فهرس الكتاب

الصفحة 1788 من 1942

المقدمة

الحمد لله، الذي جعل المستقبل للإسلام، بالفتح المبين، والنصر العزيز، والتمكين لعباده المستضعفين، الذين، يسعون لنشر هدى الله، ونور الإسلام، أنحاء المعمورة، عبر القارات كلها، تحقيقًا لوعد الله الحق: (وكان حقًا علينا نصر المؤمنين ) (الروم:47) .. (هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) (التوبة:33) ، وهو مستقبل قريب، إن شاء الله، يتحقق معه استخلاف المسلمين في الأرض،: (وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم ) (النور:55) .. (ألا إن نصر الله قريب ) (البقرة:214) .. (إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) (آل عمران:160) .

وفي القرآن كله، يعضده ما صح من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، تأكيد بأن المستقبل لدين الإسلام، والأمة المسلمة، فالمصدر محفوظ بحفظ الله، باق أبد الدهر: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون ) (الحجر:9) .

فهو كتاب مصون عن التحريف، والتبديل.. أخباره صادقة.. وأحكامه عادلة: (وتمت كلمت ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ) (الأنعام:115) .. ورسالته عالمية، تعم كل مكان وزمان..ورحمته تشمل العالمين: (تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ً) (الفرقان:1) .. (وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين ) (الأنبياء:107) .

والصلاة والسلام، على من بعثه ربه، بالرسالة الخاتمة: (ما كان محمدُُ أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) (_الأحزاب:40) ، فكان من خصائصه عليه الصلاة والسلام، ختمه للرسالات، وعموم رسالته.. وختم الرسالة، وعموميتها، مقتضيان لأبديتها، وبقائها، لتؤدي دورها في هداية الإنسان، وعمران الكون، وسيادة الحضارة الإسلامية، التي هي حضارة الذاكرين، القانتين، الصالحين، الذين شروا أنفسهم، وأموالهم لله، وأقاموا شرع الله، فحكموا بالعدل بين الناس، وأحسنوا، وأصلحوا المجتمع، فكانت النهضة الواسعة، المؤذنة بتجديد أمر الدين، على سنة الله الماضية في القرون المتوالية: (إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة، من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ) (رواه أبو داود) .

وبعد:

فهذه دراسات، كتبتها في ظروف مختلفة، حول المستقبل، الذي نعتقد يقينًا، بأنه للإسلام، بإذن الله، وعوامل وشروط صناعته، آخذين بعين الاعتبار، أنه يلزم لصناعة المستقبل، للإسلام، في عصرنا هذا، تضافر جهود العاملين في ميادين العمل للمستقبل، ومجالاته، لتلتقي، وتجتمع، وتتحرك إلى قبلتها، منشرحة الصدور، بتوحيد الله، مجتمعة القلوب، متحدة الكلمة، على حب الله تعالى، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وحب المؤمنين: (يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لآئم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) (المائدة:54) .

ولعل في مقدمة هذه العوامل والشروط، الجهاد في سبيل الله، ذروة سنام الإسلام بمعناه الواسع، الذي يشمل: إلى جانب الجهاد بالأموال والأنفس، جهاد الحجة والبيان، ومجاهدة النفس، في سبيل الله، ليكون من ثم سبيل تمكين الدين، وإزالة العوائق والفتن، التي تحول دون صناعة المستقبل، ليعم من بعد السلام والأمن الحقيقيان، يقول تعالى: (أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير 39 الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز ) (الحج: 39-40) .

فالمؤمنون حين يمكن الله لهم دينهم الذي ارتضى، يؤدون واجبهم في بناء النفوس، ونشر الطمأنينة، وانشراح الصدور بذكر الله، وتحقيق التكافل، والإصلاح الاجتماعي، يقول تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) (الحج:41) .

ومثلما كانت مشروعية الجهاد بالسلاح، بعد سلوك السبل السليمة كلها، مع الصبر على الأذى، واحتساب ما لقي المؤمنون في سبيل الله، فهو كذلك في ترتيب العمل الإسلامي اليوم، لإحياء شعائر الله، وإقامة شرائعه، وتبليغ كلمة الحق ليكون الناس منها على بينة.. ولكن المؤمنين مأمورون أبدًا بإعداد العدة، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وعلى قدر طاقتهم في التصنيع الحربي، والإعداد القتالي: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) (الأنفال:60) .

وعوامل النصر الحقيقية، هي الاستنصار بالله، والتوكل عليه، والافتقار إليه، يقول تعالى: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآوئكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ) (الأنفال:26) .. ويقول: (يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصبروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) (آل عمران:200) . وقد لزم إعداد المجاهدين أنفسهم، بما يشرح صدورهم، من التحقق بالمقامات الإيمانية، والتزام ذكر الله كثيرًا، ليقبل على القتال، وهو كره للنفوس، من حبب الله إليه الإيمان، وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر، والفسوق، والعصيان، ليكون جهاد المجاهدين، من ثم: حتى لا تكون فتنة، ولا صد عن سبيل الله، ويكون الدين كله الله، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

فالدعوة إلى الإسلام، هي دعوة الذاكرين، كما أن الجهاد في سبيل الله، هو جهاد الذاكرين، الذين إن مكّن الله لهم في الأرض، ورأوا إقبال الناس على الدين الحق، ذكروا الله، وعظموه، وعلموا الناس أمور دينهم، وسعوا في منافعهم، ومصالحهم، وحكموا بينهم بالعدل، والإحسان، وأقاموا حضارة الذاكرين، وكانت نهضتم العمرانية، تجعل المساجد محورًا وقبلة.

ومن هنا، تنشأ الأمة الجليلة وتأخذ مكانها في الريادة، والعمل، والإنتاج، والتفوق العلمي، والثقافي، والحضاري، لأن الذكر والدعاء، يبعثان على العمل الصالح، ويزيدان المقامات الإيمانية.

ولذلك كان سلفنا، من أهل الصحبة، والإحسان، يتناصحون بذلك، مثل قولهم لبعض: (أجلس بنا نؤمن ساعة ) . (1)

وهذه الروح، تحث على العمل، والإنتاج، الجيد، والجهاد، وبناء الدولة، وإصلاح المجتمع، بل إن الأذكار والأدعية المسنونة، أثناء هذه الأعمال والواجبات، دالة على أن أكثر الذكر، والدعاء، ما يكون أثناء الحركة والعمل.. والأعمال العظيمة تنشأ، والحضارة تنهض، وتزدهر، في ظل الإيمان، والاطمئنان بذكر الله ودعائه، واطمئنان القلوب، وانشراح الصدور، وتحقيق السلم، والأمن.

وهي حقيقة مقررة، وقد سجلها بعض المراقبين من الباحثين في تاريخ الحضارات (إن الحضارة تبدأ، حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع، والإنشاء، وحينئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية، تستنهضه، للمضي في طريقه، إلى فهم الحياة، وازدهارها ) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت