فهرس الكتاب

الصفحة 1928 من 1942

بل إن المسيحية كانت الفكرة الوحيدة، والدافع الأخلاقي الذي وظفته أوروبا -كما سبق- لغزو العالم، يقول ابن نبي: (في هذا المجتمع ذي الفضائل الجذبية الأثرة -التي سنت التعاون وجهلت سنة الضيافة- أودعت المسيحية(خميرة) التوسع الأخلاقي، الذي استخدم فيما بعد ذريعة للحروب الصليبية، وللمشاريع الاستعمارية ) (18) . بل كما يرى (هانتنجتون ) أن الغربيين في القرن السادس عشر لما انطلقوا في غزوهم للعالم، كان ذلك من أجل الله ومن أجل الذهب أيضًا (19) . ويستشهد ابن نبي بالتفسير الذي ذهب إليه (كسرلنج ) الذي يرى الحضارة الغربية الأوروبية باعتبارها تركيبًا مكونًا من روح المسيحية وتقاليد الجرمانية. ومن قبله المؤرخ الفرنسي (جيزو ) الذي كان ينظر إلى الأشياء من هذه الزاوية نفسها قبل (كسرلنج ) بقرن كامل (20) .

كل هذا التأكيد من ابن نبي على أن المسيحية كانت المفعِّل الأول لشروط الحضارة الأولية في الغرب، يدفعنا إلى التساؤل عن موقع اللادينية، أو بتعبير أصح ما موقع الماركسية ؟ وما موقع المادية من تفسيره لدور الدين ? أين الدين في التجربة الماركسية، بل وفي أوروبا الحداثة وما بعد الحداثة ؟

يرى ابن نبي أن المسيحية التي شكلت الغرب، ليست هي مسيحية عيسى عليه السلام والحواريين، وإنما هي المسيحية التي نمت في أوروبا وسجلت وجودها النفسي في الغرب بعد ثلاثة قرون من تسجيلها في التاريخ، وخضعت خلال ذلك كله إلى تشكيل خاص أدخل في تكوينها البعد الأغريقي واليهودي، مما يمكن أن نسميها الفكرة الإغريقية اليهودية المسيحية، وصارت تشكل الإطار النفسي الذي تتشكل فيه الخميرة الأخلاقية، وينمو فيه الأنا الغربي، فرديًا كان أو جماعيًا.. وبما أن الدين سنة مرتبطة بالوجود الإنساني كما سلف، وهو سنة مفتوحة كما أشار (باقر الصدر ) من قبل، فإن الفكرة الدينية تبقى تعمل، (وتقوم بدورها الاجتماعي ما بقيت متمسكة بقيمتها الغيبية... أي بقدر ما تكون معبرة عن نظرتنا إلى ما بعد الأشياء الأرضية ) (21) ، وعندما تفقد هذه القيمة الغيبية، فإنها تترك مكانها، أو تعمل بواسطة بديلاتها اللادينية نفسها (22) ، وهذا ما حدث في الغرب، عندما كانت المسيحية لا تملك بعدًا غيبيًا متماسكًا، فإنها بقيت إطارًا أو بنية تحتية أنتجت الماركسية، التي هي في حقيقتها دين بمفهومها العام بما تقدمه من تفسير للنظرة الكونية، وبما تقدمه من وعود، وبما قامت به من ربط ودفع نفسي لمعتنقيها. فالمادية إذًا مفهومية دينية في حقيقتها حينما تطرح نفسها بديلًا للدين (23) .

وخلاصة الحديث عن الفكرة الدينية، أن ابن نبي يستعمل مفهوم الدين باعتباره تلك السنة التي فطر الله عليها الإنسان، وأن الدين وحده هو المركب الحقيقي للقيم الحضارية، وهو يعطي شرارة الانطلاق لتدخل الحضارة في التاريخ، وتتحقق في عالم الإنجاز

أهم خصائص الظاهرة الحضارية الغربية الخاصية الأولى: العالمية المركزية

في هذا الفصل نحاول تفحص أهم المفاتيح التي قدمها ابن نبي (رحمه الله) لدراسة وفهم الظاهرة الحضارية الغربية، إذ بعد تعرفنا على منظوره الفكري بوجه عام، وموقع المسألة الحضارية في فكره، ثم المنظور الحضاري بإطاره التفسيري وأدواته التحليلية، نحاول أن ننظر كيف طبق ابن نبي منظوره وأدواته في تقديم تصور عن الحضارة الغربية المعاصرة.

يرى ابن نبي (رحمه الله) أن أهم ما يميز الحضارة الغربية المعاصرة هي إشعاعها العالمي (عالميتها المركزية ) ، ومحاولة بسط هيمنتها ونفوذها على العالم، وماديتها التي تشكل رؤيتها إلى الكون والتكوين والتاريخ، وكذا فعاليتها الإنجازية على المستوى الاجتماعي والمادي، ثم نزعتها الجمالية التي ترجع إلى الجذر اليوناني وإلى عصر النهضة وتتحكم في تنظميها الاجتماعي. وخلال ذلك ندرس أهم نتائج هذه المميزات، التي تمنح لنا رؤية للاقتراب من الغرب على بصيرة بما هو ظاهر في هذه الحضارة وما هو مستبطن.

الخاصية الأولى: العالمية المركزية

مفهوم العالمية المركزية:

يرى ابن نبي (رحمه الله) أن الظاهرة الواضحة للعيان، والتي لا تحتاج إلى كبير تأمل; هي ظاهرة عالمية الحضارة الغربية. وإذا كان في تحليله لدورة الحضارة -كما سبق- يؤكد أن كل حضارة لها مجالها الحيوي، وقيمها المميزة لها، المحددة لمسارها في التاريخ، فإنه يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك بأن ظاهرة القرن العشرين هي عالمية الحضارة الغربية، إذ يقول: (فالظاهرة هي عالمية الحضارة الغربية التي تطَّرِد بدافع من قوتها الخاصة، ومن تطور الشعوب التي تعيش على المحور الآخر ) (1) . فما مقصوده عندما يقول: إن الحضارة الغربية حضارة عالمية ؟ وما مفهوم العالمية الذي يعطيه لها كخاصية ؟ وكيف تكون عالمية مركزية ؟ وما صلة هذا المفهوم ببقية المفاهيم، مثل الاستعمار، والتحيز، والقوة، والمركزية الغربية، والعنصرية، وغيرها ? وما هو مسار تشكل هذه العالمية ؟ وهل مرت بمراحل مختلفة ؟ وما هي مستوياتها؟

للوصول إلى إجابة عن هذه الأسئلة المتعددة، فإن ابن نبي (رحمه الله) يدعونا إلى البحث في جذور الحضارة الغربية، ومآلاتها، وواقعها الحالي، وما أضافته من إنجاز إلى التراث البشري، وما أحدثته من فوضى في العالم، كما أنه يدعونا إلى التفريق بين مستويين من التحليل، المستوى الأول يرتبط بإعطاء حكم قيمي، وأما الثاني فيهمه أن يرصد الظاهرة في حركتها على مسرح التاريخ، وميدان التغيير الاجتماعي، أي كما هي في الواقع. ومن هذا المستوى الأخير يمكن أن نلحظ مظاهر الهيمنة الغربية على العالم، وانتشار منتجاتها الحضارية في كل مكان، وتحكمها في مسيرة الإنسانية خلال القرنين الأخيرين على الأقل.

ومن هذه الوجهة فإن الحضارة الغربية تعتبر عالمية، من خلال توحيدها للمشكلة الإنسانية، إذ (حققت العبقرية الغربية هذا التوحيد حين أوصلت مقدرة الإنسان إلى المستوى العالمي، وهو يتجلى' في حياة كل شعب وفي تشكيلاته السياسية، وفي ألوان نشاطه العقلي والفني والاجتماعي ) (2) ، هذه العبقرية المتركزة أساسًا في العامل التكنولوجي، الذي بواسطته استطاعت الحضارة الغربية أن تنتشر في العالم، وتنشر أفكارها ومواقفها، وطرق تفكيرها، فأعطت صبغة مشتركة للحضارة العالمية في هذا العصر (3) .

وخلال منتصف القرن الأخير، كانت أهم مظاهر انتشار الغرب متمثلة في انتشار الطرق الحديثة على النمط الغربي، وخطوط السكك الحديدية في بقية العالم كما هي تمامًا في أوروبا وأمريكا، وظهور المصانع والمعامل الميكانيكية، والراديو، والتلفزيون، وطرق الإعلام الغربية، وكذلك التبني المباشر لطريقة الأكل واللباس والتعليم والحكم على الطريقة الغربية، ثم التبني المتحمس للتكنولوجيا الغربية في كل دول العالم (4) .

وهذا ما حدا بابن نبي (رحمه الله) أن يسجل في مذكراته، بأن العالم بدأ يتأمرك، وذلك من خلال انتشار الأفلام الأمريكية ورواجها (5) ، وإقبال الناس على تقمص الشخصية الأوروبية حتى في المأكل والمشرب، من خلال ظاهرة انتشار ثقافة (البيبسي كولا) و (الكوكا كولا) و (الهمبورغر) ، وغيرها من أنماط نموذج الحياة الاستهلاكية.. وإذا تعلق الأمر بالعالم الإسلامي فإن السائح الغربي يجد النبيذ والخنزير، والإباحية والعري، واليانصيب القومي، والقروض الحكومية ذات الفوائد، ويجد التقويم المسيحي، وإجازة السبت والأحد (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت