فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 1942

و لعل هذا الاستنتاج، يمثل اساس المقارنة بين الحضارة العربية الاسلامية وتوجه هذه الحضارة في احتواء مفهوم العدالة البيئية. ذلك ان المجتمع العربي قبل الحضارة العربية الاسلامية و تحديدا قبل ظهور الاسلام باعتباره مؤسس تلك الحضارة كان مجتمعا طبقيا؛ يقوم على التمييز بين السادة و العبيد، و كان العبيد يعاملون معاملة سيئة و يعيشون ظروفا مزرية. فالعبيد الذين يرعون الغنم يعيشون في اماكن خاصة بيهم مما يعني احتمال تحولها الى بؤر تلوث، اما عبيد الخدمة المنزلية فهم يعيشون مع السادة الا انهم لا يصلون الى الموارد الطبيعية و لا يتمتعون بها. فلا ياكلون مما ياكل السادة و لا يشربون مما يشرب السادة و هم يعملون حتى ياذن لهم السادة بالراحة. فاذا اخذنا بنظر الاعتبار قسوة البيئة الصحراوية فان المجتمع العربي قبل الاسلام كان سيواجه كوارث بيئية ناجمة عن ظهور بؤر التلوث داخله. لقد حاول المجتمع العربي عند ظهور الاسلام قطع الموارد عن المسلمين بهدف القضاء عليهم مما يعدّ تطبيقا قاسيا لحالة من حالات انعدام العدالة البيئية ذلك عندما حوصر الرسول محمد (صلعم) في شعاب مكة حيث حرم المسلمون من الوصول الى الموارد الطبيعية من ماء وغذاء وكان استهدافهم بناءً على ايمانهم بعقيدة معينة. و بالتالي ممارسة اعمال التمييز ضد كل من اتمنى لهذه العقيدة، مما يدل على استعداد المجتمع لممارسة التمييز و الاضطهاد البيئي الذي وصل الى حد حرمانهم من الوصول الى الموارد الطبيعية.

أما توجه الحضارة العربية الاسلامية فكان على النقيض تماما بحيث ارتكزت هذه الحضارة على المساواة في الحقوق والواجبات بين السادة و العبيد مما اتاح الفرصة امام العبيد الى الوصول الى الموارد الطبيعية و بالتالي الحيلولة دون نشوء بور التلوث في بيئة صحراوية قاسية . و هكذا كان الاسلام و تبعا له الحضارة العربية الاسلام مستوعبا لبيئته او ان جاز التعبير ابن بيئته . [9] و لهذا كان الرسول الكريم ( صلعم) يقول عن العبيد"انزلوهم حيث نزلتم و اطعموهم مما اكلتم"لقد كان ذلك جحر الزاوية لانقاذ المجتمع العربي من نشوء بؤر للتلوث داخله حيث ان الوصول الى الموارد الطبيعية وبشكل متساوي ومتاح امام الجميع و بدون تمييز هو الاساس في عدم نشوء بؤر التلوث. وهكذا تطورت فكرة العدالة البيئية مع الحضارة الاسلامية ليشهد المجتمع العربي الاسلامي انشار مفهوم الصحة و البيئة العامة واتاحتها امام الجميع، بما في ذلك انشار المرافق الصحية العامة المتاحة للجميع و انتشار طرق وقنوات تصريف المياه في المدن العربية و بعكسه فقد كان مصير المجتمع العربي الى الزوال لانهم كان قائما على حرمان فئة من المجتمع من الوصول الى الموارد الطبيعية . و انعكس ذلك في الفتوحات الاسلامية فلم يعامل المسلمون سكان البلاد الاصلية على انهم عبيد او سبايا بل سعوا الى تعليمهم و تثقيفهم و قبل كل شيئ تسهيل وصولهم الى الموارد الطبيعية و جعل هذه البلاد حواضر اسلامية لا تقل شانا عن مركز الخلافة. في حين ان دول نظام الانتداب او الاستعمار في اعقاب كلا الحربين العالميتين الاولى والثانية، لم تعمل على ذلك لانها اصلا تؤمن بفكرة طبقية المجتمع سواء اكان طبقة نبلاء او برجوازية. فقد تركت الحضارة العربية الاسلامية خلفها الاف المفكرين و المبدعين ممن هم قادرون على ادارة الموارد البيئة ادارة بيئية سليمة. في حين ان فرنسا مثلا عندما غادرت الكونغو لم تترك فيه غير خمسة فقط ممن يحملون شهادة عليا!

كانت الدولة الإسلامية تعني بالمرافق الخدماتية والعامة بشكل ملحوظ. فكانت تقيم المساجد ويلحق بها المكتبات العامة المزودة بأحدث الإصدارات في عصرها بمعنى ان المسجد لم يكن مكانا للعبادة فقط بل كان اصبح مكانا للعلم و الثقافة المجانية و زيادة الوعي لدى المواطنين. بحيث يسهل على الفقراء وذوي الدخل المحدود الوصول الى العلم و الوعي اللازم لمعالجة مشاكلهم، والارتقاء بحالهم الى حال افضل. فالكثير من علماء المسلمين في مجال الطب ،الفلك ،الرضيات، الكيمياء ، الفيزياء و غيرها كانوا فقراء او من اعراق اخرى غير عربية و لم يحل ذلك دون وصولهم الى الموارد الطبيعية، و من ثم مراكز صنع القرار. في حين ان غياب الوعي لدى الكثير من الافارقة الامريكين حال دون وصولهم الى الموارد الطبيعية، و دون تقديرهم لحجم المخاطر البيئية. كما حال دون حصولهم على فرص عمل افضل، تمكنهم من تحسين دخلهم، و بالتالي امكانية انتقالهم للعيش مناطق تتمتع بادراة بيئية سليمة.

كما اهتمت الحضارة الاسلامية بتوفير المرافق الصحية العامة، و التي كانت متاحة امام الجميع و بدون تمييز. فضلا عن مطاعم الفقراء، حيث كانت تتميز بكل الشروط الصحية و البيئية من حيث الموقع و الخدمات، بمعنى؛ ان ذوي الدخل المحدود كانوا يعاملون معاملة افضل، تتمثل بتسهيل حصولهم على احتياجاتهم الاساسية من ماء و طعام وخدمات صحية، و لم يكن المجتمع يمارس اعمال التمييز ضدهم لان دخلهم محدود، بل كان يساعدهم وصولا لتحسين و ضعهم، و الاستفادة منهم كموارد بشرية قادرة على اغناء الحضارة العربية الاسلامية. كما اقيمت الأسبلة لتقدم المياه للشرب بالشوارع، اي ان المياه الصحية الصالحة للشرب كانت متاحة امام الجميع ودون تمييز . وكان إنشاء (المستشفيات الإسلامية ) سمة متبعة في كل مكان بالدولة الإسلامية يقدم بها الخدمة المجانية من العلاج والدواء والغذاء ومساعدة أسر المرضي الموعزين .و كان الهدف من إنشاء هذه المستشفيات غرضا طبيا وعلاجيا بمعنى ان المجتمع لم يكن يمييز ضد ابناءه لانهم من ذوي الدخول المحدودة، أو لانهم ضعاف البنية، من خلال معاملتهم معاملة ادنى، بل كان يدعمهم و يسهل امامهم فرص الوصول الموارد الطبيعية و العيش في بيئة سلمية تسهل امامهم سبل الارتقاء [10] . ان عدم تمييز الحضارة الاسلامية بين الاعراق و الجنسيات التي انظوت تحتها ادى الى عدم خلق بؤر للتلوث تنخرها من الداخل، و تضعف بنية ابناءها و تؤدي بالتالي الى نضوب مواردها [11] . كما اهل هذه الحضارة الى الاستفادة من كل الموارد البشرية المتاحة لها من مفكرين وعلماء و ادباء لاغناء هذه الحضارة. [12]

.وكان الهواء يبرد في المستشفيات بتوفير المياه او بالملاقف الهوائية، بمعنى؛ ان الحضارة الاسلامية كانت تعي اهمية نوعية الهواء، وبالذات للمرضى، لانهم في حالة صحية اضعف من غيرهم، و بالتالي لابد من حصولهم على عناية اكبر. ذلك ان المجتمع العربي الاسلامي، كان يساند الفئات الضعيفة داخله، بتسهيل وصولهم الى الموارد الطبيعية، و تهئية بيئة سلمية امامهم للاستفادة من مواردهم البشرية .

مقتضيات تطبيق العدالة البيئية

تفرض العدالة البيئية جملة من التطبيقات العملية التي تجعل من هذا المفهوم قاعدة قانونية تطبقها المؤسسة البيئية في عملها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت