وقد أمر الله تعالى المؤمنين أن يستفيدوا من حضارات الأمم السابقة، وتأريخهم، وما تركوه، وما آلوا إليه من نتائج، ولذلك ذكر الله تعالى في القرآن الكريم قصصا كثيرة للأمم والشعوب، ثم أمر المسلمين بالعبرة ولاتعاظ وأخذ الدروس والفوائد من كل ما فعلوه (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِى الأَلْبَابِ) (يوسف111) ، بل أمر الله تعالى بالسير في الأرض للنظر في آثار هؤلاء الأقوام فقال تعالى (قُلْ سِيرُواْ فِى الأَرْضِ فَانظُرُواْ..) (النمل 69) .
هذا وقد سجل القرآن الكريم كلمات خالدة لأناس حتى ولو لم يكونوا مسلمين، أو مؤمنين بالله تعالى فسجل القرآن الكريم كلمة امرأة عزيز مصر: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّى) (يوسف 53) . وقول ملكة سبأ (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوآ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (النمل 34) .
والإسلام لا يكتفي بمجرد الأخذ وإنما بالاتقان والتطوير بناء على أن التوقف هو عين التأخر تنفيذًا لقوله تعالى: (لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) (المدثر 37) ولم يقل (أو يتوقف) لأن التوقف هو عين التأخر.
يضاف إلى ذلك أن الإسلام لا يكتفي بالحسن. بل لابد من الأحسن في كل شيء، الأخذ بأحسن ما يسمع (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (الزمر 17، 18) ، والجدال بالأحسن (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) (النحل 125) ، والعمل الأحسن (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك 2) ، والجزاء بالأحسن (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (النحل 97) ، والقول الأحسن (وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) (الإسراء 53) ، والدفع بالتي هي أحسن (ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) (فصلت 34) ، ووجوب اتباع الأحسن (وَاتَّبِعُوآ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) (الزمر 55) ، ووجوب الأخذ بالأحسن (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا) (الأعراف 145) .
ومن المعلوم في اللغة العربية أن (أحسن) صيغة تفضيل أي أفضل أنواعه، وأن هذه الصيغة لا تعني الوقف عند حد معين، فما هو الأحسن اليوم قد لا يكون كذلك غدًا، لذلك يجب متابعة الأحسن دائمًا، بأن تكون هذه الأمة على أحسن حال في جميع الأمور وهذا يعني أن هذه الأمة لا ينبغي لها إلا أن تكون في مقدمة الأمم والأقوام في كل مجالات الحياة، والإنتاج والإبداع، والخدمات...
والإسلام يؤمن بسياسة التوريث بأن تقوم هذه الأمة بتوريث كل ما عندها إلى الأجيال اللاحقة، كما أنه يفرض على أتباعه أن يجعلوا العلوم بجميع أنواعها للجميع، وأن لا يمنعوه عن أحد كما ورد بذلك أحاديث كثيرة.
وفي الأخير فإن الإسلام ضد الإفساد، ومع الإصلاح فحرم كل العوامل التي تؤدي إلى هدم الحضارات وأوجب الإصلاح، وهذا شعار الأنبياء (إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) (هود 88) .
دور الحضارة الإسلامية في الحضارات اللاحقة
لقد أوضح الفيلسوف المعروف جارودي دور الحضارة الإسلامية في الحضارات اللاحقة فذكر أنه عندما رحل الراهب الفرنسي (جربير) للدراسة في جامعة قرطبة قفل راجعًا وقد بلغ من العلم مبلغا صار يتهم بأنه قد فاق الشيطان، ثم أصبح بعدئذ البابا باسم (سلفستر الثاني) وان الحضارة الغربية تدين للعلوم الإسلامية في مجالات الطب والحساب والجبر، والبصريات، والفلسفة، والمنطق، وغيرها، فقد كانت الجامعات الأوروبية في فرنسا وبريطانيا تدرس كتب الرازي، وابن رشد، وابن الهيثم، وغيرهم في القرن السادس عشر في فرنسا، ومنتصف القرن التاسع عشر في انجلترا.
ولم تقف استفادة الغرب من المسلمين عند الجانب النظري بل استفاد من المراصد والخرائط، واكتشاف الأرقام العربية، والصفر والمواد الكيماوية والصيدلة والصناعية ونحوها.
وفي مجال العلوم الإنسانية يتحدث جارودي عن ابن خلدون بأنه مخترع مفهوم علمي عن التأريخ وعن علم الاجتماع، وأن هذه الشخصية لا يمكن أن تظهر من الفراغ، بل تدل على نمو الفكر الإسلامي في عصره في مجال العلوم الاجتماعية.
ويذكر جارودي أن العلوم تجمدت في أوروبا، لأن الكنسية أبدت ريبة تجاه الطبيعة زاعمة أنها تبعد عن الإله، وهكذا استمرت تجارب العلوم عبر تأريخها، بينما انطلق العلم في الإسلام من مبدأ الوحدانية حيث لا مجال للتفريق بين الطبيعة وعلم الكلام والفلسفة والفنون المختلفة، وبين رسالة المسجد والمدرسة، وكانت جامعات القرويين بفاس، والزيتونة بتونس، والأزهر بالقاهرة، وسمرقند، وقرطبة، معالم إشعاع ليست للعالم الإسلامي بل لأوروبا التي تأثرت بها وأسست كليات الطب في سالونيا بايطاليا، ومومباليه بفرنسا على غرار كليات الطب الإسلامية.
وفي مجال الرياضيات كانت مساهمة المسلمين عظيمة في نهضةأورووبا وساعدت على تطوير الحساب والجبر، ولا أدل على ذلك من الأعداد التالية (4444) تكتب على هذا النحو (F I L K S S S M M M M) وكان من الصعوبة بمكان إجراء أية عملية حسابية أو جبرية مع هذه الرموز.
ولم يكن حظ علم الاجتماع أقل شأنا من بقية العلوم، فكان لابن خلدون دور كبير في بلورة الأسس العلمية له، كما تفوق علماء المسلمين على علماء الفلك اليونانيين سواء في مجال الملاحظة أو القياسات. كما عملوا على تطوير الجغرافيا والرياضايات.
صراع الحضارات ومستقبل الدعوة الإسلامية
أ. د. جعفر شيخ إدريس
قُدم هذا البحث لمؤتمر عقدته مجلة البيان بقاعة الصداقة بالخرطوم يوم 17 رجب 1423 هـ الموافق 24سبتمبر سنة 2002
هيمنة الحضارة الغربية
إذا أردنا للحديث عن صراع الحضارات أن يكون حديثا تبنى عليه مواقف فكرية وعملية فيحسن أن لا يكون حديثا عاما، بل يحسن أن نشير فيه إلى وقائع وحالات محددة. لذلك نقول:
ما الحضارات التي يقال إنها تتصارع الآن؟
لكي نجيب عن هذا السؤال يحسن أن نتفق على ما نعنيه بكلمة الحضارة، في بحثنا هذا على الأقل. الحضارة كما نستعملها هنا هي الكلمة العربية المقابلة للكلمة الانجليزية civilization . فالحضارة بحسب ما نراه هنا مكونة من جوهر ومظهر. أما الجوهر فهو معتقداتها وقيمها وأنماط السلوك الشائعة فيها، وأما مظهرها فهو انجازاتها المادية من قوة عسكرية واقتصادية، ونظم سياسية وعمران.
الحضارة بهذا المعنى مفهوم محايد، أعني أنه لا يدل بنفسه على مدح أو ذم، شأنه في ذلك شأن عبارات الأمة، والأئمة، والخُلق والدين وغير ذلك. فالأمة قد توصف بالاستقامة أو الزيغ، والأئمة قد يكونون هداة إلى الحق أو موردين لمتبوعهم إلى النار، والخُلق قد يكون حسناَ وقد يكون سيئًا، والدين قد يكون حقًا وقد يكون باطلًا. وكذلك الحضارة قد توصف بالمادية أو الإيمانية، وبالقوة أو الضعف.
فما الحضارات ـ بهذا المعنى ـ التي تتصارع في عصرنا؟