لم يتمكن هؤلاء من فهم كيفية خضوع شعوب مصر والمقاطعات البيزنطية لما يسمونه بـ"قوانين البدو"، لقد أثبت"كزافيي بلان هول"في كتابه"العالم الإسلامي"أن الإسلام كان دائما دين المدن ، مع هذا لنفترض أنهم أُخضعوا بالقوة من قبل جماعات البدو ، فلماذا تنازلوا لهؤلاء البدو عن كامل حضارتهم ؟
كانت المقاطعات البيزنطية تتمتع بحياة مدنية متقدمة ، وكانت المدن المزدهرة كبيرة ، كان عدد سكان أنطاكيا حوالي 300 ألف نسمة ، وكان من بين الأربع مائة أسقفية بيزنطية ثلاث مائة وواحد وسبعون أسقفية موجودة في آسيا ، من هنا تظهر أهمية النصر الإسلامي على المستوى الفكري .
هل يتعين علينا أن نتصور أن أبناء المدن قد فُتنوا بمدنية أولئك المتدفقين من تلك الوحشة الواسعة ؟ يبدو الأمر مستحيلا إذا لم يكن لدى هؤلاء البدو غير السيف .
التعصب الديني وسوء الفهم الناتجان أحيانا عن انعدام الوعي وأحيانا عن الإرادة الواعية والمتعاظمان مع الزمن أخفيا - تحت جملة من الأكاذيب والخرافات - قسما هاما من تاريخ انتشار الإسلام على طول السواحل الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط ، وانسجاما مع مفهوم بدائي للتاريخ فسرت التحولات الروحية والاجتماعية والثقافية العملاقة في القرنين السابع والثامن - في عالمي الشرق والبحر المتوسط - كنتيجة لغزوات عسكرية فرضت اللغة والحضارة والدين بالسيف المعقوف !!
الإكراه لا يفسر كل شيء .
في الواقع: إن المؤرخين قد خلطوا بين انتشار الأفكار العبقرية التي تحملها حضارة ما ، وبين القدرات العسكرية التي لا تسمح إلا بنشوء إمبراطوريات وقتية تزول مع الزمن .
لقد خلطوا بين القوة العقلية والقوة المادية .
نستنتج من دراسة الحركات المشابهة أن انتشار الإسلام كان نتيجة الفكرة/القوة ، وليس نتيجة للقدرة على الهجوم العسكري المسلح ، فمثلما سيطرت"الهيلينية"فيما مضى ، ويسيطر الغرب اليوم ، فإن سيطرة الإسلام لا يمكن أن تكون إلا ثمرة لحركات أفكار/قوة.
أما الاستمرار في الاعتقاد بأن شعوبا تزدهم ( أي تغزوهم ) في بلادها حضارة هادمة ، قد تركت معتقداتها وغيرت عاداتها لأن حفنة من الفرسان الميامين قهرتها عسكريا ، فلا يوحي إلا بمفهوم صبياني سخيف للحياة الاجتماعية .
يجب أن يتقلص الجانب العسكري من الأحداث إلى دور ثانوي يتعلق بتفاصيل طرائف الحياة الشخصية . يجب فهم المشكلة في المجال الفكري والثقافي .
لم يكن هناك عدوان عسكري ، بل أزمة ثورية ، ودعوة حملها الفقهاء وليس الجنرالات .
إن العلماء وحدهم يدركون حركة الشعوب ويقدرون على قيادتها ، أما السيادة العسكرية فلا يمكن أن تستمر ثمانية قرون في الأندلس ، وإلى الأبد في مساحات شاسعة من العالم"انتهى باختصار ."
( من المراجع التاريخية المستفاد منها:"البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب"لابن عذاري المراكشي(2-9) ،"نفح الطيب"للمقري 1/229-263 وغيرها ) .
وفي موقعنا بعض الإجابات المتعلقة بموضوع الجهاد ، يمكنكم مراجعتها ، وهي:
والله أعلم .
الإسلام سؤال وجواب
متى بدأ الإسلام ومن وضع الحضارة الإسلامية
سؤال:
من الذي وضع الحضارة الإسلامية ؟ ومتى بدأ هذا الدين ؟ وما هي أحكام الإسلام , وكيف يدخل الفرد إلى هذا الدين ؟.
الجواب:
الحمد لله
إن كان مقصدك بالحضارة الإسلامية ذات الدين الإسلامي فالجواب في الفقرة الثانية .
1-أما إن كان قصدك ما وصلت إليه الأمة الإسلامية في عصور ازدهارها من رقي في النواحي المادية ، فهذا لم يكن وليد ساعة ، ولكنه بدأ مع بداية الإسلام ، وبالأخص بعد قيام الدولة الإسلامية في وقت النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم أخذ في الازدياد والتطور مع اتساع الفتوحات الإسلامية إلى أن وصل إلى ما وصل إليه ، وهذا إن صحت نسبته فإنما تصح للنبي عليه الصلاة والسلام بعد الله تعالى ، وأما من عداه فكل ساهم بما استطاع إلى أن استتم البناء .
2-وأما بداية هذا الدين ، فالظاهر أن المقصود بالدين: دين الإسلام عقيدة وشريعة ، وهذا بدايته ببداية بعثة النبي صلى الله علية وسلم .
وأما أحكام الإسلام فهي كثيرة يصعب ذكرها في هذه العجالة ، لكن أهمها:
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج بيت الله الحرام .
ويدخل الفرد في هذا الدين بعد أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، ثم بعد ذلك يلتزم بالباقي من صلاة وصيام وحج ، وفي هذه الأمور تفصيلات .
ويراجع سؤال رقم 13569
الشيخ سعد الحميد
الإسلام والرق
سؤال:
كثيرا ما أسمع من دعاة الدين النصراني ذم الإسلام وتوجيه الاتهامات إليه بسبب أن الإسلام أباح الرق ، وهذا فيه الاعتداء على حرية الإنسان وحقوقه ، فكيف نمكن أن نجيب على هؤلاء ؟
الجواب:
الحمد لله
الخوض في الحديث عن الرق وإثارة الأسئلة حوله من قبل دعاة التنصير والصادين عن دين الإسلام مما يثير حفيظة المتعقل , ومما يشير بأصابع الاتهام نحو الأغراض المستترة وراء هذه التساؤلات .
ذلك أن الرق في اليهودية والنصرانية مقرر ثابت على صور ظالمة , وكتبهم بتفاصيل الحديث عنه والاستحسان له طافحة ، وعليه فإن أول ما يستلفت النظر: كيف يسعى الكنسيون للدعوة إلى التنصير ، والنصرانية تقول بالرق ومشروعيته ؟
وبمعنى آخر: كيف يثيرون أمرًا هم غارقون فيه إلى الأذقان ؟
أما أمر الرق في الإسلام فمختلف تمامًا إذا ما قورن بين النظرتين , وإذا ما قورن كذلك بما عليه حال الرق حين مجيء الإسلام .
ولذلك لا بد من بسط القول في هذا الموضوع شيئًا ما مع الإشارة إلى ما عند اليهودية والنصرانية والحضارة المعاصرة في هذا الموضوع ( الرق ) ثم نذكر ما في الإسلام .
وقد تعرض الإسلام في هذا لإفك كثير على حين نَجَا مجرمون عريقون في الإجرام لم تشر إليهم - مع الأسف - أصابع الاتهام .
الإسلام والرق:
يقرر الإسلام أن الله عز وجل خلق الإنسان كامل المسئولية وكلفه بالتكاليف الشرعية ورتب عليها الثواب والعقاب على أساس من إرادته واختياره .
ولا يملك أحد من البشر تقييد هذه الإرادة ، أو سلب ذلك الاختيار بغير حق , ومن اجترأ على ذلك فهو ظالم جائر .
هذا مبدأ ظاهر من مبادئ الإسلام في هذا الباب وحينما يثار التساؤل: كيف أباح الإسلام الرق ؟
نقول بكل قوة وبغير استحياء: إن الرق مباح في الإسلام , ولكن نظرة الإنصاف مع التجرد وقصد الحق توجب النظر في دقائق أحكام الرق في الإسلام من حيث مصدره وأسبابه ثم كيفية معاملة الرقيق ومساواته في الحقوق والواجبات للحر وطرق كسب الحرية وكثرة أبوابها في الشريعة ، مع الأخذ في الاعتبار نوع الاسترقاق الجديد في هذا العالم المتدثر بدثار الحضارة والعصرية والتقدمية .
لقد جاء الإسلام وللرق أسباب كثيرة ، منها: الحروب ، المدين إذا عجز عن الدين ، يكون رقيقا ، السطو والخطف ، الفقر والحاجة .
وما انتشر الرق ذلك الانتشار الرهيب في قارات الدنيا إلا عن طريق هذا الاختطاف ، بل كان المصدر الأعظم في أوربا وأمريكا في القرون الأخيرة .
والإسلام يقف بنصوصه من هذا موقفًا حازمًا حاسمًا ، جاء في حديث قدسي: قال الله تعالى: ( ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ ، ذكر منهم: رَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) رواه البخاري ( 2227) .