فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 1942

وقبل أن نتحدث عن علاقة الدين بالحضارة، نذكّر أولًا ببصيرتين أساسيتين؛

الأولى: تتمثل في أن مشكلة الحضارة تتلخص في أنها مبتورة إذا ما قيست بالدين، فالدين يتحرك مع الحضارة لمسافةمعيّنة، ولكنّ هذه الحضارة سرعان ما تتوقف.

والثانية: إن الدين يمضي قدمًا إلى النهاية السعيدة، إذ الحضارة تحدثنا عن الوسيلة، بينما الدين يحدثنا عن الهدف بعد أن يشير إلى الوسيلة أيضًا؛ والحضارة تبين لنا الجزئيات، بينما الدين يقولب هذه الجزئيات ضمن إطار عام؛ والحضارةتزودنا العلم، بينما الدين يمنحنا فقهًا؛ والحضارة تعلّمنا ما هي الحياة، والدين يعلّمنا كيف ننتفع منها ، ولماذا كانت الحياة،وكيف ينبغي أن تكون..

معرفة فن الحياة

إننا -كمسلمين- لابد أن ينصب جلّ اهتمامنا على المسائل الحياتية، أو بتعبير آخر؛ على معرفة فنّ الحياة، مستلهمين ذلك من كتاب ربّنا تعالى ومن منهجه في فهم الحياة. أما أن نبقى نبحث في الجزئيات - سواء كانت هذه الجزئيات مرتبطة بالدين أم بالحياة - ونلغي النظر في الكليات، فإن هذه الحالة سوف تؤدّي إلى إصابتنا بهزائم متلاحقة.

إن من مشاكل كل أمة متخلفة أنها تبحث عن الجزئيات دون أن تربط بينها وتحوّلها إلى إطار واحد مشترك، فالغالبيةالعظمى من الناس تكون تصوراتهم عن الحياة تصورات تجزيئية؛ أي تصوّر الأشياء دون ربطها ببعضها.

ومشكلتنا نحن - المسلمين- تتمثل في أن معرفتنا بالقضايا السياسية والاجتماعية والدينية وما إلى ذلك، هي معرفةمتنافرة غير مجتمعة ضمن إطار واحد، ولذلك فإن هذه المعرفة لا تعيننا على فهم الحياة.

ومما لا ريب فيه أننا نمتلك كوادر وأصحاب اختصاصات في مختلف العلوم، ولكن أكثرهم علماء، أمّا الذين أوتواالحكمة، وفنّ معرفة الحياة، ومعرفة الخطوط العريضة فيها؛ فإنهم لا يشكلون إلا أقلية هي أقل من القليل، أما الغالبيةالعظمى فإنهم لم يحوّلوا معلوماتهم إلى رؤية وبصيرة، وهذه هي المشكلة الرئيسية التي نعاني منها نحن المسلمين.

وبكلمة؛ إن القرآن الكريم يعلّمنا فنّ الحياة الحرّة الكريمة، وكيف نتعامل مع الأحداث المختلفة المحيطة بنا، لذا يجدر بنا أن نتدبّر في آياته الكريمة ، ونتعمق فيها، ونتدارسها لكي نستوحي منها برنامجًا ومنهاجًا متكاملين نستطيع من خلالهما أن نحصل على البرنامج الأفضل والأمثل في الحياة لكي نتمكن من الوصول إلى أهدافنا الحضارية المنشودة من أقصرالسبل وأكثرها استقامة وصحّة، ولكي لا نتيه ونضيع في متاهات الطرق الأخرى التي لا تزيدنا عن أهدافنا إلا بعدًاوانحرافًا وضلالًا كما ابتليت بذلك الأمم والشعوب الأخرى، ولم تعرف السبيل الأفضل في الحياة، والطريق الأمثل لتحقيق الأهداف بسبب ابتعادها عن بصائر الرسالات الإلهية.

أصالة الحضارة

عندما اجتمع الكفار واستشكلوا على أهلية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للرسالة متذرعين بأنه يتيم الأبوين، ولا يمتلك من الأموال والثروة ما يؤهّله لقيادة العرب، أنزل اللَّه سبحانه وتعالى آيات بينات تؤكد على أن الرب الجليل هو مقسم الرزق بين العباد، وأن الثروة ليست مقياسًا للحق والباطل أو المجد والضعة، وبالتالي فإنه لا يحق لأي إنسان أن يقرر على من يجب أن تهبط الرسالة، لأن الرسالة أعظم مجد من الممكن أن يحظى به الإنسان، وهي عطاء اللَّه تبارك وتعالى لخيرة عباده.

لقد قال الكفار في هذا المجال كما جاء في القرآن الكريم: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) (الزخرف/31) ؛ أي على رجل عظيم من مكة أو الطائف، فأجابهم اللَّه تعالى قائلًا: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًاسُخْرِيًّا) (الزخرف/ 32) .

التفاوت ليس مقياس الأفضلية

إن الدرجات التي يتفاوت بها الناس ما بين فقير وذي ثروة طائلة، وأسير ومأمور، وصحيح الجسم وسقيم... كل ذلك ليس دليلًا على أن اللَّه سبحانه وتعالى يفضلّ بعض الناس على بعض دون سبب، بل هي تدبيرات إلهية لتنظيم حياةالبشر. فاللَّه تبارك وتعالى وزّع المعادن فوق كوكبنا بحيث تمتلك بعض المناطق معادن لا توجد في المناطق الأخرى،والحكمة في ذلك أن يحتاج الناس إلى بعضهم البعض، وأن تتشابك مصالحهم، ويتعاونوا في الحياة الدنيا.

ومع ذلك فإن رحمة اللَّه، ورسالاته وقيمه خير من حطام الدنيا الذي يتكالب عليه أبناء البشر، كما يشير إلى ذلك قوله عز من قائل: (وَلَوْلآ أَن يَكُونَ النَّاسُ اُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَايَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُررًا عَلَيْهَا يتَّكِئُونَ ) (الزخرف/34-33) .

فلولا أن اللَّه يعلم أن حيازة الكفّار لمباهج الدنيا وزخرفها تؤثر في الناس، وتجمعهم في ملّة الكفر، لخصّهم بهذه النعم الزائلة، كما يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: (لو كانت الدنيا عنده(عند اللَّه ) تعدل جناح بعوضة لماسقى كافرًا به مخالفًا له شربة ماء) (26) .

التطوّر لا يعني تفوق المذهب

إن تلك الآيات والأحاديث تؤكد قضية هامة ترتبط بالتقدم والتخلف، فهناك الكثير من الناس عندما يرون التقدم التكنولوجي والعملي، وتكدّس الثروات، وتراكم الإمكانات في الغرب ينبهرون وينهارون أمامها، فيقولون مستندين إلى تصوّراتهم الخاطئة هذه: مادام اللَّه قد أعطى اليابانيين - مثلًا - هذه الأدمغة الممتازة التي صنعوا بها المخترعات الإلكترونية، ومادام الأمريكيون يمتلكون قوّة هائلة، ويبعثون بمركباتهم الفضائية إلى الكواكب البعيدة، ومادام الروس يتمتعون بقوة عسكرية هائلة يستطيعون بها تدمير الكوكب الذي نعيش عليه... فإن دينهم لابد أن يكون هو الأفضل،وأخلاقياتهم وسلوكياتهم هي المثلى، وعليه؛ فلا مناص لنا من أن نخضع لمناهجهم ونتبعها!

إن هؤلاء يتجاهلون التشريعات الإلهية التي تقول أن التقدم المادي ليس دليلًا على سلامة المذهب والمنهج لسببين:

التقدم ليس محكومًا بالإرادة دائمًا

1/ إن تقدم أمة ما ليس محكومًا بإرادتها فحسب؛ فالهنود الحمر - مثلًا - لو لم يقعوا لسبب من الأسباب فريسةلمجموعة من العوامل الطبيعية والحضارية المختلفة لكانوا أكثر تقدمًا من الشعب الأمريكي، إلا أن الأخير وبسبب توفرالعوامل الخارجية والذاتية فيه، وبسبب هجرة العقول إلى تلك المنطقة، وانعدام الضمير لدى المهاجرين الأوائل إلى أميركا استطاع أن يقطع أشواطًا طويلة من التقدم على حساب تخلف السكان الأصليين، ولو كانت تلك العوامل قدتوفرت لهؤلاء السكان لكان التقدم من نصيبهم.

وقد قرر علماء الحضارات أن شعوبًا كانت أكثر ذكاءً، وهمّة، وسعيًا، وخلقًا فاضلًا، وتعاونًا فيما بينها، ولكنها مع ذلك لم تستطع أن تتقدم لعدم اكتمال أسباب وعوامل الحضارة عندها مثل انعدام الخصوبة في الأرض وما إلى ذلك، في حين توفّرت عوامل التقدم لشعوب أخرى.

فالإنسان الذي يولد في بلد نفطي تُهيّأ له أسباب المعيشة الرغيدة، ويذرع بطائرته الخاصة عواصم العالم، ثم ينسى رغم كل ذلك أن اللَّه جل جلاله هو الذي فجّر في أرضه الآبار البترولية، فإنه لا يؤدي في الحقيقة واجب شكر هذه النعمة التي تستلزم التقدم في سائر المجالات، واستثمارها في تقدم العالم الإسلامي.

التقدم ليس خيرًا دائمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت