فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 1942

تعود جذور تحديات العدالة البيئية في الولايات المتحدة الى نشأة الولايات المتحدة الامريكية ذاتها. حيث جرى استيراد الافارقة الامركيين كـ"عبيد"من القارة الافريقية. ليكون شكل المجتمع طبقيا. و يتم تجذير فكرة التمييز بين طبقات المجتمع فلم يكن يسمح قانونا للعبيد العيش في ذات المناطق التي يعيش فيها مخدومهم. [6] و بالنظر لقلة دخلهم فلم يستطيع العبيد الحصول على الخدمات الصحية و التعليمية مما جعل المناطق التي يعيشون فيها تفتقد للخدمات الاساسية و شروط ادارة الموارد البيئية فيها بشكل سليم. حيث تم تطبيق قوانين الفصل العنصري المعروفة باسم قوانين Jim Crow في الولايات المتحدة الامريكية وتحديدا الولايات الجنوبية من عام 1876 و حتى عام1964 [7] . و كانت هذه القوانين تمنع الافارقة الامريكين من الوصول الى الموارد الطبيعية و تفرض عليهم العيش في مناطق محددة بعيدا عن مناطق التي يقطنها السكان البيض و كانت مناطقهم تخلو بحكم هذه القوانين من شروط الادارة البيئية السليمة مما ادى الى تحولها الى بؤر تلوث لاحقا ليدفع في النهاية المجتمع ككل في الثمن. لقد ساهمت هذه القوانين في اضعاف البنية الصحية للافارقة الامريكين، لانها كانت تحول بينهم و بين الوصول الى الخدمات الصحية و البيئية السليمة، مما خلق شعورا بينهم بعدم اهمية البيئة، فهم لم يعرفوها يوما فكيف يمكن لهم تقدير أهميتها، فضلا عن ندرة فرص التعليم المتاحة لهم . لقد كانت هذه القوانين تفرض على الافارقة الامريكين الشرب من اماكن مخصصة لهم تفتقر الى ابسط المقومات و الشروط الصحية، ليشرب البيض من اماكن تتميز بتوافر الشروط الصحية و حتى الماء البارد صيفا. بل وصل الامر الى تخصيص مرافق صحية للبيض و اخرى للافارقة، و غني عن البيان ان الاخيرة كانت تفتقر لكل المقومات الصحية . لقد كانت هذه القوانين تتعامل مع الافارقة على انهم عبيد او مواطنون من درجة ثانية، و بالتالي فهم لا يستحقون التمتتع ببيئة صحية وسليمة؛ فلانهم مواطنون من الدرجة الثانية فلا يحق لهم شرب مياه صحية و لايحق لهم استعمال مرافق صحية نظيفة.

لاحظ الفرق بين مستوى الخدمات و بالتالي فقد كانت الموارد المالية والطبيعية من حق البيض فقط

لتستمر معاناتهم حتى بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث كان الجنود الافارقة يأكلون في مطبخ القاعدة العسكرية ليجلس الاسرى الالمان في القاعة المخصصة للطعام. بل كانت الحافلات الخاصة بنقل الركاب لا تسمح بجلوس الافارقة و كانوا ملزميين بترك اماكنهم للركاب البيض. استمر ذلك حتى عام1955 عندما رفضت سيدة افريقية تدعى Rosa Parks مغادرة مكانها في الحافلة لصالح مواطن من عرق ابيض. لتشتعل ثورة المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية للافارقة وككان على اثرها قيام مجموعة من المحاميين بالعمل على الغاء قوانين Jim Crow و لم يتحقق ذلك حتى عام 1964 الآ أن حرمانا دام 88 عاما - اي زهاء قرنٍ من الزمن- لابد ان ترك اثار سلبية على صحة الافارقة الامريكين كما رسخ شعورا عاما انهم مواطون من الدرجة الثانية . لتبدء بعدها معاناة من نوع اخر حيث تم بناء كافة المشاريع الصناعية الملوثة للبيئة في مناطقهم حيث استمر الافارقة بالعيش في مناطق خاصة بيهم؛ ذلك انهم لايمتلكون المكنة الاقتصادية اللازمة للعيش في مناطق سكنية تتميز بتوافرالخدمات الصحية و البيئية ذلك ان قوانين Jim Crow كانت تفرض قيودا على تشغيل الافارقة مما جعل دخلهم محدودا للغاية.

ليسود شعور عام لدى المسثمرين ان الافارقة"معتادون"على العيش في هذه المناطق. بعبارة اخرى ؛ معتادون على التلوث. و هكذا، اصبحت مناطقهم بؤرا للتلوث البيئي الناجمة عن بناء مشاريع صناعية اكثرمما تستطيع عناصر البيئة- من ماء وهواء وتربة - في تلك المناطق اسيتعاب ما يلقى اليها من ملوثات دون الاضرار بها. مما انعكس سلبا على صحة السكان لتظهر بينهم اصابات بامراض مزمنة كالربو والتدرن الريؤي و الامراض التي تنتقل عن طريق المياه ايضا.

حجم تلوث الهواء في مناطق الافارقة و الاقليات

مصنع اطارت يلقي بفضلاته الى المياه مباشرة في ذات المناطق

ان هذا التلوث لم يترك اثره فقط على تلك المناطق؛ بل ساهم في خلق بؤر للتلوث في الولايات الامريكية و بالتالي الاضرار بفرص التنمية المستدامة بمعنى اذا لوثت الاجيال الحالية كل او معظم المياه فلن تتبقى مياه صالحة للاجيال القادمة.

و كان ان تصدت المنظمات البيئية و النشاطيين البيئين لهذه الظاهرة مطالبين بتطبيق العدالة البيئية . ليضاف الى العدالة البيئية محورا اخر الا وهو التمييز العنصري البيئي [8] Environmental Racism سواء ان تم عن وعي كامل بالسلوك العنصري؛ حيث يسعى المستثمرون متعمدين الى بناء انشطتهم الملوثة في مناطق الافارقة والاقليات، لان السكان بنظر المستثمرين هم مواطنون من الدرجة الثانية. أو ان المستمرين يعتقدون ان سكان هذه المناطق معتادون على التلوث، فيعمدون الى بناء مشاريعم الملوثة فيها عن غير عمد فهم مواطنون من الدرجة الاولى لكنهم معتادون على التلوث.

بمعنى انه في الحالة الاولى فان المستثمرين يؤمن بقوانين Jim Crow ويسعون لتطبيقها رغم الغاءها اما في الحالة الثانية فان المستثمرين يطبيقونها بدون قصد وا نما اهمالا . الآ انه في كلا الحالتيتن فان هذه القوانين طبقت.

تظهر النقط الصفراء بؤر التلوث في الولايات المتحدة و التي تنتشر في مناطق الافارقة و الاقليات العرقية الاخرى.

ان انعدام الوعي وضعف تمثيل الطبقات المسحوقة، ساهم بشكل كبير في حرمانها من الوصول الى الموارد الطبيعية، و توفير ادارة بيئية سليمة في مناطق سكنهم، حيث كان الظن السائد لدى مجلس المحلي لادارة هذه المناطق، ان المشاريع الصناعية ستجلب الرخاء الاقتصادي الى هذه المناطق. الآ ان الواقع ان حجم التلوث الذي تلقيه الى البيئة، ساهم في خفض قيمية العقارات و هروب الاستثمار فضلا عن تفشي الامراض بين السكان.

بمعنى ان جذور المشكلة، ترجع الى تأصل فكرة التمييز بين افراد المجتمع، و ضرورة ان يعيش افراد معينين من ابناء المجتمع في امكان خاصة بهم. فكل طبقة او شريحة عريقة تستقر وتستوطن في مدنية معينة لتنعكس الاحوال المعيشية و الثقافية و الاقتصادية على ادارة موارد المدنية بيئيا. ليصدر بعد ذلك مرسوم العدالة البيئة المذكور اعلاه ليبدء المجتمع بمعالجة هذه الازمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت