا، بحيث لا يمكن للنفس التشكيك فيه ،فلا يكون ذلك الا علما صحيحا، وأما لو أحب المرء أن يعتقد بفكرة لمصلحة أو هوى في نفسه فلا يمكن أن تكون تلك الفكرة الا باطلة.
فمثلا: قد تهجم على شاشة النفس تصورات متفاوتة من واقع واحد، فيرى المرء أن جاره رجل طيب، ثم يرى في الوقت ذاته أنه شرير، ويرى أن القيام بأذاه قبيح ولكنه في ذات اللحظة يتراءى له انه عمل شريف وواجب.. هنا تتداخل التصورات وتتوتر النفس، ويحتار الإنسان فيتدخل العقل ليبرز العلم الصحيح، ذلك الذي يكشف فعلا عن الواقع الخارجي ويميزه عن الخيال، فيقول محللا بأناة: كيف عرفت أن جاري رجل طيب؟ أبقول الناس أم بقياس أعماله، أم بطيبة أبيه؟؟ فإذا وجد أن ما دعاه إلى تصور الجار رجلا طيبا كان قول الناس ـ مثلا ـ إذا وجد ذلك وقف ليوجه إلى نفسه سؤالًا ثانيا: هل يمكن للناس أن يكذبوا وليست لديهم أية مصلحة في القول بصلاح جاره؟ فيحكم ويقول كلا.. ثم يحاول التعرف على السبب الذي دعاه إلى تصوره رجلا خبيثا، فيجد أن جاره طالبه بحقه الذي لا يمكنه الا الاعتراف به، وهنا يعلم أن السبب في هذا التصور المشوه عن جاره الطيب يكمن في مصلحته وهواه الذاتي، والعقل يحكم بأنه لا يمكن أن يكون هذا دليلا على أنه رجل شرير.. بهذا يفرق بين تصور خاطئ وتصور صحيح، والأمر لا يعدو أن يجري خلال لحظة واحدة الا انه ينطوي على مجموعة أحكام عقلية صائبة.
(1) - بحار الانوار ، ج1 ، ص131 ،ح28 .
(2) - بحار الانوار ، ج1 ، ص116 ،ح9 .
(3) - بحار الانوار ، ج1 ، ص129 ، ح12 .