فهرس الكتاب

الصفحة 1940 من 1942

أما المادية فإنه أعطاها موقع النظرة الكلية والإطار التصوري الذي يحكم الحضارة الغربية، كما أن لها أبعادها الاجتماعية والنفسية، من خلال الطابع الاستهلاكي للحياة الغربية، والتوجه نحو تنميط الحياة على أساس الاقتصاد والدخل الفردي، والتمركز حول القوة باعتبارها نفسية ذات جذر مادي. هذه المادية لها صلتها بالعالمية الغربية التي تحاول إصباغ نموذجها على العالم، كما لها صلتها بالعقلانية الغربية التي تعتبر في جوهرها تمحور حول المادة ونفي عملي للغيب.. والمادية متصلة بنموذج الفعالية الغربية التي تنحو في أغلبها إلى الجانب الكمي، وتتجه نحو منطق الحسم بأية وسيلة، مما ينزع عنها الجانب الأخلاقي الملتزم بالقيم إلى حساب تحقيق أكبر كمية من النفع والتنظيم وإشباع الحاجة، التي هي في غالبها اقتصادية.

وفي الحقيقة، كما رأى ابن نبي من قبل، فإن (اغروس وستانسيو ) يؤكدان أن (لكل حضارة من الحضارات تصور كوني للعالم، أي نظرة يفهم وفقًا لها كل شيء ويقيم. والتصور السائد في حضارة ما هو الذي يحدد معالمها، ويشكل اللحمة بين عناصر معارفها، ويملي منهجيتها، ويوجه تربيتها ) ( 2 ) . فإذا كانت الرؤية الكونية للحضارة الإسلامية تقوم على أساس التوحيد، وتجمع بين عالمي الغيب والشهادة، وتتكامل فيها المادة وما وراء المادة، فإن(الحضارة الغربية ما برحت، منذ عصر النهضة، تخضع لسلطان العلم التجريبي.

بيد أن النظرة الكونية التي تولدت إبان عصر النهضة تواجه في الوقت الراهن تحديًا من علم القرن العشرين، الأمر الذي يفضي إلى وجود نظريتين علميتين متنافستين... النظرة القديمة والنظرة الجديدة ) (3) . هذا الذي يسميه ابن نبي الصراع الحادث بين علم أوروبا وضميرها، ذلك أن التقدم التكنولوجي والاطراد التاريخي يقود الحضارة الغربية إلى التقدم والتقرب نحو الإنسانية في مصيرها المشترك، وتطلعاتها نحو الوحدة، غير أن ضميرها المتخلف، وريث عصر الفتوحات الجغرافية والاستعمار، يكبح أوروبا والغرب عمومًا من أن تتوحد في نظرتها مع الإنسانية، وذلك بفعل النظرة القديمة هذه، أي النظرة المادية التي أسست الغرب الحديث، وما زالت تهيمن على مناهج العلم، وتوجهات الفلسفة، ويوميات الحياة الغربية.

هذه النظرة المادية، وثيقة الصلة بالخصائص الأخرى التي رأيناها في الحضارة الغربية، فالعقلانية الديكارتية، وإن لم يكن (ديكارت ) ماديًا بالمعنى الإلحادي، فإن فلسفته العقلانية كانت الأساس لكل التوجهات الفلسفية الحديثة في الحضارة الغربية من خلال تركيزه على المنهج، والفلسفة النقدية، وتأكيده على دور العقل على حساب الجسم، كما يقول (برتراند راسل ) : (هناك مسألة رئيسية أخرى كانت تشغل مفكري ما بعد عصر النهضة، هي أهمية المنهج، وهي مسألة لاحظناها من قبل في حالة(بيكن) و (هوبز) . ولقد امتزج هذان العاملان عند (رينيه ديكارت) ليؤلفا مذهبًا فلسفيًا جديدًا... ومن هنا كان يعد، عن حق، مؤسس الفلسفة الحديثة ) (4) .

وكما أشار ابن نبي فإن التحديد الإيجابي الذي قام به (ديكارت ) والمدرسة العقلانية في الثقافة الغربية يكمن في أن (ديكارت ) اهتدى إلى أربع قواعد، هي منهجه في التفكير كما يرى (راسل ) ; (الأولى هي ألا نقبل أي شيء إلا الأفكار الواضحة والمتميزة. والثانية هي أن نقسم كل مشكلة إلى أي عدد من الأجزاء يلزم لحلها. والثالثة هي أن نسير في تفكيرنا من البسيط إلى المركب... أما القاعدة الرابعة فتدعونا إلى أن نقوم دائمًا بمراجعات دقيقة كيما نتأكد من أننا لم نغفل شيئًا.. هذا هو المنهج الذي استخدمه ديكارت ) (5) .

وعلى الرغم من أن (ديكارت ) قام بهذا التحديد الإيجابي، الذي أخرج العقل الغربي من أوهام الخرافة والتفسير الخرافي، وهيمنة التفسير الكنسي للعالم والتاريخ والوجود، فإنه اعتمد مبدأ كان مآله العلمانية التي تعيشها الحضارة الغربية، إذ أن (ديكارت ) ، كما يقول (برنال ) : (صاغ بدقة أكثر ممن سبقوه تقسيم الكون كما نراه إلى جزء مادي وآخر معنوي... وبالنسبة لديكارت أصبح هذا التقسيم منطقيًا وجزءًا أساسيًا في الفلسفة ونتيجة بدهية للتقليل من الخبرات الحسية والاتجاه أولًا نحو الميكانيكا ثم إلى الهندسة. ويرى أن الانتشار والحركة هما الحقيقتان الماديتان التي يعتبرهما الخواص الأساسية، أما المظاهر الأخرى كاللون والطعم والرائحة فيعتبرها خواص ثانوية.. وبجانب هذا تمتد منطقة ثالثة ربما لا يصل إليها علم الفيزياء، وهي الانفعالات والعواطف كعاطفة الحب والإرادة والإيمان... وليس للعلم صلة بالمجموعة الثالثة حيث إنها تقع في محيط الرؤىة والإلها م) (6) .

وهذا الذي أحدث الصراع بين العلم (بمفهومه الغربي ) والضمير الذي يرتكز على الإيمان ويتعلق بالغيب.. وبما أن الإيمان -وفقًا لهذا المفهوم الغربي- لا صلة له بالعلم ولا يمكن إجراء التجربة عليه، فإنه من قبيل الشؤون الذاتية التي لا يقام عليها البرهان، ولا تتدخل في الحياة العامة ولا في توجيه التاريخ، لبعدها عن العلم، فالعلم وحده المؤهل لقيادة العالم. وهكذا كما يقول (راسل ) أيضًا: (فإن الفلسفة الديكارتية تؤكد الأفكار بوصفها نقاط البداية التي لا يتطرق إليها شك، وقد كان تأثيره على الفلسفة الأوروبية منذ ذلك الحين، سواء في اتجاهها العقلي أم في اتجاهها التجريبي ) (7) .

وكما أنتجت الحضارة الغربية فصام العلم والضمير، فإنها أنتجت الخواء الروحي بفعل تضافر المادية والعقلانية المبعدة للغيب عن التاريخ، يقول (اشفيتس ر) : (والحقيقة الرهيبة -وهي أن تنمية الحضارة الحقيقية قد أصبح أشدًا عسرًا من جراء تقدم التاريخ وتطوير الاقتصاد في العالم -هذه الحقيقة لم تجد من يعلنها ) (8) .. كما يؤكد أمر المآل الرهيب الذي آلت إليه الحضارة الغربية بفعل تمركز المادة، وما أنتجته من آثار فيقول: (والخاصية المروعة في حضارتنا هي أن تقدمها المادي أكبر بكثير جدًا من تقدمها الروحي. لقد اختل توازنها... فإننا نغالي في تقدير إنجازاتها المادية، ولا نقدر أهمية العنصر الروحي في الحياة حق قدره... إن الحضارة التي لا تنمو فيها إلا النواحي المادية دون أن يواكب ذلك نمو متكافئ في ميدان الروح هي أشبه ما يكون بسفينة اختلت قيادتها ومضت بسرعة متزايدة نحو الكارثة التي ستقضي عليها ) (10) .

وهذا ما لاحظه ابن نبي عند تسجيله لنتائج الإفراط في الكمية والاعتماد على لغة الأرقام في تقدير السعادة الإنسانية، مما أدى إلى إلغاء كثير من القيم لأنها لا تدخل ربحًا ماديًا، وهذا نتج عنه إتلاف الكرامة الإنسانية والمفهوم التسخيري للكون، أو بتعبير ابن نبي: أن الحضارة الغربية أتلفت قداسة الوجود. وهذه العقلانية ذات الجوهر المادي أنتجت صراع الأخلاق والسياسة، كما تبين ذلك في الإنتاج العلمي الذي خلّفه (ميكيافلي ) الذي يشارك العقلانيين رأيهم في الرفض التام لأي خارق للطبيعة، وينكر معهم تدخل الله (سبحانه وتعالى) في شؤون الحياة اليومية للبشر، من خلال فصله التام بين الأخلاق وممارسة السياسة، ورفضه لوجود قيمة عليا أو مصدر أعلى خارج الإرادة البشرية، ويتدخل في السياسة والحكم (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت