فهرس الكتاب

الصفحة 1836 من 1942

وقد لا نكون بحاجة إلى التأكيد على أن القرآن أفرد مساحات تعبيرية هائلة للحديث عن (الآخر ) ، عقيدته، وعباداته، وعاداته، وتاريخه، وعلل تدينه، وأسباب سقوطه، إلى درجة يمكن أن نقول معها: إن القرآن يمكن أن يعتبر من بعض الوجوه كتابًا في التاريخ الحضاري، أو في الشهود الحضاري الإنساني، حيث عرض للحضارات الإنسانية كمختبر للفعل الإنساني، والسنن والقوانين الاجتماعية التي حكمت سقوطها، وتحديد أسباب السقوط، واستخدم ذلك وسيلة إيضاح لبيان أسباب السقوط والنهوض، لتكون الأمة المسلمة، أمّ الرسالة الخاتمة الشاهدة على الناس، على بينة من الأمر، فلا تنتقل إليها علل التدين وأسباب السقوط، يقول تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين }

(آل عمران:137-138) .

وقال تعالى: { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال } (إبراهيم:45)

إن هذا المسح الحضاري، وهذا الشهود التاريخي الحضاري، الذي يقدمه القرآن للأمة الشاهدة على الناس، وهذا الوعي (بالآخر ) ، ومعرفة الخارطة الحضارية والفكرية والأنماط الحياتية التي لابد أن يبصرها المسلم ليؤدي دوره في الشهادة والقيادة وإلحاق الرحمة بالناس على بصيرة، هو جزء لا يتجزأ من بناء الوعي بالذات.

إن الوعي بالذات، والشهادة عليها، وتأهيلها لشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم عليها لا يكتمل إلا بالوعي (بالآخر ) : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا } (البقرة:143)

والوعي (بالآخر ) يمكِّن -كما أسلفنا- من تحديد المشترك الإنساني، ويبيِّن مواطن الخلل، ويحدد المداخل التي تمكِّن من الشهادة عليه، وإيصال الخير له، وتجنب الإصابات التي لحقت به.

والشهود الحضاري سواء أكان على الذات أو على (الآخر ) ، يتطلب قيمًا ومبادئ ومعايير ثابتة، واضحة ومنضبطة وواقعية، بعيدة عن الهوى وجموح الخيال، وليست من وضع الإنسان حتى لا يصبح الإنسان المعيار ومحل المعايرة في الوقت نفسه، وخالدة مجردة عن حدود الزمان والمكان، مرنة، قادرة على التنزل والتوليد والمعايرة في كل زمان ومكان.

وغني عن البيان القول: بأن القرآن معيار وشاهد على الكتب السابقة، على (الآخر ) ، لأن أصول الكتب والرسالات انتهت إليه، فجاء مهيمنًا عليها، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه } (المائدة:48) .

والهيمنة هي الرقابة والشهادة المبيِّنة لما هو الصواب في الأصل، وما ناله التحريف والتبديل.. والشهادة هي الإمكانية والقدرة، ومعيار النظر، والبيان للعلل والإصابات.. والرسول شاهد بما نيط به من البيان والتصويب.. والأمة المسلمة شاهدة على الناس بما تحمل من قيم معيارية وحضارية تمثل منهاج التوسط والاعتدال، تمكنها من الحكم على الذات وعلى (الآخر ) .

فالقرآن معيار، والسنة بيان القرآن معيار، والسيرة التطبيقية معيار، والأمة المسلمة معيار، والحضارة الوسط معيار.

فقيم الكتاب والسنة هما معايير الشهود.. والشريعة المستنبطة منهما معيار الشرائع.. والأمة المتمثلة بهما معيار الأمم.. والحضارة الناتجة عنهما معيار الحضارات.. وهكذا يتحقق الشهود، بوعي الذات وتصويب مسيرتها، ووعي (الآخر ) وشهوده الحضاري، فضلًا عن وعي معايير الشهود في الكتاب والسنة والسيرة العملية.. أما إذا فُقد المعيار، فإن الأمة تتحول من حال الشاهد إلى واقع المشهود.

وبعد:

فالكتاب الذي نقدمه، بما اضطلع به من محاولة جادة لمسح الفكر الحضاري، يساهم إلى حد بعيد بتقديم رؤية للملف الحضاري، ذلك أن الملف الحضاري، أو ملف الشهود الحضاري، التاريخي والمعاصر بشكل عام، أصبح يشكل أولوية في مجال الدراسات الإنسانية والحضارية، وعلى الأخص عصر العولمة وتحوّل المواجهات من الميدان العسكري إلى الميادين الحضارية والثقافية، والتحول من قوة العضلة والساعد إلى قوة العقل والمعلومة التي تحاول اليوم احتواء العالم.

إن ملف الشهود الحضاري هو الملف المفتوح باستمرار، على مستوى الذات وعلى مستوى (الآخر ) ، على حد سواء، بعد تحقق الوعي بأن الركائز الحضارية المؤهلة للحياة والاستمرار هي عالم الأفكار، ذلك أن عالم الأشياء بكل أبعاده لا يخرج عن أن يكون تجليًا لعالم الأفكار وناقلًا ومجسدًا له.

فالغياب الحضاري، الذي يتولد عن عدم وعي الذات ووعي (الآخر ) والتحقق بمعايير الشهود الحضاري، يعني الموت والخروج من ساحة الشهود.. كما أن فقدان معايير الشهود يعني السقوط والارتماء الحضاري، أو العمى الحضاري.. إضافة إلى أن عدم وعي (الآخر ) يعطل مهمة الشهود وإلحاق الرحمة بالعالمين.

والكتاب، إلى جانب ما يقدمه من مسح للمكتبة الحضارية على مستوى الذات (والآخر ) نوعًا ما، يعتبر محاولة لاستقراء عالم الأفكار لمعرفة الذات (والآخر ) ، يمكن أن تساهم بتشكيل ثقافة حضارية، ويضع لبنة على طريق استرداد الشهود الحضاري للأمة المسلمة، والتدليل على أن الأمة المسلمة، التي هي خلاصة تجارب الأمم الحضارية، بما تمتلك من شهود تاريخي، وشهود الخاتمية، وشهود الوسط، ومعايير خارجة عن وضع الإنسان، مؤهلة لإنقاذ الحضارة الإنسانية اليوم وإلحاق الرحمة بالعالمين.

والحمد لله رب العالمين

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين وصحابته المجاهدين..

وبعد:

فإن أمتنا تعيش أزمة، والواجب على كل مفكر غيور ومثقف نزيه مخلص أن يدلنا على مكامن الخطأ والتقصير.. فهل هي أزمة سياسية، أم أزمة ثقافية فكرية، أم أزمة قيم وأخلاق، أم أزمة تربية وتعليم، أم هي خليط من كل ذلك؟ وكيف المخرج؟ ابتداءً، لقد مرت أمتنا من العصر الجاهلي إلى اليوم بعدة أحوال ومراحل:

1-مرحلة ما قبل الإسلام، قبائل لا تجمعها دولة ولا نظام، يحارب بعضها بعضًا، ويغِير بعضها على بعض، ويتسابق حصان وفرس (داحس والغبراء ) فتختلف أيهما سبق، فيكلف ذلك حربًا، تستمر عقودًا من السنين.

2-جاء الإسلام فوحد الأمة، ودفعها نحو القيادة والريادة، ونشر الإسلام في العالم، فصرنا بفضل الله قادة العالم وسادته، لعدة قرون، لا يستطيع أحد أن يتجاهلنا، ولا يتخطانا، ثم أقمنا صرحًا حضاريًا، لا تزال معالمه ماثلة للعيان، وأنتجنا ثقافة ما زلنا نعتاش عليها.

3-ثم بدأ العد التنازلي، والبعد عن أساس نهضتنا، فتجمد فكرنا، وتحولنا من المضمون إلى الشكل، ومن القيم والأفكار إلى الأشياء، ففقدنا القيادة، بل ضيعنا السيادة في بلادنا، فاجتاحنا الكثير من برابرة العالم، ابتداءً من الصليبين الهمج، إلى المغول البدو، وأخيرًا جاء الغرب الاستعماري بأساطيله وجنوده وثقافته، فكانت أكبر ضربة تتلقاها الأمة في حياتها.

وقبل أن يجلو الاستعمار عن الأرض والعقول والقلوب، زرع لغمًا كبيرًا هو إسرائيل، ومدها بكل وسائل الاستمرار والتفوق، وما يزال يمدها حتى اليوم.

وهنا أستذكر قضيتين، واحدة قديمة وأخرى جديدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت