أما في الميدان الفكري، فإن الحضارة الغربية قد فرضت نفسها منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم على العالم كله، وقد تبنت معظم الشعوب نموذج أوروبا إما كليًا أو معدَّلًا، فسادت مفاهيم الغرب ونظرياته المختلفة، في العلم والمعرفة والمناهج العلمية والتفسيرات العلمية، وفي السياسة والاقتصاد وغيرها، وهيمنت على سائر الرؤى' الأخرى بحيث صارت وكأنها قانون العصر الذي لا محيد عنه (7) ..
وهذا الانتشار قد ينظر إليه باعتباره نوعًا من هيمنة الحضارة الغربية، وهذا صحيح. غير أن ابن نبي، بالإضافة إلى تأكيده على الطابع الذي تتميز به الحضارة الغربية من محاولة تصدير نموذجها وجعله مرجعًا ومثالًا، فإنه ينظر إلى الموضوع من زاويته الاجتماعية (السوسيولوجية ) التاريخية، إذ أن الإنسانية مع الحضارة الغربية اقتربت بينها المسافات، وتوحدت مشاكلها وآمالها، بشكل جعل المصير الإنساني مشتركًا وموحدًا، ولا يمكن لبلد أن يبني مشروعًا اجتماعيًا أو التفكير في تغيير حضاري، دون الأخذ بالحسبان العامل الخارجي، أي الإنساني.
كما نجد ابن نبي ينبه إلى مسألة الوعي الاجتماعي، وهي مسألة مهمة ينبغي اعتبارها، إذ صار وعي الفرد والجماعة يشمل دوائر أوسع مما كان عليه من قبل، ويرتبط هذا الوعي أيضًا بهموم الإنسانية كلها، ولذا فهو يرى واقعيًا أن الوعي الاجتماعي الذي كان يتكون منذ حين في دائرة محدودة أمام منظر محدد عمومًا، بنطاق بلاد معينة هي الوطن، قد أصبح يتكون اليوم في إطار أكثر امتدادًا بدرجة لا تضارع، وفي منظر أكثر انفساحًا كذلك. وللأسباب نفسها يحصل امتداد المستوى الشخصي للفرد; امتداد حضوره إلى مدى أبعد من مقره، فوسطه، فبلاده. وهذا التوسع في مستواه الشخصي، يكون مقياسًا مباشرًا لدرجة تحضر هذا الوسط، حيث لا يحيا الفرد مع أهله ومواطنيه فحسب ولكن مع عدد أكبر من الآدميين (8) .
إذن، فالمبررات التي جعلت ابن نبي (رحمه الله) يؤمن بعالمية الحضارة الغربية، هي مبررات واقعية من منظور اجتماعي يرصد الظاهرة في حركتها وتأثيرها في التاريخ.. ولعل من المبررات التي جعلته يتبنى هذا التحليل السوسيولوجي عدة مظاهر تدعو إلى النظر إلى الحضارة الغربية من زاوية حضورها العالمي، وذلك من حيث انتشار المفاهيم الغربية في العالم كله، وتبني معظم الناس لها كليًا أو جزئيًا، والذي لم يتبنها جعلته يتخذ منها موقفًا ويستحضرها انتقادًا أو رفضًا عند صياغته لمفاهيمه الخاصة، كما أن تبني معظم شعوب العالم كثيرًا من الأنظمة وأنماط الحياة التي أبدعها الغرب، وانتشار النموذج الاستهلاكي الغربي للحياة في كل المجتمعات المعاصرة، هو أحد صور هذه العالمية، ومن جهة أخرى -والذي يبدو أن لا مفر منه- انتشار التكنولوجيا والإنتاج الصناعي الغربي في العالم كله، والذي أصبح يشكل أحد سمات هذا الحضور الغربي في كل بيت في العالم، وليس كل مجتمع فقط.
هذا، بالإضافة إلى الاستعمار الغربي الذي شمل الإنسانية كلها خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، هذا الاستعمار الغربي الذي استنزف العالم كله وشمل كل قطر، مما وحّد هموم الإنسانية وجعلها كلها تتعرض لهيمنة النموذج الغربي نفسه، مما جعلها أقرب إلى النظرة المشتركة في كثير من قضاياها المرتبطة بمرحلتي الاستعمار وما بعد الاستعمار، فكان الغرب عالميًا على مستوى الوعي الإنساني، من خلال فرضه لنفسه على هذا الوعي أن يستحضره بفعل ما خلف من مشكلات تؤرق وتدعو إلى التفكير في حلها وعزلها عن المعامل الغربي.
إن أوروبا لم ترد تمدين العالم، ولكنها وضعته على طريق الحضارة حين جعلت تحت تصرفه الوسائل المادية ليتبع هذا الطريق، وحين أمدته بإرادة للسير فيه.. والموجة الأوروبية لم تأت للعالم بغمرة الرفاه المادي فحسب -مثل المنتجات الإلكترونية والصناعية وغيرها- بل إنها قد أتته أيضًا بثروات روحية لا جدال فيها (9) .
وقد يتساءل أحدنا عن هذه الثروات الروحية التي أتت بها أوروبا، ويرى أنه من عدم الدقة الحديث عن ثروة روحية من أوروبا إلى العالم، ويجيبنا ابن نبي (رحمه الله) أن أوروبا أودعت في (لا شعور ) الشعوب التي استعمرتها، وفي ذاتيتها عناصر تتجلى في سلوكها الاجتماعي الجديد، في فنها وفي أسلوبها وفي تنظيمها وفي نشاطها.. وهذا لا يعني أن هذه الثروة الروحية ذات قيمة إيجابية، فالأمر لا يتعلق بحكم قيمي، بقدر ما يتعلق بتسجيل التأثير الغربي على شعوب العالم. ولو تأملنا وقمنا بتحليل أي نشاط على محور (طنجة-جاكرتا ) اليوم، فإننا نجد طرازه في الغرب، فالبرلمانات أيًا كانت، هي صورة طبق الأصل من البرلمان الإنجليزي أو الفرنسي أو الأمريكي، وأي مشروع لوضع دستور ديموقراطي إنما يرجع إلى الطراز الغربي، وعندما يتحدث المسلم مثلًا عن الديموقراطية (10) فإنه يستعير بداهة مفهومًا غربيًا (11) .
إن العالمية التي تتميز بها الحضارة الغربية تكمن في أنها -ولو عن غير قصد- وضعت على طريق التاريخ شعوبًا أقصيت عنه بسيرها في دروب الخرافات والأساطير، وبثت فيها إرادة السير في هذا السبيل، عندما نزعت عنها ما بقي لها من حجب التبطل، وأزالت ما كانت تعيش عليه هذه الشعوب من أوهام ورثتها عن أجداد أسسوا حضارتهم ذات يوم، مثلما كان الأمر مع القدوم الأوروبي إلى العالم الإسلامي، إذ كان للأوروبي دور الديناميت المفجر، الذي أزاح عن مسلم ما بعد الموحدين غشاوة نومه، ومنحه إلهامًا جديدًا لقيمته الاجتماعية، حين نسف وضعه الاجتماعي الذي كان يعيش فيه راضيًا بالدون، فوجد نفسه في وضع لم تصنعه يداه، واضطر إلى أن يعمل شيئًا ليحفظ كرامته التي غرسها الإسلام في وجدانه، وليجد له مكانًا في عالم تغير عما كان عليه (12) .
وهذا الإطار العالمي الذي ارتفعت إليه البشرية مع العامل الصناعي والفني (التقني ) ، جعل دائرة الوعي تتسع، فالعامل الصناعي الذي كان له أثره في إحداث التفرقة والتنويع مدة طويلة، مما أتاح للشعوب المتقدمة المتطورة وضعًا ممتازًا بفضل تفوقها الاقتصادي والسياسي، فإن هذا العامل يتدرج بالإنسانية شيئًا فشيئًا نحو الانسجام والوحدة، محتمًا عليها بذلك مصيرًا مشتركًا. وبعد أن كانت عوامل التوحيد في النطاق الميتافيزيقي، أي وراء العوامل التاريخية، أصبح تأثيرها واضحًا في مجال التاريخ (13) ، وابن نبي يعطي أهمية خاصة لتاريخ القرن العشرين الذي تميز عن القرون الأخرى كلها، لأنه القرن الذي تحققت فيه تغيرات جذرية، بدت وكأنها ترسم للإنسانية نقطة اللارجوع على محور الزمن، فهو القرن الذي هبت فيه أكبر عواصف التاريخ على مصير الإنسانية، وهو القرن الذي سجل الأحداث الكبرى، سواء في مجال العلم، أو في المجال النفسي، أو في المجال الأخلاقي والديني، ففي كل هذه المجالات هبت عواصف كبرى يبدو أنها غيرت معالم الطريق (14) .