فهرس الكتاب

الصفحة 912 من 1942

ولا ينسى ابن خلدون ان يطرح تحفظه الذكي وهو يتحدث عن دعوات الانبياء عليهم السلام.. انهم مؤيدون من الله سبحانه بالكون كله لو شاء، لكنه انما اجرى الامور على مستقر العادة (55) . ان الله سبحانه قادر، حيث لا يعجزه شيء في الارض ولا في السماء، على حمل رسله بكلمته التي لا راد لها الى >فاق الانتصار النهائي، لكن حكمته سبحانه، وعلمه المسبق بمصائر لدعوات، في الوقت نفسه، شاءت ان يتحرك رسله في قلب العالم، في صميم التاريخ، ان يعانوا من اثقاله وعوائقه، وان يتجشموا واتباعهم عناء اوهاقه، والا يبلغوا النصر النهائي الا باتخاذ الاسباب التي تمكنهم من هذا الصراع القاسي الذي لا يرحم احدا ولا ينحني لاحد. وذلك هو ما يعنيه ابن خلدون «بمجرى الامور على مستقر العادة» أي سنن التاريخ ونواميس الكون.

ذلك اذن هو التقابل الفعال في نظرية ابن خلدون: الدين والعصبية.. الرؤية أو الاستبصار الايماني، والاداة التاريخية. ان العصبية بدون دين لا تحقق شيئا كبيرا، والدين بدون عصبية لا يتحرك وقتا طويلا.. لابد من اقتران الجانبين. واذا كانت رؤية ابن خلدون للعصبية محدودة في نطاق الروابط القبلية يومذاك فأنها قد تنسحب في الفترات اللاحقة وفي القرن العشرين، على التنظيمات البشرية التي تعتمد القوة والعصبية الحزبية وتحل فيها رابطة الولاء بدلا من رابطة النسب.. والامر سواء.

ولا يقف ابن خلدون عند هذا الحد، بل ان رؤيته الدينية لا تفارق منهجه في الاستقرار والتحليل وهو يطرح مقولاته ويبرهن عليها في ابواب مقدمته الستة عن مسائل مختلفة تتعلق بصيرورة الواقعة التاريخية، ونشاط الجماعات البشرية وعوامل تكوينها ومؤثرات سلوكها التاريخي مما لا يتسع المجال لاستعراضه وربما تكفي الا حالة عليه (56) .

بل اننا نلتقي في تمهيده للمقدمة بهذا المقطع «اعلم ان فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد شريف الغاية، اذ هو يوقفنا على احوال الماضين من الامم في اخلاقهم والانبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في احوال الدين والدنيا» (57) . فمنذ اللحظات الاولى يبرز جدوى علم التاريخ كاداة تستهدف خدمة الجماعات البشرية وترقية أحوالها دينيا ودنيا، بجعلها تتحرك على هذين المستويين معا، وهي أكثر ادراكا وأعمق تجربة بما يمنحه التاريخ اياها من قيم وتعاليم.

ومما يؤكد الرؤية الدينية الاصيلة عند ابن خلدون، وكونها مسألة اساسية في منهجه، ذلك الحشد من الاستشهادات المستمدة من كتاب الله حينا، وسنة رسوله عليه السلام حينا آخر، وأقوال ومعطيات صحابته الكرام رضي الله عنهم حينا ثالثا، والتي طالما اعتمدها لتعزيز وجهات نظره وجعل استدلالاته اكثر حجية وإقناعا.

وللوهلة الاولى يبدو ان طريقة ابن خلدون هذه لا تعدو ان تكون مسألة تقليدية قد لا تعني شيئا، لكن المتمعن في هذا التكرار المقصود، وفي النماذج التعبيرية التي ينتقيها الرجل، يتضح له ان الامر أبعد من هذا.. وأبعد حتى من مجرد دلالته على عمق الاحساس الديني لدى ابن خلدون، فالرجل، فضلا عن ذلك، يرى في حركة التاريخ، وقائع وسننا، انعكاسا لمشيئة الله سبحانه وقدره في العالم.

وثمة اخيرا مسألتان اساسيتان في نظرية ابن خلدون طالما اكد عليهما وعلى ارتباطهما الوثيق بصلب النظرية وهما الترف وحتمية السقوط، اذ اننا لا نعتقد انه كان بمعز عن معطيات القرآن والسنة وهو يتحدث عن هاتين المسألتين اللتين كان لهما في المصدرين المذكورين مكان كبير (58) .

هذا على المستوى العام للحركة التاريخية، اما على مستوى التاريخ الاسلامي، على وجه الخصوص، فأن ابن خلدون يمضي بالمنهج نفسه، بالروح العلمية المنضبطة برؤيته الاسلامية والمستمدة من حقائقها ومفرداتها لكي يناقش ويحلل مسائل شتى تتميز بأهميتها وحساسيتها. وهو هاهنا يؤكد موقفه الديني من خلال تفسيراته الملتزمة لعديد من وقائع تاريخنا الاسلامي وهو الساحة التي انصبت جل اختباراته عليها والتي مارس فيها معظم جوانب استقرائه الذي قاده الى صياغة قوانينه العديدة التي ضمنها مقدمته.

وابن خلدون في هذا الاتجاه يمارس تحليلا للتاريخ الاسلامي، أو بالاحرى لجوانب من التاريخ الاسلامي، يلقي المزيد من الاضواء على خصائصه وصيرورته وفق معايير منهجية تنحت مفرداتها وأدواتها من معطيات هذا التاريخ وليس من أية بيئة اخرى كما توهم بعض المفكرين والباحثين ممن المحنا الى بعضهم في بداية هذه الصفحات (59) .

هوامش البحث

1 ـ تفسير ابن كثير 2/588 (در الاندلس، بيروت ـ 1966م) .

2 ـ محمد علي الصابوني: صفوة التفاسير/346 ـ 347 (الطبعة الرابعة دار القرآن الكريم، بيروت ـ 1981م) .

3 ـ محمد مرتضى الزبيدي: تاج العروس، 2/109 ـ 110، (دار ليبيا بنغازي ـ 1966م) .

4 ـ محمد عبد الله عنان: ابن خلدون، حياته وتراثه الفكري ص177 ـ 178 (الطبعة الثالثة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ـ 1965م) عن كتاب

للباحث المذكور.

5 ـ عنان: ابن خلدون ص190 عن:

للمؤرخ المذكور.

6 ـ عنان: نفسه ص281 عن

(ابن خلدون مؤرخ الحضارة العربية في القرن الرابع عشر) للمستشرق المذكور.

7 ـ مهدي عامل (الطبعة الثانية، دار الفارابي، بيروت ـ 1986م) .

8 ـ من تعليق الناشر على غلاف المرجع السابق.

9 ـ سورة النحل آية78.

10 ـ سورة العلق الآيات 1 ـ 5.

11 ـ مقدمة ابن خلدون6/983 ـ 984 (الطبعة الثانية، تحقيق د. علي عبد الواحد وافي، لجنة البيان العربي، القاهرة ـ 1965م) .

12 ـ المقدمة6/1199 ـ 1210.

13 ـ ابطال صناعة النجوم: المقدمة6/1207 ـ 1215.

14 ـ المقدمة6/1199 ـ 1201.

15 ـ يشير بذلك الى نظرية العقول عند الفارابي وبقية فلاسفة المسلمين، انظر بالتفصيل الهامش رقم 1322 المقدمة ص980.

16ـ المقدمة 6/1210.

17ـ نفسه.

18ـ انظر المقدمة 6/1202 ـ 1207.

19 ـ نفسه 6/1207.

20 ـ نفسه 6/1203.

21 ـ نفسه 6/1207.

22 ـ نفسه 6/1207 ـ 1208.

23 ـ عماد الدين خليل: ابن خلدون اسلاميا ص135 ـ 136 (المكتب الاسلامي بيروت ـ 1983م) .

25ـ نفسه ص136 ـ 137.

26 ـ عماد الدين خليل: الرؤية التربوية في مقدمة ابن خلدون، كتاب (من اعلام التربية العربية الاسلامية) المجلد الرابع ص128 (مكتب التربية العربية لدول الخليج، الرياض ـ 1989) .

27 ـ نفسه 4/131 ـ 132.

28 ـ نفسه 4/133.

29 ـ المقدمة 3/923.

30 ـ نفسه 3/923 ـ 924.

31 ـ نفسه 3/924.

32ـ نفسه 3/985.

د. عماد الدين خليل

حوار مع المستشرق المنصف [1]

الدكتور آينربرج

سمعت المسلمين يثنون على هذا الرجل (AINRBERG) النرويجي. وعلى كتاباته عن الإسلام، وعلى ترجمته لمعاني القرآن الكريم، فاشتقت للقائه أكثر من غيره من المستشرقين الآخرين، وضرب لي الأخ أبو يوسف موعدا مع الرجل لأجتمع به في جامعة أوسلو في مقر عمله في الساعة الواحدة من ظهر هذا اليوم.

وكنا عنده في الساعة الواحدة والربع.

رحب بنا ترحيبا حارا، وهو يتحدث باللغة الإنجليزية، واللغة العربية باللهجة المصرية، وبعد أن تعارفنا وبدأ هو يثنى على الإسلام، طلبت منه أن نبدأ الحوار لأسجل المعلومات الممكن تسجيلها، فكانت كما يأتي:

ولد الدكتور آينربرج في 1921م وقال: غدا سيكون عمره 66 سنة.

اهتمامه بالإسلام ومؤلفاته.

قلت له: متى أول ما سمعت عن الإسلام في حياتك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت