وبعد هذا العرض لمخاطر العولمة ، لا يبقى مجال للشك أن الموقف الواجب تجاه العولمة الثقافية والفكرية هو التفاعل الحضاري والتعامل الثقافي الانتقائي بحذر، حفاظًا على عقيدة الأمة وهويتها وأخلاقها من عبث العولمة الفكرية والثقافية.. ولا يتم ذلك إلاّ بإحياء مشروع نهضوي ثقافي شامل يعيد للأمة ثقتها بثقافتها واعتزازها بتاريخها وفخرها بهويتها ، على أساس الالتفاف حول الإسلام النقي الخالص من شوائب الموروث المتخلف ، بفهم صحيح يضع الثوابت والمتغيرات في مواضعها الصحيحة ، ويوجه الاجتهاد الشرعي العصري توجيهًا سليمًا جامعًا بين الأصالة والأسس السلفية ، والاستفادة من المعاصرة النافعة ، وسطًا بين الغلو والإجحاف .. ذلك أن الموقف الرافض المنكفئ العاجز عن التعامل مع حقبة العولمة ، يحمل من المخاطر على الأمة المسلمة وطمس هويتها وتوهين قيمها وعزلها عن الواقع العالمي الشيء الكثير ، لذلك لابد من التفكير بامتلاك الوسائل القادرة على حماية الأمة ، والإفادة من وسائل العولمة وطروحاتها لتقديم البديل الإسلامي على المستوى العالمي .
كما لابد من تفعيل كل جهود الوحدة التي تقرب الأمة ، حكومات وشعوبًا، من بعضها ، وتقرب الحكام من الشعوب والشعوب من الحكام ، وتصلح بين السياسة والثقافة ، والحكام والعلماء، وتجمع بين الكتاب والميزان والحديد ، لتعود هذه الأمة إلى مجدها من جديد .. حيث تتمكن من حشد قواها التي تمكنها من استئناف دورها في إلحاق الرحمة بالعالمين.
هذا وحسبنا الله ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
نقد الفكر الاعتزاليّ"الليبرالي"السعودي )
فئة ضالة جديدة
إنّ من المعلوم أنّ هذه الدولة السعوديّة منذ نشأتها على يد الإمامين الجليلين محمّد بن عبد الوهّاب ومحمّد بن سعود - رحمهما الله تعالى - قد قامت على العقيدة السلفيّة النقيّة التي كان عليها السلف الصالح منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم.
والإمام محمّد بن عبد الوهّاب رحمه الله لم يأت بجديد فيما دعا إليه، وإنّما جدّد ما اندرس من معالم هذا الدين لا سيّما ما يتعلّق بالتوحيد ونبذ الشرك، فكانت دعوته تحريرًا للعقول من الجهل والخرافات والخزعبلات، وجرى على ذلك أتباعه من بعده حكامًا ومحكومين، ولقد تعرّضت هذه الدولة السلفيّة المباركة منذ نشأتها للكثير من الأذى والمواجهات والتحديات من قبل جهات عدّة، لكنّها - بفضل الله تعالى ثم بفضل تمسّك أهلها بهذه العقيدة السلفيّة النقية - صمدت في وجه أعدائها، وعاودت الظهور كلّما ظنّ أعداؤها أنّها قد زالت إلى الأبد..
وفي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثمّ الأحداث التي وقعت في هذه البلاد من تفجيرات آثمة، مع ما صاحب ذلك من وفاة كبار أئمّة هذه الدعوة السلفيّة المعاصرين الذين كان لهم كبير الأثر في حمايتها والذود عنها؛ وجد الأعداء فرصتهم في النيل من هذه الدعوة السلفية ممثلّة في أهلها والقائمين عليها، ولم يكن عدوّها الخارجي بأخطر من عدوّها الداخلي المتمثلّ في بعض أبنائها العاقّين الذين تشرّبوا مبادئ وأفكارًا منحرفة، كان منهم طائفة تبنت الفكر الاعتزالي القديم، وراحت تدعو إليه وتنافح عنه، وترى في السلفيّة عدوًّا لدودًا له، وهم بذلك يسعون إلى إعادة فتنة سلفهم القديمة مع إمام أهل السنة في وقته الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ولكن بوجه عصري جديد يتماشى مع ما يريده العدو الخارجي المتمكن، هذا الوجه يتلخص في اتهام هذه السلفية النقيّة بأنّها هي مصدر الإرهاب - الذي لم يتم الاتفاق على تعريفه إلى هذه اللحظة - ومصدّرته، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فجعلوا السلفية المسكينة هي السبب الرئيس في جميع النكبات التي حلّت بالأمّة من تخلّف وتأخر وتفرّق (!) ، وأنّه لا سبيل إلى التقدم والازدهار إلا بنبذ هذه السلفية النقية التي تدعو إلى إتباع منهج السلف الصالح ابتداء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم، ومرورًا بأئمّة الإسلام العظام كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والأئمّة الأربعة وابن تيمية وانتهاء بأئمة السلفية المعاصرين كابن باديس وابن باز وابن عثيمين وغيرهم عليهم جميعًا رحمة الله تعالى، وفي الوقت نفسه راحوا يبشّرون بمشروعهم التغريبي الجديد المتمثّل في إحياء الفكر الاعتزالي العقلاني، بدعوى الإنسانية والتعددية.
وقد رأيت أن أقصر الحديث على هذه الطائفة الاعتزالية دون غيرها لأسباب أهمّها:
1-أنّهم من أبناء جلدتنا اللصيقين، ويتكلّمون بألسنتنا..
2-تمكنهم من بعض وسائل الإعلام المحلية، وإعطاؤهم الضوء الأخضر من قبل القائمين على تلك الوسائل ليقولوا جلّ ما يريدون، وعدم السماح بنشر الردود عليهم إلا بشكل ضئيل جدًا.
3-أنّهم يتحدّثون باسم الدين ويلبسّون على الناس بخلط الحقّ بالباطل، وإثارة الشبه القديمة التي أثارها الأعداء من قبل.
4-تمكنهم من بعض المنابر الجامعية في بلادنا، وبلبلة أفكار الطلاب وتشكيكهم في دينهم وعلمائهم بل وفي أقرب الناس إليهم وفي هذا يقول أحدهم - وهو أشدّهم تطرّفًا وبذاءة - في مقال له بعنوان: (نحن والخوارج إلى أين) (الرياض: 13709) : ما أؤكّده لطلابي دائمًا، ويقع منهم موقع الغرابة أن الفكر الخارجي حالة ليست ببعيدة عنا، الحالة الخارجية لها نسبتها الخاصة، وقد تنمو داخل الفرد ببطء دون أن يشعر، وقد تتسرب إليه من أقرب الأقربين، بل قد يكون أقرب الناس إليه - والداه أو إخوته مثلًا - من غلاة الخوارج، ولكنه يستبعد أن يكون هذا القريب الذي يطمئن إليه غاية الاطمئنان من الخوارج الغلاة الذين يقرأ عنهم وعن تكفيرهم ووحشيتهم.. لا يكادون يصدقون هذا، مع أنهم يعرفون تمام المعرفة أن الخوارج القدامى خرجوا من صميم المجتمع.."، بهذه الطريقة الماكرة يشكك الأستاذ الجامعي تلاميذه في والدِيهم وإخوانهم، بل العجيب أن يتحوّل مدرس العربية، إلى أستاذ في العقيدة، ليلقنهم درسًا في الفِرَق، وهذا الذي طالما استنكروه في صحفهم، وعدوه من أسباب تدني التعليم عندنا كما يقول أحدهم في مقال له بعنوان: ( دعاة لا معلمون) (الوطن: 921) ."
ثم يقول الأول في مقاله إن الطلاب لا يكادون يصدقون ما يقوله، وكيف يصدقون هذا الهراء من كاتب يعلمون خبثه وانحرافه العقدي والفكري، وقد قابلت بعض طلابه فأبدوا استياءهم من فكره المنحرف الذي يبثه في قاعة الدرس.
ولقد كنت منذ زمن أتتبع كتاباتهم التي يسوّدون بها الصحف والمجلات، فجمعت منها كمًّا هائلًا مليئًا بالجهالات والمغالطات والتلبيس والدسّ الرخيص، وتقرير العقائد الباطلة، وغير ذلك من أنواع الباطل، وما فاتني منها ربما أضعاف ما جمعته، مما يصعب معه نقد هذا الفكر نقدًا شاملًا دقيقًا، إذ يحتاج ذلك إلى مجلدات ضخمة ربما فني العمر قبل الفراغ منها.. ولا أقول ذلك مبالغة وإنّما هي الحقيقة، لذا سأحاول نقد ما تيسر لي من هذا الفكر بحسب ما يتسع له الوقت، وهو كاف - بإذن الله -لفضحه وبيان فساده وخطله..
وسيكون الحديث عنهم في النقاط التالية:
أوّلًا: سماتهم الشكلية الظاهرة..
ثانيًا: سماتهم الفكرية والثقافية من خلال كتاباتهم المعلنة..
ولن أحرص على ذكر الأسماء، لأنّ الأسماء تتغيّر وتتبدّل، بخلاف السمات فإنّها ثابتة لا تتغير بتغير الزمان إلا قليلًا، وهذا هو منهج القرآن في الحديث عن مثل هذه الطائفة..