وربعي في الحقيقة ، وفي ذلك الظرف ، كان في المراحل المتقدمة للبناء الحضاري ، للنموذج الإسلامي الاجتماعي ، وبالضبط كان يمارس عملية ( الإنقاذ ) التي هي الهدف الثالث في منظومة الأهداف الحضارية الكبرى للإسلام . وهذا واضح في قوله (.. ابتعثنا الله لنخرج ..) .. وكان كل كلامه نابع عن قناعة تامة بما يقول ، ويفعل ، وكانت الضمانات التي تبرر له سلوكه ، وتملأ عقله ، ونفسه وباطنه ، حتى أصبحت تشع بالخير في الخارج ، ويتضح ذلك في قوله (.. الجنة لمن مات على قتال من أبى ، والظفر لمن يبقى ..) وهذا الاستحضار ، ليس من باب (المنتاج السياسي) ، الذي ألفته المجتمعات القديمة ، ولكن من باب التوافق مع سنن الله في الذكر ، والأنفس ، والكون .. السنن التي دفعته ليقول ، وهو يجيب عن طلب رستم: (.. ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن نؤخر عند اللقاء أكثر من ثلاث ، فانظر في أمرك وأمرهم ، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل ..) .. لقد حدد المصير بدقة ، وعن علم ، ودراية ..
فموقفه سنني ، لأنه قد وفر في تلك اللحظات شروط ( سنة الإعداد ) سواء الروحي ، أو المعنوي ، أو العملي ، أو المادي ، فهو قادر على أن يحقق عملية الإنقاذ ، بتوفيق من الله ، وتثبيته ، ونصرته ..
ثم يقدم لنا فصلًا كاملًا من فصول التغيير الحضاري ، في معرض إجابته عن تساؤل رستم: (أسيدهم أنت؟) فقال: لا ولكن المسلمون كالجسد الواحد ، يجير أدناهم على أعلاهم .. ) إنه يتحدث عن شبكة العلاقات الاجتماعية ، في أحسن ظروفها وانسجامها .. وفي خلاصة الكلام ، يأتي رستم ليحكم على هذه النوعية البشرية الراقية ، التي تغيرت معالم نفسيتها ، وعقليتها ، فتغيرت معها الكلمة ، والسيرة ، واللهجة ، والهدف ، والضمانة .. فقال: (.. ويلكم لا تنظروا إلى الثياب ، وانظروا إلى الرأي ، والكلام ، والسيرة.. ) وكأن رستم في تلك اللحظة أدرك جوهر التحول ، وأصل التغيير ، وأحس بأنه يتحدث مع نموذج بشري آخر ، لم يعهده من قبل ، في حياة الأمم السابقة . هذا النموذج الذي قال عنه خالد بن الوليد الصحابي الجليل المؤمن ، والعسكري المحنك المظفر ، والجندي الطائع عندما بعث لولاة كسرى على ألوية العراق: ( وإلا فوالذي لا إله غيره لابعثن إليكم قومًا ، يحبون الموت ، كما تحبون الحياة .. ) .. إن التغيير لما في النفس ، هو الذي أنتج هذه النماذج الاستخلافية العالية ، وإنه لتحول يعبر عن عظمة الإسلام ، ورسالته ، وأهدافه ، وضماناته ووعوده ، وعن التربية النبوية المستقيمة على الطريقة ، والمتطابقة مع سنن الله المنتشرة في الذكر ، والأنفس ، والكون . وعلى هذا الأساس ، نستطيع أن نؤكد على أن التغيير الأصيل ، هو الذي يكون موجهًا إلى تغيير النفس الإنسانية ، أي رفع قدارتها الفهمية ، والروحية ، والعملية ، التي تؤهلها لفهم عقيدتها وأهدافها ، ورسالتها ، واستيعابها لسنن الله العاملة في الذكر ، والأنفس ، والكون ، لأن هذا التغيير يتبعه آليًا التغيير في الكلام ، والعمل و الموقف . وعليه فالحركة التغييرية مالم تستهدف بالتغيير الإنسان في ذهنه ، وقلبه ، وجوارحه ، فإنها ليست أصيلة .. والحركة الأصيلة كالتي غيرت ربعيًا ، هي التي تستطيع النفاذ إلى أقطار النفس ، وتستهدفها بالإفراغ من الأسقام ، والملء بالخير ، تبعًا لسنن الربط الحضاري..
لقد تخرجت أمثال هذه النماذج تحت الرعاية الخاصة للرسول صلى الله عليه و سلم وفي الورشات الإسلامية للبناء الحضاري ، المختصة في بناء القدرات الفهمية ، والقدرات الروحية ، والقدرات العملية ، والقدرات الجهادية ، والإعمارية ، والإنقاذية.
ومن الوجهة التاريخية العامة ، نلاحظ بأن العميلات الأولى لبناء (إنسان الاستخلاف) ، هي المقدمة الأساسية لبناء (مجتمع الاستخلاف) ، و ( ثقافة الاستخلاف) ، كقوى حضارية كبرى ، بإمكانها تغيير مسيرة الإنسانية نحو الأفضل ، بتوفيق من الله عز وجل .. وعندما يبنى الإنسان ، ويرتفع إلى مستوى الاستخلاف ، فذلك دليل على اجتيازه المرحلة التي يكون فيها في (مؤسسات بناء المبررات الحضارية) وبالتحديد قد اجتاز العوالم الثالثة للتغيير الحضاري ، أي:
-الربط الحضاري ، وتكون المبررات في مرحلة التشكل وفي تنام مستمر .
-والتفقيه الحضاري ، وتكون المبررات في أعلى مستوياتها ودافعة للنشاط داخل النفس.
-وعالم البناء الحضاري ، وتكون المبررات دافعة للنشاط داخل الواقع الاجتماعي، المعضل بكل تحدياته، وصعوباته، ويكون الإنسان ، والمجتمع ، والثقافة في حالة حركة مستمرة..
خاتمة
الحمد لله الذي وفقني لهذا ، وأمدني من العون ما مكنني من إنجاز هذا العمل المتواضع ، الذي أضعه بين يدي القاريء الكريم ، راجيًا من المولى تبارك وتعالى أن يعيننا جميعًا على الاستفادة منه ، وذلك بتقبل النصائح والتوجيهات ، واستقبال الانتقادات ، والتصويبات ، بقلوب شجاعة ، وعقول نيرة ، ونفوس على الحق صابرة ، وفي سبيله ماضية ، ومن أجله مضحية . فما أرجوه من قاريء هذا الكتاب هو أن يدلني على الخطأ إن اكتشفه ، ويبصرني على العيب إذا لمحه ، ويوجهني إلى الصواب ، كلما رأني ملت عنه ، وأخذت مسلكًا غيره ، وحدت عن طريق الحق ، وتنكبت عن العلم الذي ينفع الأمة ، ويسدد خطاها ، ويعينها على استعادة عافيتها ، حتى تعود لأداء دورها في العبادة ، والإعمار ، والإنقاذ ، والتعارف كما أمر المولى تبارك وتعالى.
إن القاريء الكريم سيلاحظ أفكار هذا الكتاب المتنوعة ، وسيكتشف أن بعضها لم ينضج بالشكل المستوفي للشروط ، وأن بعضها ينقصه العمق ، كما أن بعضها الآخر يفتقر إلى التحليل ، والتمثيل ، والتأصيل .. وهكذا سيسجل ملاحظاته المختلفة ، وأشد الناس حاجة إلى هذه الأمور ، هو المؤلف . ومؤلف هذا الكتاب من أحوج الناس إلى التعلم ، وطلب المعرفة ، وتلقي النصح ، والترشيد من الأساتذة ، والعلماء ، والمفكرين المتخصصين في هذه الحقول العلمية.
وفي ختام هذه الدراسة أريد أن أنبه إلى أن هذا الكتاب هو القسم الأول في هذه السلسلة ، التي خصصتها لدراسة قضايا التغيير الحضاري ، في ضوء السنة النبوية . وهي محاولة إنسان مسلم ، مقصده الأساس ، هو المساهمة في تحريك طاقات الأمة الحيوية من الأفكار ، والأشخاص والأشياء ، لتسير على خط (الاستخلاف) . وكما يعلم القاريء الكريم أن الذي يريد أن يخوض معركة الاستخلاف في الأرض ، بحاجة إلى منهج تغييري ، وكما رأى القاريء في الكتاب ، أهمية المنهج النبوي في التغيير الحضاري الجديد .. وعليه فالحركة الإسلامية المعاصرة ، بحاجة إلى فتح فصل كامل من فصول التغيير ، يتعلق بدراسة هذا المنهج الفطري المنسجم مع قانون الحياة السليم.
والله من وراء القصد ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.