فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 1942

إن السبب في ذلك أن المؤسسات لم يكن لها وجود في ذلك العصر، ولذلك فإن التاريخ لم يكتب، ولم تنتقل الخبرات والتجارب إلا من خلال الألسن والأفواه... وفي مثل هذه الحالة تسود جميع مجالات حياتنا. فنحن نعيش أفرادًا ولم نستطع بعد أن نعي ضرورة ظهور المؤسسات في حياتنا.

إن الإسلام عندما قال لنا: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) (المائدة/2) فإنه لم يأمرنا أن نرفع الأذى عن طريق المسلمين فحسب، بل إن اللَّه تعالى أعطانا بذلك الأستراتيجية العامة في حياتنا؛ أي أن حركتنا لابد أن تكون حركة تعاونية، وفكرنا يجب أن يكون فكر التشاور وتبادل الآراء والخبرات كما يقول تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوالِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى/38) ، كما أن خططنا يجب أن تكون خططًا مشتركة،وأن تسود حالة التعاون حياتنا.

مجتمع الجمع والحضارة

والسؤال المهم المطروح في هذا المجال هو: كيف نحوّل مجتمعنا من مجتمع الآحاد إلى مجتمع الجمع والحضارة؟

للإجابة على هذا السؤال المهم هنا أفكار كثيرة تتزاحم عليّ لبيانها، ولكنّي أريد أن أخصص حديثي للتطرّق إلى جانب واحد، وهو أننا نمتلك مؤسسات اجتماعية غير فاعلة لابد أن نبعث فيها الروح والحيوية والنشاط لكي تصبح بذلك مؤسسات فاعلة. ونحن في هذا المجال بحاجة إلى مؤسسات جديدة تستطيع أن تجاري العصر الذي نعيشه، ومن أجل تحقيق هذا الهدف علينا أن نقوم بوظيفتين؛ الأولى هي بعث الروح في المؤسسات القائمة، والثانية بناء مؤسسات جديدةحسب مقتضيات العصر.

الأسرة هي المؤسسة الأولى

ومن أولى وأهم المؤسسات التي يجب أن نعمل على إحيائها، وبعث الروح فيها هي مؤسسة (الأسرة) .فللأسف الشديد فإن التفاعل والحضور غير قائمين في أسرنا، فهناك الكثير من الحواجز والاختلافات بين أفراد الأسرةالواحدة؛ فالصراحة، والتعاون، والروح الجماعية المشتركة... كلها صفات تفتقر إليها الغالبية العظمى من أسرنا، وهذه حالات سلبية يجب أن نبادر إلى معالجتها.

فمن الظواهر المشهودة في هذا المجال هي أن الأبناء يعملون -وبمجرد وفاة أبيهم- على هدم الشركة التي تعب الأب وبذل الجهود المضنية من أجل إنشائها، في حين أنهم في الحقيقة يجمعهم مصير مشترك، وحياة واحدة.. وهذه الظاهرةإن دلّت على شي ء، فإنما تدل على أن الروح الجماعية مفقودة تمامًا في أسرنا.

إننا -كمسلمين- مكلّفون بإعادة الروح إلى أسرنا، لكي تعود الروح إلى المؤسسات والكيانات الأخرى في المجتمع.

مؤسسة المسجد

ومن المؤسسات الاجتماعية الأخرى التي يجب أن نصبّ اهتمامنا عليها هي مؤسسة (المسجد) . فالتجمع الذي يحضر في مسجد من المساجد ينبغي أن يكون لمجيئهم فائدة، وأن يعرف كل الواحد منهم السبب الذي جاء من أجله إلى المسجد، وأن يتعرّف على روّاد المسجد، وينشئ علاقات اجتماعية معهم، ويسعى من أجل أن يشترك مع الآخرين في تأسيس صندوق مشترك للتعاون، والقيام بالأنشطة الاجتماعية والسياسية.

إن المسجد هو -بعد الأسرة- اللبنة الحضارية الأولى في الأمة الإسلامية، فلابد من الاعتناء به؛ فهو ليس محلًا لأداءالعبادات فحسب، بل هو مكان من الممكن أن تمارس فيه الكثير من الأنشطة في مختلف مجالات الحياة.

وعلى هذا؛ فلابد من أن نعيد الروح إلى مؤسسة المسجد، فإن كانت لدينا بعض المشاكل فلا بأس من أن نطرحها في المسجد مع الآخرين أو مع إمام هذا المسجد، لكي يتعاون الجميع من أجل حلّها كما كان يحدث ذلك في عصرالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فكثيرًا ما كان عقد الزواج -مثلًا- يتمّ في المسجد، وقد وردت روايات كثيرة في هذا المجال نستنتج منهاأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحل مع أصحابه الكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والجهادية في المسجد.

مؤسسة الحيّ

المؤسسة الاجتماعية الثالثة التي ينبغي الاهتمام بها هي مؤسسة (الحىّ ) ، فالإسلام يأمرنا بأن نهتم بجيرانناليكوّن الواحد منا هو وجيرانه مؤسسة اجتماعية فاعلة ونشطة، كأن تقام الاجتماعات والجلسات الدورية بين سكان الحيّ الواحد، أو أن يكون لهم تنظيم بلدي لإدارة شؤون محلّتهم لكي لا يضطرّوا إلى ترقّب القوانين الإدارية حتى تحل مشاكلهم، فمن المفروض أن نكون نحن المبادرين إلى القيام بهذه الأعمال، فعلى أهل الحارة الواحدة أن يجتمعوا فيما بينهم ليحدّدوا احتياجات حارتهم، مثل بناء مسجد، أو تأسيس مستوصف، أو صندوق للقرض الحسن..

إن هذا هو المعنى الحقيقي للجيرة التي يربطها مع بعضها عمل مشترك، ومصير واحد، وهناك مؤسسات أخرى أمرالإسلام بإقامتها، وقد ذكرت تلك الأمثلة البسيطة من أجل بيان أن المؤسسات التي أمر الإسلام بها، وبرمج التعاون من خلالها يجب أن نبعث فيها روحها الأصيلة؛ وعلى سبيل المثال، فإن اللَّه تبارك وتعالى قد أمرنا بالتعاون فقال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (المائدة/2) ، فقد بيّن لنا هنا قنوات التعاون مثل الأسرة، والجيران، والمسجد.

مؤسسات حسب الظروف

أما بالنسبة إلى المؤسسات الحضارية؛ فإننا لا نستطيع أن نكتفي بالمؤسسات الموجودة، بل لابد من أن نشكل مؤسسات حسب الظروف المتطوّرة، فنحن -مثلًا- بحاجة إلى حزب سياسي، وإلى مؤسسة تهتم بأمر البيئة.. وعلى سبيل المثال فإذا كان يوجد في منطقتنا حمّام يسهم في تلويث البيئة من خلال الدخان المتصاعد منه، فلنفكر حتى نعثر على الطريقةالتي نتخلّص بها من هذا الدخان، وإذا كانت هناك أرض متروكة قد تحوّلت إلى مكان لتجتمع النفايات ومرتع خصب للجراثيم فعلينا أن نحثّ مالكها لكي يضع لها الحلّ المناسب، ذلك لأننا جميعًا مشتركون في الهواء الذي نتنفس منه،وليس لأي واحد منا الحق في أن يفسد هذا الهواء ويلوّثه، كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ اِصْلاَحِهَا) (الاعراف/56) . فهذه الآية توحي إلينا بضرورة المحافظة على البيئة، كما أن هناك قاعدة شرعية تقول: (لا ضرر ولا ضرا) .

إن هذه الأنشطة من السهل علينا القيام بها حسب مقتضيات الظروف المحيطة بنا، وحسب احتياجاتنا، وذلك من خلال التغلّب على الحواجز والعقبات النفسية التي تمنعنا من أداء تلك الأعمال من مثل الفرديات، والأنانيات، والتفكيرفي المصالح الشخصية.

من معالم الحضارة الإسلامية

من معالم الحضارة الإسلامية -كما رسمها لنا ربنا تعالى في سورة المائدة- الطاعة والتسليم، فالطاعة للَّه ورسوله وأولي الأمر الشرعيين الذين اختارهم اللَّه، وأوصى بهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والوفاء بذلك الميثاق الذي أخذه الخالق جل وعلاعلى الإنسان، واعترف به الإنسان نفسه، والتسليم يكون للحق.

الفصل العملي بين الحق والباطل

إن معرفة هذه الحقيقة، وهي أن هناك حقًا وباطلًا، تبدأ في بادئ الأمر قضية بسيطة وواضحة؛ فالجميع يعترف بوجودالحق، ويقرّ بأن الباطل -بدوره- موجود، وأن من الواجب اجتنابه، ولكن المشكلة لا تكمن هنا؛ أي في الاعتراف الفطري بوجود الخط الفاصل بين الحق والباطل، بل في الاعتراف العملي، والتمييز بين هاتين الجبهتين؛ الحق والباطل.

والسبب في ذلك أن النفس البشرية تميل إلى خلط الأوراق وعدم الوضوح، ذلك لأن الوضوح يضع الإنسان وجهًالوجه أمام مسؤوليته، ويجعله أمام ضميره، وأمام حقائق الحياة، في حين أن الغموض يتيح له فرصة الالتفاف حول الحق والتبرير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت