وحتى خاصية الفعالية، التي تعتبر من أهم الميزات الإيجابية للحضارة الغربية حسب ابن نبي، فإنها وارتباطًا مع نمط الثقافة الغربية القائم على تصور مادي للحياة، لا تنفك في صلتها مع الخصائص الأخرى من أن تصير كابحًا للتوجهات الروحية، ومجمدًا لنوازع تطلعات الروح، بفعل الإفراط في التنظيم، والخضوع للمؤسسات بشكل يقضي على إنسانية الإنسان، ويجعل منه رقمًا يضاف إلى بقية الأرقام الأخرى من الآلات والوسائل، وهذا الذي نبه إليه (اشفيتسر ) (12) .
أما حديث ابن نبي عن العالمية الغربية باعتبارها قرينة للعامل الصناعي، فإن ذلك يُفهم منه أن الصناعة والتطور التكنولوجي هي أكبر جوانب التقدم الغربي، والعنصر الأكثر عالمية في الحضارة الغربية، التي في حقيقة أمرها، كما يذكر (هانتجتون ) (13) ، أنها غير عالمية بالمعنى الذي يحمله مفهوم العالمية بشكل مجرد. ولهذا فإن ابن نبي ينظر إلى هذه العالمية كنتيجة للاطراد التاريخي لحركة الحضارة الإنسانية، التي تقودها الحضارة الغربية منذ القرن الثامن عشر على الأقل، وهي من جهة أخرى مصبوغة بنظرة الغرب للعالم باعتباره دار نفوذ، ومسرح السيطرة الأوروبية التي غذاها الاستعمار والعنصرية، ونشأت نفسيتها في ظل الاكتشافات الجغرافية في أواخر القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر، ووجدت تأسيسًا لها في جهود حركة النهضة الأوروبية، وروادها الأوائل (ميكافلي ) و (ديكارت ) وغيرهما، ثم (هيجل ) والفلاسفة الألمان، ثم ماركس (14) ، كلهم كانوا من -جهة أو أخرى- يشرِّعون لسيادة أوروبا على العالم (15) ، ومن منطلق التفوق الأوروبي.
فهي عالمية، تهدف إلى تأكيد المركز الأوروبي الغربي للعالم، وطرفية الآخرين، وبخاصة أن أوروبا التي ركبت في ثقافتها مزيجًا من المادية والفعالية -كما يقول ابن نبي- تحسب موقع العالم بما يؤثر به في حركة التاريخ. ولهذا لما كتب (فرانسيس فوكوياما ) كتابه (نهاية التاريخ ) اعتبر دول محور طنجة-جاكرتا عالمًا هامشيًا، وليس له موقع مركزي في مستقبل الإنسانية، وعلل ذلك بأن الذي يحكم تصنيفه هو مقدار تأثير كل أمة في توجيه التاريخ المعاصر (16) .
وفي الحقيقة، إن عصرنا هذا يشهد فعل عوامل عديدة ذات إمكانات عظيمة لتحقيق وحدة الإنسانية والحضارة، ومن هذه العوامل، عاملان اثنان:
أولهما: تقدم العلم المتسارع، نظرًا وتطبيقًا، واتساع مدى تطبيقاته في العالم أجمع. هذا العلم قرّب المسافات والأبعاد، وأنشأ روابط مادية وفكرية توصل بين الأمم والشعوب. ومن هذه الجهة يمكن الحديث عن عالمية الحضارة الغربية، في وجهها السطحي التقني، وانتشار منتجاتها وسلعها، ووسائلها وآثارها في أساليب العيش وطرق التنظيم، وأذواق الناس في الملبس والمأكل والمشرب، وطريقة العيش، وهذا هو العامل الموحِّد.
وثانيهما: انتشار الوعي بين الشعوب، وتجاوز وعيها للحدود التقليدية، بفعل العامل الصناعي.. ورغم ما يحمله الضمير الأوروبي من مركزية وتخلف يميل إلى القهر والتحكم والاستغلال (17) ، فإن الاطراد التاريخي للنمو التكنولوجي وتوسع طرق توظيف التكنولوجيا، وانتشار مراكزها في العالم، كل هذا سرّع من نضج الإنسانية ووعيها لكثير من سبل التقارب وارتباط المصير طوعًا أو كرهًا.
وخلاصة الكلام فيما يتعلق بجانب الموضوعية، أن ابن نبي كان يحلل ويتتبع هذه الخصائص في اتصالها ببعضها، وفي مآلاتها في الواقع، وفي أثرها في اتجاه الحضارة الغربية، كما أنه يتفق مع أكثر مؤرخي الأفكار ودارسي الحضارة الغربية من الغربيين أنفسهم، وهو في دراسته هذه مرتبط بإطاره التحليلي في معالجة الظاهرة ومدى تأثيرها في شبكة العلاقات الاجتماعية الغربية، التي هي ميدان الكشف عن مدى تأثير فكرة ما في سير المجتمع وتطوره.
آفاق الاستفادة نحو علم اجتماع خاص بالعالم الإسلامي
المقصود بهذه الوقفة هو النظر في بعض جوانب فكر ابن نبي (رحمه الله) فيما يتعلق بدراسته للحضارة عمومًا، ودراسته للحضارة الغربية خصوصًا فيما يحتاج إلى تطوير ومزيد من الدراسة، إذ تبين أن ابن نبي في عموم أطروحته الحضارية كان يملك منظورًا ومنهجًا وأدوات متميزة، يمكن أن نطلق عليها المنظور الحضاري.. ورأينا أهم خصائص منهجه من حيث الأصالة والموضوعية والسننية.
غير أن ابن نبي وفيما يتعلق بالحضارة الغربية، كانت له مجموعة من الأفكار تحتاج إلى وضوح وتطوير أكثر، وذلك راجع إما إلى جِدَّة هذه الأفكار، وبالتالي عدم تبين الصلة بينها وبين الإطار العام للمنظور الحضاري الذي وظفه ابن نبي وطوّره، وإما إلى المنهج الذي اعتمد عليه في التوظيف التكاملي لمختلف العلوم، وبالتالي من الصعوبة بمكان تقدير عمق المصطلحات التي استمدها من هذه العلوم وأدخلها في نسقه العام ووظفها في دراسته وفق أدواته في التحليل ومنظوره الحضاري، ووفق منهجه الثقافي.
ولعل من أهم ما خرج به ابن نبي من دراسته للظاهرة الحضارية الغربية هي الدعوة إلى علم اجتماع خاص بالعالم الإسلامي، باعتبار أن الظواهر الأوروبية (الغربية ) ظواهر نسبية تحتاج منا إلى دراسة وفحص، ومن هذه الظواهر علم الاجتماع الغربي المرتبط بالحالة الغربية والإطار الجغرافي التاريخي والحضاري الغربي، وبالتالي لا يمكن تطبيقه على الظواهر التي تنشأ في مجال حضاري مختلف، مع مراعاة ما تسير إليه الإنسانية من الاقتراب بفعل العامل التكنولوجي الغربي خصوصًا، ومن التوحد في مصيرها من جراء العالمية المركزية الغربية التي تهيمن على العالم، وتحاول تنميطه وفق الرؤية المادية الغربية. كما أنه قدم مصطلحات تحتاج إلى مناقشة بما تثيره من أسئلة من حيث امتداداتها الدلالية، أو من حيث أصالتها.
نحو علم اجتماع خاص بالعالم الإسلامي:
كما سبق القول، فإن ابن نبي (رحمه الله) في نقده لجهود التجديد في العالم الإسلامي، يرى أن المعالجة أو النظرة الحدية التي يتميز بها الفكر الإسلامي إذا تعلق الأمر بأوروبا والغرب، ترجع إلى عدم الإحاطة بالظاهرة الأوروبية ومدى نسبيتها (1) ، ومن هنا فهو يدعو إلى دراسة الحالة الأوروبية في جذورها التاريخية وتطورها، ولهذا نجد الوعي التاريخي حاضرًا عنده (2) ، ويركز عليه كثيرًا لتتبع تطور الحضارة الغربية ونشأة العلوم فيها وارتباطها بالمستوى الحضارى الذي تعيشه الحضارة الغربية نفسها، كما ترتبط إلى حدٍ ما بالرؤىة الغربية ذات المرتكز المادي، والطامحة للهيمنة على العالم.
ومن بين الأمور النسبية في الغرب نشأة العلوم، فهذه العلوم التي تطورت في الإطار الحضاري الغربي، وارتبطت بالتحديدات العقلانية التي صاغها (ديكارت ) ، كما ارتبطت بتجريبيته وتجريبية (بيكون ) ووضعية (أوجست كونت ) ، ونمت في إطار التطور التاريخي للغرب، وتركزت أساسًا في علاج مشكلاته، هذه العلوم لا شك أنها تحمل نوعًا من التحيز سواء في نظرياتها أو في أبعادها الفلسفية، أو في تطبيقاتها العملية واستخلاصاتها التي توصلت إليها وصارت في شكل قوانين علمية يحاول الغرب تعميمها وجعلها نماذج موحدة للدراسة والتحليل.