فهرس الكتاب

الصفحة 1815 من 1942

وهذا يمنحنا القناعة باستمرار، وكلما تلونا القصص القرآني أو قلبنا أوراق التاريخ أن أية عملية للإصلاح والتغيير واستشراف المستقبل، لابد أن تبدأ باستشراف التاريخ، وأن الوعي التاريخي هو من أهم الموارد الثقافية والمعرفية، لثقافة الحاضر، ورؤية المستقبل، وأن القطيعة التاريخية تجعل التعامل مع الحياة نوعا من الخبط الأعشى.

إضافة إلى بعد آخر، ليس بعيدا عما ذكرنا وهو:"أن الفضل الرئيس للتاريخ، هو أن يكون أداة للثقافة العقلية، فممارسة المنهج التاريخي في البحث، يفيد العقل صحة، ويشفيه من داء السذاجة في الاعتقاد" (انظر: ما هو التاريخ؟ ترجمة أحمد حمدي محمود) .

ذلك أن من أبرز ميزات الثقافة التاريخية: أنها توسع اختبار الإنسان وتعمقه، وإن كانت فائدتها ليست عملية مباشرة، لأن التاريخ لا يعيد نفسه من كل وجه.

والثقافة التاريخية سبيل لإدراك الذات، أفرادا وأمة وإنسانية، وهذه الثقافة تبعث في النفس اعتزازا بالأجيال الماضية، من شأنها بناء الفرد والأمة، وتوطيد كيانهما، على أن تكون معرفة الذات المؤدية إلى احترام الذات وتقدير الماضي، هي أيضا نقد للذات وللماضي.

إن الثقافة التاريخية تنمي الحكمة، التي يولدها عمق الاختبار وسعته، والتي تلح على الإنسان في التساؤل حتى يصل إلى الأعماق والجذور .."إن الإنسان الحي الفاعل صانع التاريخ، ليس مستقبليا مطلقا، سائحا في الرؤى والأحلام .. ولا حاضريا مطلقا، غارقا فيما حوله من مشكلات .. ولا تاريخيا مطلقا، يحن إلى الماضي ويبغي أن يرجعه كما كان .. وإنما هو يعيش في توتر دائم بين الحاضر والماضي والمستقبل، تتفاعل قواها وعناصرها في ذاته، بإدراك متزن صحيح، وشعور دقيق نافذ، فيكون من أثر هذا التفاعل العملي، تاريخي مبدع" (انظر: نحن والتاريخ، زريق) .

لذلك اعتبر بعضهم التاريخ، هو المفتاح الكبير لمغاليق المشكلات المعقدة، والمدخل المأمون للقوانين والسنن التي تعين على حل تلك المشكلات (محمد مصطفى زيادة، مقال في التاريخ في الشرق الأوسط) .

وحسبنا أن نشير إلى أن التاريخ، كما هو معلوم، هو الرحم الذي تخرجت منه العلوم الاجتماعية جميعا، واستقرئت قوانينها وفلسفتها ونظرتها الكلية التي تنتظم جميع الجزئيات، أو أنه كان السبيل إلى اكتشاف قانون الحركة الاجتماعية، لأنه المختبر الحقيقي للمبادئ والقيم والفلسفات، إلى درجة يمكن أن تقاس به وفيه مدى فاعليتها.

والتاريخ ليس حركة عبثية قائمة على المصادفة والعشوائية، وإنما ينتظمه قانون، وتحكم حركته سنن، وهو من أعمال وصناعة البشر، أصحاب القدرات والإرادات والمسؤوليات، ولو لم يكن للتاريخ هذا البعد والقانون الكلي، لما استحق أن يكون علما، ولما استحق أن يكون مصدرا للعبرة والتجربة للإنسان في كل زمان، ولما أمكن الإفادة منه لغير زمانه، ولما جاز أن يترتب على الفعل التاريخي أية مسؤولة، ولما استطاع أن يضيف عمرا يضاعف أعمارنا، وعبرا تغذي عقولنا .. أو بكلمة مختصرة: لم يكن لذكر القصص القرآني، أي معنى في صناعة الحاضر ورؤية المستقبل!

ذلك أنه من المعروف أن قوانين العلوم التجريبية، يمكن الوصول إليها واكتشافها من خلال الملاحظة والاختبار في التجارب المعملية، وضمن إطار زمني قصير نسبيا، لأن عناصرها مركبة من مواد صماء لا اختيار لها، ولا إرادة لحركتها، لذلك فمن السهولة بمكان إدراكها والوصول إلى نتائجها وقوانينها، بحيث كلما توفرت عناصرها تحققت نتائجها .. أما العلوم الاجتماعية والإنسانية فلا يمكن أن تخضع للقوانين نفسها، لا من حيث الزمن ولا من حيث المواصفات والخصائص، ولا من حيث النتائج، لأن موضوعها ومادتها وأداتها الإنسان نفسه، الذي يملك الحرية والإرادة والقدرة على الكمون والتشكل، لذلك تبقى عصية عن الضبط والتحكم، لأنها لا تخضع للنتائج القريبة، وإنما تخضع للعواقب والتداعيات المركبة والمعقدة بعيدة المدى، ولأن الإنسان بكل مكوناته هو موضوع العلم وهو وسيلته وأداة البحث فيه -كما أسلفنا- لذلك فإن اكتشاف سنن وقوانين الاجتماع والسقوط والنهوض والدورات الحضارية، يبقى عصيا عن الإدراك، من خلال جيل أو حاضر أو حدث، لأنه لا يمكن اختزال حياة الإنسان الخاضعة لأكثر من عامل في وقت واحد أو حدث واحد، فقد تستوعب مقدماته جيلا أو جيلين، إلى درجة قد يظن الإنسان معها أن الأمر لا ضابط له، حتى تظهر نتائجه أو عواقبه في الجيل الثالث أو الرابع.

لذلك يبقى التاريخ الطويل هو محل الرؤية والاستقراء والاستنتاج لمثل هذه القوانين، التي تحكم الحركة البشرية عموما، فكم من الأجيال سقطت فريسة للظلم والاستبداد السياسي وفتن الناس بها، وامتد زمانها، ريثما تحضرت القابليات للتغيير، والدلالة على أن الظلم مهما امتد فسوف يؤذن بخراب البلدان والعمران، وقد حكى الله قصة ذلك في قوله: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) (يوسف: 110) .

ولعلنا نقول: إن فهم أية أمة، وكيفية التعامل معها، والنهوض بها، وتغيير واقعها، هو إلى حد بعيد رهين باستيعاب تاريخها الطويل، وطبيعة استجابتها للظروف المختلفة، الأمر الذي يمكن من اكتشاف عوامل وأدلة التحريك فيها، لذلك رأينا الاستعمار ركز أول ما ركز على دراسة التاريخ والعلوم الاجتماعية، ليكون ذلك مدخله الصحيح إلى التحكم والاستعمار، فالثقافة التاريخية والاجتماعية بشكل عام هي مفاتيح الشعوب، ودليل التعامل معها.

وقد نخلص إلى القول: إن سياسة الأمم، وأدلة التعامل معها، ورؤية مستقبلها، والتفكير بمشاريع الإصلاح والتغيير لواقعها، يكمن في ثلاثة معطيات تقريبا هي:

• الإحاطة بعقيدتها وقيمها (نظرتها للحياة) .

• دراسة تاريخها، وتحديد نصيب هذا التاريخ من الاستجابة لعقيدتها، وقدرة الأمة على ترجمة القيم والمبادئ إلى برامج وأفعال بشرية، أي تنزيل القيم والعقيدة على الواقع، وتتبع الخط البياني لأقدار التدين هبوطا ونهوضا، ودراسة سبب ذلك، لأن التدين يزيد وينقص بحسب المؤثرات الخارجية، والتربية الذاتية، والاندفاعات التاريخية للنهوض.

• دراسة الحاضر بكل مكوناته وظروفه وأسبابه، ومن ثم التحديد الدقيق لموقع هذا الحاضر من متطلبات العقيدة ومن المسيرة التاريخية الطويلة، سواء كان ذلك على مستوى التاريخ الخاص للأمة، الذي لن يكون بحال من الأحوال منفصلا عن التاريخ العام، أو التاريخ العام للإنسانية من خلال القوانين والسنن التي تحكمه، والتي لا تحابي أحدا، مع أهمية الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية التي تميز التاريخ الخاص عن العام، حتى لا يكون الخلط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت