فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 1942

وبإختصار: المنهج القرآني يسعى نحو تنمية روح الإيمان في النفس البشرية القادر على تحدي الضعف البشري، وذلك بعد تجاوز مرحلة الإثبات بالأدلة العقلية التي لا تقاوم الحجب النفسية في حالة وجودها. فشخص مثل فرعون استبد به حب الرئاسة، كيف يمكنه ان يسلم وجهه لله بمجرد سرد أدلة عقلية؟

أما إذا انقشعت عنه الحجب، فإن فطرة البشر تكفي شهادة على الحقيقة.

ان البشر يعاني من ضعف إرادي لابد ان ينجبر بالمنهج القرآني، حتى يؤمن بالله ذلك الإيمان الذي يتحمل مسؤولياته العظيمة.

وفي الختام نستبصر بهدى السنة عبر حديث مفصل نرويه عن الامام الصادق عليه السلام، يبين الامام فيه ان الإيمان مجموعة فرائض ومسؤوليات مبثوثة على جوانح البشر وجوارحه:

( فأما ما فرض على القلب من الايمان فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن لا إله الا الله وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وان محمدا عبده ورسوله صلوات الله عليه وآله، والإقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب.

فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار والمعرفة، وهو عمله، وهو قول الله عز وجل: [إِلاَّ مَنْ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا] (النحل 106) .

وقال: [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] (الرعد 28) .

وقال: [الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ] (المائدة 41)

وقال: [وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ] (البقرة 284) .

وفرض الله تعالى على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقر به. قال الله تبارك وتعالى: [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا] (البقرة 83) .

وقال: [وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي اُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (العنكبوت 46) .

فهذا ما فرض الله على اللسان وهو عمله.

وفرض على السمع ان ينزه عن الاستماع إلى ما حرم الله وان يعرض عمّا لا يحل له مما نهى الله عز وجل عنه، والإصغاء إلى ما أسخط الله عز وجل، فقال في ذلك:

[وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ اَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ] (النساء 140) .

ثم استثنى الله عز وجل موضع النسيان، فقال:

[وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] (الأنعام 68) .

وقال: [فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الاَلْبَابِ] (الزمر 17-18) .

وقال عز وجل: [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ] (المؤمنون1-4) .

وقال: [وَإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ] (القصص 55) .

وقال: [وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا] (الفرقان 72) .

فهذا ما فرض الله على السمع من الإيمان ان لا يصغى إلى ما لا يحل له، وهو عمله، وهو من الإيمان.

وفرض الله على البصر ان لا ينظر إلى ما حرم الله عليه، وان يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له، وهو عمله وهو من الإيمان. فقال تبارك وتعالى:

[قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يُغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ] (النور 30) .

فنهاهم من أن ينظروا إلى عوراتهم، وان ينظر المرء إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه.

وقال: [وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ] (النور31)

من أن تنظر أحداهن إلى فرج أختها، وتحفظ فرجها من أن ينظر إليها. (1)

كيف ندرس العقائد؟

لكي نستوحي من المنهج القرآني في تدريس العقائد، نوصي بملاحظة النقاط التالية:

ألف: أن نبدأ بالفات نظر الطلبة إلى آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم مع التركيز على تلك الآيات الأقرب إلى إثارة عقولهم وتجلية فطرة الإيمان فيهم، ومع التذكرة بما في الخلق من روعة الجمال ولطف الصنع ودقة الحكمة. ان كل شيء من حولنا يسبح بحمد الله، ولكن السؤال: لماذا لا نفقه تسبيحهم، وما هو مفتاح فهم لغتهم؟ لماذا نحن محجوبون عن رؤية ضياء الشمس الذي يسجد الله، ويسبح بحمد الله، ويدعونا إلى ربنا؟ المعلم التوحيدي الناجح هو الذي يعطي الطالب منهجا للتفكر في المخلوقات، ومفتاحا لفهم لغة الحياة التي تعتبر أكبر مدرسة لمن يعرف لغتها.

وعلينا أن نبدأ مع الفرد من حيث هو، أي من النقطة التي هو فيها. فقد يثير فردا مظاهر الطبيعة، من تعاقب الليل والنهار، ونظام السموات والأرض، والرعد والبرق والعواصف..وقد يعيش الفرد أزمة نفسية أو وضعا إقتصاديا سيئا، أو مرضا، أو علاقات إجتماعية شاذة.. وهكذا فيثيره ما يتناسب مع وضعه الخاص.

وعالم الرياضيات الذي تعجبه الحسابات الدقيقة، وعالم الفضاء الذي تهزه عظمة المجرات السابحة في العالم اللامتناهي، وعالم الطب والأحياء و.. و..

لكل واحد منهم مفتاح يفض عقد نفسه، ويفتح آفاق معارفه، وعلى المعلم أن يبدأ من هناك، ويستمر معه حتى يطوف به على سائر آيات الله في الخليقة وفي النفس البشرية.

يأتي طبيب إلى الإمام الصادق عليه السلام يهتم بالعقاقير وبيده عقار يسمى بـ (الأهليلجة) وسيأل الامام عما يثبت به الصانع؟ فيجيبه الإمام عليه السلام و. بهذه الأهليلجة (2) ويبدأ معه حوارا وجدانيا بناءً ينتهي بتسليمه أمام وضوح الحجة وفطرة المعرفة.

ويأتي سائح يجوب البحار فيقول: دلني على ربي؟ فيجيبه من حيث هو، إذ يسأله: هل انكسرت بك السفينة في البحر وتعلق قلبك هناك بمن يقدر على انقاذه؟ فلما قال بلى، قال انه ربك.

ان تدريس العقائد يتم عبر التفاعل الوجداني بين النفس والحياة، بين العقل والطبيعة، وهذا لا يكون إلاّ عبر المعاناة والتفاعل بين المعلم والطالب، أكثر من أي درس آخر.

باء: أن يُستوحى من الآيات القرآنية، وخطب نهج البلاغة التوحيدية، وأدعية الصحيفة السجادية، وأيضا من سائر الأدعية المأثورة في التذكر بالله.

ويستفاد وبغزارة من شواهد الطبيعة، وإختلافها ودقتها وعظمتها وحكمة تدبيرها، وبالذات من مكتشفات العلم الحديث.

جيم: ان التوحيد ليس مادة دراسية، بل بصيرة لفهم أية مادة دراسية أخرى، انه صبغة الله، انه برنامج المعرفة، إطار التفكر، سبيل إلى العلم بالحقائق، هدى ونور وضياء. ولذلك لا ينبغي حشر موضوع التوحيد في زاوية وفصله عن غيره من الموضوعات، بل لابد من بسطه على كل موضوع دراسي، وجعل كل شيء يعرف بالله، لأنه ليس أي شيء أظهر من الله.

(1) - بحار الانوار ،ج 66 ،كتاب الايمان و الكفر، باب 30، ج6،ص 24-26.

(2) - بحار الانوار ، ج3 ،ص 152 ، ب5

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت