ونموذج الثقافة، كما يؤكد ابن نبي، يحدد الفعالية.. فالثقافة إذا ما تكونت في مجتمعٍ، نشأت فيه تلقائيًا شبكة الصلات الثقافية، وتحددت فيه فعالية الفرد، إذ الثقافة ليست مجرد علم يتعلمه الإنسان في المدارس ويطالعه في الكتب، إنها ذلك الجو المتكون من عادات وتقاليد وأذواق، أي الجو العام الذي يطبع أسلوب الحياة في مجتمع معين وسلوك الفرد فيه بطابع خاص يختلف عن الطابع الذي نجده في حياة مجتمع آخر (26) . ومن هنا فنمط الثقافة مهم جدًا في تحديد القيم الفعالة، إذ الثقافة إما أن تكون زادًا ومحيطًا يحرك إرادة الفرد ويحرر طاقاته في المجتمع، أو أنها تكون عائقًا إذا كانت ثقافة تحمل دستورًا للعطالة والتسيب واللامبالاة الفردية والاجتماعية.
فأمر الفعالية، في مفهوم ابن نبي، متعلق بإطار الثقافة الذي يجعل من المبدأ الأخلاقي منتجًا للفعالية، ذلك أن فعالية المجتمعات تزيد أو تنقص بقدر ما يزيد فيها تأثير المبدأ الأخلاقي أو ينقص، فإن مواقفها إزاء المشكلات محددة بذلك المبدأ الذي يكوّن الشرط الأساسي لأفعالها، حيث ينظم فيها علاقات الأشخاص تنظيمًا يناسب المصلحة العامة (27) . فأول شرط لتكون الثقافة إطارًا للفعالية هو وجود المبدأ الأخلاقي، وجودًا اجتماعيًا يؤثر ويوجه حركة التاريخ، وينشئ الصلات الاجتماعية، ويبني النسيج الاجتماعي.
وتبعًا لنظريته في موقع الفكرة الدافعة في حركة التاريخ وبناء الحضارة وتشكيل نمط الثقافة، فإن ابن نبي يرى أن الثقافة لا تستطيع أن تُكوِّن أسلوب الحياة في مجتمع معين، إلا إذا اشتملت على عنصر يجعل كل فرد مرتبطًا بهذا الأسلوب، فلا يحدث فيه نشوزًا بسلوكه الخاص، وهذا لا بد أن يكون خلقيًا، أي المبدأ الأخلاقي، وهو فيما يتصل بالغرب الفكرة المسيحية وما طرأ عليها من تطور وتغير خلال حركتها في التاريخ (28) .
ويورد ابن نبي (رحمه الله) مثالًا لارتباط الفعالية بالمجال الثقافي الذي تشكله الفكرة الدافعة بما وقع للمسيحيين على يدي الرومان في بداية تسجيل المسيحية في النفوس بعد قرون ثلاثة من بعثة المسيح عليه السلام، ويؤكّد أن البنية التحتية التي أنشأت الحضارة الغربية كانت المسيحية (29) ، وأن المبدأ الأخلاقي المسيحي يشكل لحمة الصلات الاجتماعية التي تربط بين مظاهر التنوع في الغرب.
ويعزو أكبر مصادر خطئنا في تقدير المدنية الغربية إلى أننا ننظر إلى منتجاتها وكأنها نتيجة علوم وفنون وصناعات، وننسى أن هذه العلوم والصناعات ما كان لها أن توجد لولا صلات اجتماعية خاصة لا تُتَصوّر هذه الصناعات والفنون بدونها، فهي الأساس الخلقي الذي قام عليه صرح المدنية الغربية في علومه وفنونه... فلو تناولنا جهاز الراديو مثلًا لرأينا فيه مجهودات علمية وفنية مختلفة دون أن يخطر ببالنا أثر القيم المسيحية في بنائه، بينما هو في الواقع آثار تلك العلاقات الاجتماعية التي وحدت جهودًا مختلفة لـ (هرتز ) الألماني، و (بوبوف ) الروسي، و (برانلي ) الفرنسي، و (ماركوني ) الإيطالي، و (فليمن ) الأمريكي، فكان الراديو نتيجة هذه الجهود جميعًا (30) .
ويتساءل ابن نبي (رحمه الله) : وهل هذه العلاقات الخاصة في أصلها سوى الرابطة المسيحية التي أنتجت الحضارة الغربية منذ عهد شارلمان ? ولهذا يرى أننا سوف نصل في النهاية -إذا ما تتبعنا كل مدني من مظاهر الحضارة الغربية- إلى الروابط الدينية الأولى التي بعثت الحضارة، وهذه حقيقة كل عصر وكل حضارة، وليست خاصة بالحضارة الغربية فقط (31) .
لكن ابن نبي لا يغيب عنه ما طرأ على هذا المبدأ الأخلاقي من تطور وتبدل، ولهذا ينبه إلى أن الحضارة الغربية قد قامت في بدايتها على هيكل أخلاقي مسيحي، أتاح لها التماسك والوثبة الضرورية لازدهارها، لكن تطورها قد غير هذا الأساس العقدي شيئًا فشيئًا، إلى أن صار هيكلًا مختلطًا يتمثل فيه التفكير الكاثوليكي والبروتستانتي، وما يسمى بالتفكير الحر، والتفكير اليهودي، وعليه فلا مجال لأن نبحث عن التماسك والتوافق في تلفيق ديني مصطنع، وهذا يعطينا تفسيرًا لبداية خفوت الروح الدافعة التي تعاني منها الحضارة الغربية اليوم (32) .
وأما الشرط الثاني لتكون الثقافة إطارًا للفعالية فهو الجمال، ويرى ابن نبي أن: (ذوق الجمال هو الذي يطبع الصلات الاجتماعية بطابع خاص. فهو يضفي على الأشياء الصورة التي تتفق مع الحساسية والذوق العام من حيث الألوان والأشكال. فإذا كان المبدأ الأخلاقي يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات، فإن ذوق الجمال هو الذي يصوغ صورته ) (33) ، ومن هنا ينبه ابن نبي إلى وجه آخر للفرق بين العلم والثقافة، فإن الأول تنتهي عمليته عند إنشاء الأشياء وفهمها، بينما الثانية تستمر في تجميل الأشياء وتحسينها.
ومن هذه الناحية يعتبر ذوق الجمال من أهم العناصر الديناميكية في الثقافة، لأنه يحرك الهمم إلى أبعد من مجرد المصلحة. وهو في الوقت نفسه يحقق شرطًا من أهم شروط الفعالية، حيث يضيف إلى الواقع الأخلاقي عند الفرد دوافع إيجابية أخرى من شأنها أحيانًا أن تعدل من بعض الدوافع السلبية التي ربما يخلقها المبدأ الأخلاقي الجاف في سلوك الفرد (34) .
فالجمال شرط مهم من شروط الفعالية في الفرد وفي المجتمع. غير أن المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي، لا يشكلان دافعًا قويًا إذا لم تكن هناك الوسائل العملية لتنفيذهما في الواقع، ولذا نجد ابن نبي يضيف شرطًا ثالثًا; وهو المنطق العملي، أي استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة (35) . وهو الذي يترجم الشرطين السابقين إلى نشاط وحركة في الواقع.. والتاريخ نفسه -كما يرى ابن نبي- ليس إلا قائمة إحصائية لعدد معين من الحركات والأفكار، والمجتمع الذي يسجل يوميًا أكبر عدد ممكن من الحركات والأفكار يكِّون لنفسه محصولًا اجتماعيًا أكبر.. وهذه الاعتبارات هي التي أدت إلى تحديد فكرة (تايلور ) فيما يخص الإنتاج الصناعي، القائم على المنطق العملي. وتطبيق هذا يتضمن فكرة الوقت والوسائل، وبالتالي لا يمكن تصور حياة الإنسان دون جانبها المادي، كما لا نتصور شيئًا لا يصدر عن فكرة معينة تتصل بطبيعتها بعالم المفاهيم، وهذا -كما يرى ابن نبي- يفرض أن نحدد عنصرًا رابعًا في الثقافة، وهو العلم (الصناعة بالتعبير الخلدوني ) (36) .
فعناصر الثقافة تشكل مجتمعة شروط الفعالية، وكما يؤكد ابن نبي، فإن الثقافة تشتمل على أربعة عناصر: عنصر أخلاق، وعنصر جمال، وعنصر منطق عملي، وعنصر علم. فالمبدأ الأخلاقي وذوق الجمال والمنطق العملي لا تكون وحدها شيئًا من الأشياء إن لم تكن في أيدينا وسائل معينة لتكوينه. والعلم هو الذي يعطينا تلك الوسائل، فالعلم -أو الصناعة حسب تعبير ابن خلدون- يكون عنصرًا هامًا في الثقافة لا يتم بدونه تركيبها ومعناها، فهو إذن عنصرها الرابع (37) .
ومن خلال ما سبق، يمكن ملاحظة أن ابن نبي (رحمه الله) يربط الفعالية بإطارها الثقافي، وأن الفعالية معناها اكتمال شروط الثقافة; من مبدأ أخلاقي، وذوق جمالي، ومنطق عملي، وصناعة (العلم ) ، فإذا اختل دستور الثقافة في أحد شروطه اختلت شروط الفعالية في إطار التاريخ، كما أن اتجاه الفعالية مرتبط بجهاز المفاهيم الذي تقوم عليه الثقافة.
الخاصية الرابعة: النزعة الجمالية
ما هي النزعة الجمالية؟