فهرس الكتاب

الصفحة 1814 من 1942

المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب

تقديم بقلم: عمر عبيد حسنه

الحمد لله الذي أوقف الأمة المسلمة على خط النهاية من المسيرة البشرية للأمم والحضارات والثقافات، واصطفاها لوراثة الكتاب، فقال تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) (فاطر: 32) ، وخصها بالنص السماوي الذي تعهد بحفظه، وعصمه عن التحريف والتبديل، بقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: 9) ، وتحقق الحفظ من خلال عزمات البشر، ليكون ميزانا للحق، ومعيارا للتقويم، وهداية للطريق، ومنهاجا للسير، وتقوى -أي وقاية- لما يمكن أن يكون من إصابات.

وجعل الإسلام الدين الخاتم مكملا للدين، حيث انتهت إليه محصلة تجربة النبوة التاريخية، كما جعل الأمة المسلمة أمة معيارية شاهدة على الناس، بعد أن صوبت معرفة الوحي مسيرتها، ومنحتها القيم والموازين السوية، التي تمكنها من الحكم الصحيح، والوزن بالقسطاس المستقيم، قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (البقرة: 143) ، فالرسول صلى الله عليه وسلم والوحي، يصوبان مسالك الأمة المسلمة .. والأمة المسلمة بما تمتلك من الوحي، تصوب مسالك الناس، وتميز الخطأ من الصواب، والحق من الباطل، والرشاد من الضلال، والمعروف من المنكر، ولا يعتبر ذلك حكرا على ناس بأعيانهم، أو زمن دون آخر، أو منطقة جغرافية، كما هو حال الدعوات العرقية ونظريات الشعب المختار، وإنما هو متاح لكل من آمن بهذه القيم، لأنه بإيمانه يصبح جزءا منها كافة، لأن الخطاب الإسلامي خطاب إنساني لا يخص قوما أو لونا أو جنسا.

والصلاة والسلام على النبي الخاتم (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين) (الأحزاب: 40) ، الذي بعث للناس كافة بشيرا ونذيرا، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) (سبأ: 28) ، فكانت رسالته إنسانية الخطاب، مستوعبة للزمن، منذ بدء الخلق وإلى أن ينشئ الله النشأة الآخرة، ومكملة لتاريخ النبوة الطويل، وجاء عطاؤها وإنتاجها إنسانيا، شاركت فيه كل الأمم والشعوب، وإليها انتهت أصول الرسالات السماوية جميعا .. فالمؤمن بها ليس حدثا زمانيا أو مكانيا عارضا، وإنما إيمانه متجذر في التاريخ، مستوعب للحاضر، ممتد إلى المستقبل، حتى يوم الدين .. فهو لبنة في بناء النبوة التاريخية الواحدة، تاريخها تاريخه، وما شرع الله لها من الدين شرعه له، وما لحقها من الإصابات، وتحقق لها من النهوض والإنجازات، جزء من تاريخه الممتد، الذي يشكل مصدر عبرته واستلهامه واقتدائه .. قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) (الشورى: 13) ، وقال تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (الأنبياء: 92) ، وقال: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) (الأنعام: 90) .

فالفرد المسلم ليس خلقا معزولا، ولا يعاني القطيعة والانفصال عن التاريخ الإنساني، بل هو جزء منه .. وهذا التاريخ، يشكل للمسلم منجما للخبرة، وثمرة لتجارب متعددة، وميدانا فسيحا للرؤية والعبرة والهداية والوقاية لحاضره ومستقبله، وبعد:

فهذا كتاب الأمة الستون .. (المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب) للدكتور سالم أحمد محل، في سلسلة"كتاب الأمة"، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في عملية استرداد شخصية المسلم الذي يفقه الدين ويفهم العصر، ومعاودة إخراج الأمة المسلمة؛ وتحقيق مدلول الإيمان والوحدانية بأبعاده المتعددة في النفوس، بعد أن لحق به الكثير من التأويلات والتفسيرات، التي أشاعها مناخ التخلف والاستخذاء الثقافي.

فالإيمان بالله الواحد هو السبيل الوحيد لتحقيق إنسانية الإنسان؛ وتخليصه من الرق والشرك الديني والثقافي والسياسي والاجتماعي والتربوي، والقضاء على التخاذل، الذي لحق بعالم المسلمين، وأورثه حالات من الخنوع والتواكل والإرجاء، وأخرجه من التاريخ والواقع.

إن حالة الإرجاء والتخاذل والانسحاب من الحياة، أدت إلى انطفاء الفاعلية، وانعدام الشعور بالمسؤولية، والتفكير في امتلاك القدرة على تأسيس الرؤية الثقافية المبنية على معرفة الوحي المعصوم، والتي تقتضي إحياء دور العقل في النظر، وبيان أهمية الاجتهاد الفقهي والفكري في التطور البشري، وتنزيل القيم الإسلامية على واقع الناس، والنظر لمشكلات الأمة وقضاياها المعاصرة في ضوء هدايات الوحي.

فالمسلم الحق يقوده إسلامه إلى استيعاب التاريخ البشري، والتعرف إلى وسائل النهوض والسقوط، وإدراك السنن والقوانين الكامنة وراء الفعل التاريخي، التي لم تتحول ولم تتبدل، ودور الإرادة البشرية في صنع التاريخ، وممارسة عملية التغيير، ومدافعة القدر بقدر أحب إلى الله ، والاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى الذي ناط عمليات التغيير وصنع التاريخ بإرادة الإنسان وقدرته، فقال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد: 11) .

فالله سبحانه وتعالى هو الذي أراد للإنسان أن يريد، وأكثر من ذلك إنه ربط حدوث التغيير بإرادة الإنسان، كقانون للفعل التاريخي، ولم يتركه هملا بدون دليل عملي، وإنما هداه إلى مفاتيح التغيير وسننه في الأنفس والآفاق، وبسط له مساحات كبيرة من تاريخ البشرية الطويل، وقدم له نماذج متعددة تستوعب مسيرة الحياة بجوانبها وأنشطتها المختلفة، لتكون دليله إلى الفعل الصائب، ومنهجه إلى العبرة والوقاية من كل الإصابات وانتقال علل الأمم السابقة.

ونستطيع أن نقول: إن الكتاب والسنة قدما مساحات تعبيرية هائلة عن تجارب الأمم السابقة ومسالكها، وعللا أسباب الإصابات التي لحقتها، والقوانين والسنن المجردة عن حدود الزمان والمكان التي حكمت ذلك، وألقيا الأضواء الكاشفة على جميع جوانب الحياة، على مستوى العقيدة والعبادة والمعاملة والمسالك .. ولم يقتصرا على ما كان، وإنما تجاوزا الماضي والحاضر، إلى إلقاء الأضواء على المستقبل، وما سوف يكون من الفتن، بما في ذلك علامات ومؤشرات اقتراب الساعة، ليستوعب المسلم موقفه تماما، ويأخذ حذره، ويمارس دوره، من خلال هذه النوافذ على الرؤية الشمولية لما كان وما سوف يكون.

ولعل القضية الأهم هنا، أن الوحي (الكتاب والسنة الصحيحة) ، هو مصدر الوعي التاريخي للمسلمين بشكل خاص، فهو الذي أثار الرغبة في الاطلاع والتشوف إلى التعرف على أحوال الأمم السابقة، وسبب انقراضها، وسنن التداول الحضاري، حتى إنه لم يدع الإنسان أمام هذا الغيب المجهول، المحرم على حواسه، بل قدم له مساحات كبيرة لقصص السابقين، قبل اختراع الكتابة وتدوين التاريخ، غطى فيها جميع جوانب النشاط البشري، العبادي والفكري والسياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي وحتى النفسي، بما يمكن أن نطلق عليه اليوم التاريخ الحضاري، وامتد إلى أنباء الغيب، والغيب هنا يعني الماضي الغائب عن ساحة المعرفة والشهود.

لقد امتد الوحي في رؤيته التاريخية إلى مرحلة بدء الفعل التاريخي، وحض على النظر في كيفية بدء الخلق، قال تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) (العنكبوت: 20) ، وغطى الكثير من المساحات المجهولة للإنسان، وعلى الأخص في مرحلة ما قبل الكتابة -كما أسلفنا- وامتد بملامح الرؤية التاريخية لتشمل الماضي والحاضر والمستقبل، إلى درجة يمكن القول معها إن القرآن والبيان النبوي، يعتبران بهذا المعنى الوثائقي (وليس الديني فقط) ، أقدم وثيقة تاريخية وردت بطريق علمي صحيح، بمعايير البشر، عدا عما يؤمن به المؤمن من اليقين الإيماني بتعهد الله بالحفظ .. لذلك نرى أن القرآن والبيان النبوي يشكلان مصدرا تاريخيا للكثير من العقائد والأديان والأقوام والمواقع الجغرافية على خارطة الزمن الطويلة، حيث لا توجد وثائق معتمدة تغطي هذه الفترات التاريخية.

فالقرآن هو مصدر المعرفة التاريخية، ومصدر الوعي التاريخي في وقت واحد، خاصة وأنه طلب التوغل في التاريخ، ودعا إلى السير في الأرض، ولفت النظر إلى أهمية الاعتبار بأحوال الأمم السابقة، وأتى على نماذج منها، مما دفع الإنسان المسلم للبحث والتنقيب التاريخي، لمعرفة هذه الأحوال، والخروج من عهدة التكليف الشرعي بتحقيق العظة والعبرة والوقاية الحضارية، قال تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) (آل عمران: 137 -138) ، وقال: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) (يوسف: 111) ، وقال: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) (هود: 120) . حتى لقد جعلت المعرفة التاريخية ومسالك الأنبياء مع أقوامهم، مصدر تبين واهتداء ومنهج اقتداء للموحى إليه: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) (الأنعام: 90) . (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) (الأحقاف: 35) .. ولئن كانت هذه المحركات للنزوع التاريخي، بالنسبة للموحى إليه، المستغني عنها بالوحي، فهي بالنسبة للمسلم المسترشد بالوحي -بعد توقفه- أشد لزوما.

ولم يقتصر القرآن على ذكر الحدث التاريخي أو القصة التاريخية وتسجيلها كما وردت، وهذا يمثل نصف الطريق في البحث التاريخي، وإنما تجاوزها إلى التقويم والنقد، أو التفسير التاريخي في ضوء السنن الفاعلة في الحياة والقيم المعيارية الموحى بها، ليمتلك المسلم الأبجدية المطلوبة لقراءة التاريخ وتفسيره، فلا يضل ولا يشقى، فيذهب إلى التاريخ بلا معيار، ويعجز عن العودة للتعامل مع الحاضر.

ويمكن القول: إن عملية النقد والتقويم والمراجعة، كانت تسير في القرآن جنبا إلى جنب مع تسجيل الحدث التاريخي، مما يوحي بأن النقد والتقويم التاريخي يعتبر جزءا من صناعة التاريخ أو البناء التاريخي، الأمر الذي يؤكد ما يراه بعضهم من: أن النقد والتقويم يبقى دائما جزءا لا يتجزأ من عملية البناء الفكري والتربوي والأدبي والثقافي، وأن الناقد والمنتج شريكان في العمل.

وإن أسباب النزول للآيات والورود للأحاديث، التي تعتبر وسائل معينة لفهم الحدث، وإدراك سببه، والإحاطة به، هي في الحقيقة بما تقدمه من التعقيب والتعليق، والتحليل والتفنيد، والتوجيه وصياغة العبرة على أرض الحدث، إنما تؤكد أن هداية الوحي تنبثق عن رؤية وتفحص للتاريخ، فتجئ تلك الهداية في واقعيتها وصدقيتها في علم التاريخ، أشبه ما تكون بالتجربة المعملية في نطاق العلوم التجريبية.

لذلك كان من معطيات منهج القرآن والحديث في هذا المجال، البحث في سند الحدث التاريخي والتحقيق فيه لمعرفة صدقه، ومن ثم التفسير، والتقويم، والتعليل، والمراجعة لدوافع الحدث ونتائجه وعواقبه، الأمر الذي تبلور من خلاله وانتهى إليه علم التاريخ، الذي تقوم معادلته على أمرين: تحري الدقة للوصول إلى الحقيقة التاريخية، ومن ثم التفسير والتحليل والتعليل للحدث والتقويم له، للخلوص إلى العبرة التاريخية، أو إلى ما يسمى:"حكم التاريخ"، قال تعال: (وجاءك في هذه الحق -دقة المعلومة- وموعظة وذكرى للمؤمنين -تحقيق العبرة-) (هود: 120) .. وبهذا لا يكون التاريخ مجرد استعادة للماضي وإعادة تسجيل له على أوراق جديدة، وإنما تجريد الحدث التاريخي من قيود الزمان والمكان، ونقله وتعديته، ليتمكن الإنسان من الإفادة منه في التعامل مع الحاضر، ورؤية المستقبل من خلاله، وبمعنى آخر هو بعث للماضي، وإحياء له في وجدان الحاضر.

ومن هنا رأى ابن خلدون، أن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى .. ولكنه في باطنه:"نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها خليق".

ولذلك، لابد أن نشير هنا إلى أن ابن خلدون، الذي يعتبرونه مؤسس علم الاجتماع والعمران، وأول من تكلم في تفسير وفلسفة التاريخ، هو في الحقيقة لم يخرج عن المنهج القرآني الذي سبقه بسبعة قرون أو يزيد، وإنما انطلق من مرجعية القرآن والسنة ومنهج علماء التفسير والحديث، وعلم أسباب النزول والورود، ومناهج الجرح والتعديل، في نظرته التاريخية، وكيفية فحص الحدث والتعامل معه، والسعي للوصول إلى الأسباب الكامنة وراءه، والقوانين التي تحكم الحركة التاريخية .. ذلك أن التاريخ إذا انقلب ليصبح مجرد حروب ومعاهدات، وسير أشخاص، ومواريث حكم، بعيدا عن التاريخ الثقافي والحضاري واستكناه حقائقه وموجهاته، قد لا يستحق المعرفة والجهد، لأن ذلك لا يضيف شيئا يذكر، وقد يكون مضيعة للأجر والعمر معا.

ذلك أن الوعي بالتاريخ ليس حفظا للذاكرة وتسجيلا للحدث، وإنما إعمالا للتفكير، واستنتاجا للعبرة والعظة، وامتلاك المؤهل لاستيعاب الحاضر وتفسيره، والتنبؤ بتداعياته ومآلاته وعواقبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت