فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 1942

العدالة البيئية نظرة مقارنة بين الحضارة العربية الإسلامية و الحضارة الغربية

للأستاذة الدكتورة: مشكاة المؤمن

أستاذ زائر مؤسسة القانون البيئي واشنطن

ماجستير إدارة عامة - تخصص قانون بيئي جامعة هارفارد

وزير البيئة السابق - العراق

مقدمة

يقصد بالعدالة البيئية؛ أتخاذ الاجراءات القانونية للحيلولة دون نشؤء بؤر للثلوث البيئي في المناطق التي تسكنها الطبقات الفقيرة او المسحوقة في المجتمع. بحيث تكون المؤسسة البيئية مسؤولة عن ضمان المحورين الآتيين:

-محاربة بؤر التلوث و الحيلولة دون نشوءها من خلال منع تركز النشاطات الملوثة للبيئة في مناطق سكن الطبقات المسحوقة. ذلك ان تركيز النشاطات الملوثة في اماكن عيش الطبقات الفقيرة، او في اماكن عيش شريحة عريقة معينة، بشكل يبدو معه المجتمع- ممثلا بالمؤسسة البيئية- وكأنه يعاقب مجموعة من ابناءه على فقرهم، او انتماءهم لشريحة معينة، او حتى ايمانه بثقافة معينة، من خلال الموافقة على اقامة النشاطات الملوثة للبيئة في هذه المناطق تحديدا، بدلا عن اختيار مواقع بديلة بعيدا عن المناطق السكنية و بغض النظر عن العرق او مستوى دخل السكان. مما يحقق ركن الاستهداف و هو الركن الاول من اركان انعدام العدالة البيئية . بمعنى ان المجتمع - بشكل مباشر او غير مباشر- يستهدف ابناء طبقة معينة او شريحة معنية داخله؛ لتكون النتيجة ان المجتمع لا يبالِ بصحة وسلامة ابناء هذه الشريحة و بشكل يمكن اعتباره تمييزا ضدها [1] .

-اعتماد مفهوم الاثر المضاعف للتلوثCumulative Impact Assessment اساسا قانونيا و بيئيا لعملية قياس الاثر البيئي للمشاريع المزمع اقامتها في هذه المناطق. فعندما تعمد المؤسسة البيئية الى منح شهادة تقييم الاثر البيئي لمشروع معين فلا يجب - استنادا لمفهوم العدالة البيئية- قياس الاثر البيئي لهذا المشروع منفردا، بمعنى النظر الى حجم ما يلقيه المشروع لوحده من عوادم وانبعاثات للبيئة، و التي بكل تاكيد سيسعى اصحاب المشروع الى التاكد من تحققها. و لكن يجب النظر الى الاثر المضاعف للتلوث الحاصل من خلال زيادة حجم عوادم و غازات التي تلقى الى بيئة هذه الشرائح. فاذا كانت هذه البيئة هي في الاصل تشكو من ارتفاع نسبة التلوث فيها، مما يضاعف اثر الملوثات و يجعلها اخطر على صحة سكاني هذه المناطق من ابناء الشرائح المستهدفة. مما ينجم عنه انحدار كبير نوعية الهواء مثلا او نوعية المصدر المائي الذي تعتمد المنطقة كليا عليه.

ورغم إن فلسفة العدالة البيئية تبدو منطقية بل بديهية؛ فهي تقوم على حق افراد المجتمع على اختلاف اعراقه أو اجناسه أو دخله بالتمتع بـ بيئة نظفية و صحية. و الحقيقة، ان هذا المفهوم ساهم و الى حد كبير في اعتبار الحق في بيئة نظفية الجيل الثالث لحقوق الانسان بعد الحقوق المدنية والسياسة باعتبارها الجيل الاول لتكون الحقوق الاجتماعية ، الاقتصادية و الثقافية الجيل الثاني. [2]

نشأة مفهوم العدالة البيئية

بدأت نشاة مفهوم العدالة البيئية - بشكلها الحديث- في الولايات المتحدة الامريكية في مطلع الثمانيات [3] . حيث بدأت الجمعيات البيئة تلاحظ ان المصافي و المعامل و غيرها من المنشات التي ينجم عنها القاء عوادم خطرة على صحة الانسان يتم بناءها في المناطق الفقيرة و التي يسكنها اغلبية ساحقة من الافارقة الامريكين. بحيث تنفث هذه المعامل والمحارقها سمومها و تطرح فضلات التصنيع في هذه المناطق بشكل ازدادت معه الاصابات بالتدرن الرئوي والربو و غيرها من الامراض بين افراد هذه الشريحة. لتتكرر هذه المحاولات في المناطق التي تقطنها شريحة المهاجرين ذوي الاصول الاسبانية .

تجدر الاشارة الى بناء و تشيد هذه المعامل كان يتم بشكل اصولي؛ بمعنى، ان المعمل المزمع تشيده ينجح في اجتياز اختبار تقييم الاثر البيئي. ذلك ان قياس الاثر البيئي، كان يتم من خلال اعتماد مبدأ الاثر الفردي للمشروع، بحيث تنظر هئية حماية البيئة الامريكية، الى مقدار العوادم التي يلقها هذا المشروع منفردا الى بيئة هذه المناطق دون ملاحظة الاثر المضاعف للتلوث. مما دفع الجمعيات البيئية الى تحدي اجازة هذه المشاريع امام القضاء، الا ان القليل من هذه القضايا حالفه النجاح. ويرجع السبب في ذلك الى نقص التشريع البيئي الامريكي عن معالجة هذه الحالة. فطبقا للقانون البيئي و التعليمات البيئية المعتمدة تم اجازة هذه المشاريع و حصولها على شهادة تقييم الاثر البيئي التي تتضمن ان انشاءها لا يؤثر سلبا على البيئة لان ما تلقيه من عوادم هو ضمن النطاق السموح به. مما دفع ادارة الرئيس كلتنون عام 1994 الى اصدار مرسوم برقم 12898 يخول هئية حماية البيئة الامريكية اتخاذ الاجراءات القانونية لضمان معاملة عادلة و منصفة لجميع افراد المجتمع بدون تمييز بسبب عرق او لون او جنس للتمتع بـ بيئة صحية و نظفية. و الزامها التاكد من عدم اتخاذ اي اجراء من شانه تاصيل عمل ذو طبيعة تمييزية يحمل افراد المجتمع عبء العيش في مناطق ملوثة بسبب لون او عرق او جنس او ثقافة دون تحول المناطق الى بؤر للتلوث.

ألا ان المشاركين في ورشة عمل العدالة البيئية في ديسمبرعام 2003 في وسط وشرق اوربا في بودابست اضافوا محورين اخرين لمفهوم العدالة البيئية

-التوزيع العادل للموارد الطبيعية بين ابناء المجتمع. بحيث تم التوسع بنطاق الموارد الطبيعية ليشمل عناصر البيئة من ماء وهواء وتربة. وبالتالي؛ يصبح لكل مواطن وبدون تمييز الحق في الحصول على مورد مائي نقي فضلا عن العيش في منطقة هوائها نقي وتربتها صالحة. [4]

-اشراك المواطنين كافة و بدون تمييز في اتخاذ القرار البيئي و اتاحة المعلومات اللازمة امامهم لاتخاذ القرار السليم. ذلك ان كثير من الفقهاء يعزو مشاكل انعدام العدالة البيئية الى عدم مشاركة هذه الطبقات في القرار السياسي مما يسهل استهدافهم. [5]

الجذور التاريخية التي ادت الى انعدام العدالة البيئية في امريكا: نظرة مقارنة مع الحضارة العربية الاسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت