* محل القنوت في النوازل:
بعد الرفع من الركوع، جهرًا، وفي بيان الحكمة من جعل القنوت في النوازل بعد الرفع من الركوع جهرًا، يقول ابن حجر العسقلاني: (وظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة، في الاعتدال، دون السجود، مع أن السجود مظنة الإجابة، كما ثبت(اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ، وثبوت الأمر بالدعاء فيه، أن المطلوب من قنوت النازلة أن يشارك المأموم الإمام، ولو بالتأمين، ومن ثم اتفقوا على أن يجهر به، بخلاف القنوت في الصبح، فاختلف في محله، وفي الجهر به.
* يجوز الجمع بين الأدعية الواردة في القنوت، وغيرها، مع اختيار جوامع الدعاء، والإخلاص، ومراعاة الاعتدال في الدعاء، ومناسبته للقيام، وحال المصلين.
* يستحب رفع اليدين، في دعاء القنوت، ويستحب للمأموم أن يؤمن على الدعاء، لما روي أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يؤمن من خلفه) .
* لا يعني ما ورد من تركه صلى الله عليه وسلم للقنوت، أكثر من أنه ترك الدعاء على الكفار، ولعنهم في قنوت النوازل، لنزول قوله تعالى: (ليس لك من الأمر شئ ) ، كما نجد ذلك في نص الحديث.
* الإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف، أنه صلى الله عليه وسلم، جهر، وأسر، وترك، وقنت، وكان إسراره أكثر من جهره.
* الأمر في القنوت، واسع، التزامًا له في صلاة الفجر، أو الوتر، أو عند النوازل، كما سبق ذلك مع الأدلة، وبيان آراء الفقهاء.
نسأل الله تعالى أن يتقبلنا وقراء هذا الفصل، والمسلمين كافة، وأن يوفقنا أجمعين لما يحب، ويرضى، وأن يجعلنا من عباد الله المخلصين، القانتين، الخاشعين، المطيعين، العابدين، الراكعين، الساجدين، المسبحين، المفتقرين إليه جل جلاله، والمفوضين أمرنا كله إليه تعالى، كما نسأله تعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يزيدنا علمًا. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
وصلى الله تبارك وتعالى، وسلم تسليمًا كثيرًا، على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
تطبيق الشريعة وأثره في إصلاح المجتمع
وتتناول هذه الدراسة، الشريعة، وأثر تطبيقها في استقرار المجتمع، وإصلاحه، فنبين أولًا، معنى الدين، وأنه يشمل جميع علاقات الحياة الدنيا، والآخرة، من العبودية لله تعالى وطاعته، والاستسلام لأمره، والتزام الصراط المستقيم، والاحتكام لشرع الله، وانفاذ أحكام القوانين الإسلامية، في شؤون الحياة، كلها، الأسرية، والمدنية، والجنائية، حتى يكون الدين كله لله تعالى،مع بيان معنى الشريعة، وأنها ما شرع الله لعباده من الدين، وشمولها للعقيدة، والشعائر، والشرائع- خلافًا للفهم المتأخر، من أنها القوانين، وربما الحدَّية منها خاصة- ثم نتناول معنى الحدود، لغة، واصطلاحًا، والتطور الدلالي لها، مع بيان أثر إقامة الحدود، وتطبيق الشريعة الإسلامية، عامة، في إصلاح المجتمع، عقيديًا، وأخلاقيًا، واقتصاديًا، وأمنيًا،وبركة في الحياة، وتجاوبًا شعبيًا، وما يحققه انفاذ كل حد من مصالح للأفراد، والجماعات، وما يؤدي إليه ذلك، من إصلاح المجتمع، واستقراره..
كما تتناول أيضًا، أثر التوبة، في رفع الحدود، وإسقاط العقوبة، لفتح باب الأمل في رحمة الله للتوابين المتطهرين: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) (البقرة:222) . وخُتمت الدراسة، ببيان خصائص الشريعة الإسلامية.
من معاني.. (الدِّين)
الدَّيان:من صفات الله، عزوجل، ومعناها:الحكم القاضي.. والديان:القهار، وهو فعال، من دان الناس، أي قهرهم على الطاعة، يقال:دنتهم فدانوا:أي قهرهم فأطاعوا.
وفي حديث أبي طالب، قال له عليه الصلاة والسلام: (أريد منهم- أي من قريش- كلمة واحدة تدين لهم العرب) (1) ، أي تطيعهم، وتخضع لهم.
الدين:الجزاء، والمكافأة، ويوم الدين، يوم الجزاء، وفي المثل:كما تدين تدان، أي كما تجازى، تُجازى. وقوله تعالى: (أءنا لمدينون ) (الصافات:53) ، أي:لمجزيون، محاسبون، ومنه الدَّيان، في صفة الله عزوجل.
الدين:الحساب، ومنه قوله تعالى: (ملك يوم الدين ) (الفاتحة:3) ، وقيل:معناه، مالك يوم الجزاء.
والدين:الطاعة، وقد دنته ودنت له، أي أطعته، يقال:دان بكذا، ديانة، وتدين به، فهو ديِّن، ومتدين.
والدين هو الإسلام، وقد دنت به.
والدين:العادة، والشأن، لقول العرب:ما زال ذلك ديني، وديدني، أي عادتي، وفي الحديث: (الكًيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله ) (2) .
قال أبو عبيدة: (دان نفسه، أي أذلها، واستبعدها، وقبل حسابها)
وفي التنزيل العزيز: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) (يوسف:76) ، قال قتادة:في قضاء الملك، أي الأغراض.. دان الرجل، إذا عز.. ودان، إذا أطاع.. ودان إذا عصى.. ودان إذا اعتاد، خيرًا أو شرًا...ودان إذا أصابه الدين، وهو داء.
وقوله تعالى: (أَءِنَّا لَمَدِينُون َ) (الصافات:53) أي مملوكون. وقوله تعالى: (فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها ) (الواقعة:86) ، قال الفراء:غير مدينين، أي مملوكين، قال:سمعت غير مجزين.
ودنته، أدينه، دينًا:سسته.. ودنته، ملكته.. ودينته القوم:وليته سياستهم.
الدين:يتدين به الرجل.
الدين:السلطان.
الدين:الورع.
الدين:القهر.
الدين:المعصية.
الدين:الطاعة (3) .
معاني الدين في لغة القرآن الكريم
ترد كلمة الدين، في آيات القرآن الكريم، على وجوه من المعاني المتعددة، تفهم بحسب ورودها، في سياق المعاني المرادة في مواضعها من تلك الآيات، وقد تناول الحكيم الترمذي هذه المعاني بالدراسة، والتحليل في كتابه: (تحصيل نظائر القرآن) ، فقال:وأما قوله تعالى: (الدين) على كذا وجه:فالدين هو الخضوع، يقال:دان له، أي خضع له، مشتق من الدون، وكل شيء، دون شيء فهو له خاضع، فخلق الآدمي، والكبر فيه، وراثة من صلابة الأرض وقوتها، واقتضاهم أن يدينوا له، أي يخضعوا له، ويخضعوا لعظمته.
فالخضوع، والخشوع، مبتدأ من القلب إلى الأركان، حتى يظهر على الأركان بالائتمار بأمره، والتناهي عن نهيه، والقبول لأحكامه، والانقياد له.
1-شهادة ألا إله إلا الله:وإنما صار الدين في هذا المكان، شهادة ألا إله إلا الله (4) ، لأن الموحد لا يشهد بهذه الشهادة، إلا بعد خضوعه لله، وسقوطه بين يديه تذللًا، وتسليمًا لرقبته.
2-الحساب:وإنما صار الدين (الحساب) (5) في مكان آخر، لأنه إذا جاء الحساب، دان العبد، فلم يقدر أن يجحد، فإن جحد نطقت الجوارح، فالحساب من الله، مطالبته ما وجب له على العبد، فيما عهد إليه، وفيما قلده، وفيما ضمن العبد، فيطالبه بالوفاء لذلك.. فذاك كله خضوع، يحل بالعبد.
3-حكم الله وقضاؤه:وإنما صار الدين، حكم الله وقضاءه في مكان آخر:لأنه إذا حل بالعبد حكمه وقضاؤه، دان العبد له.
4-حكم الملك الذي حبس يوسف عليه السلام:وإنما صار الدين حكم الملك (6) ، الذي حبس يوسف عليه السلام، لما وضحنا أن الدين:الخضوع عند الحكم.