هذا؛ ومن الملاحظ من خلال كتاباتهم أنّهم يتبادلون الأدوار، فبعضهم متخصّص في الطعن في السلفية وتشويهها وتنفير الناس منها، وبعض آخر متخصّص في التقليل من خطورة المذاهب المنحرفة، والأفكار الضالة، بل الدعوة إلى بعضها وتلميعها وخصوصًا الفكر الاعتزالي كما سيأتي بإذن الله، وهكذا، وبعض ثالث متخصّص في النيل من حضارتنا الإسلامية، وتشويهها، والثناء المغالي على الحضارة الغربية، وتمجيدها إلى حدّ الهوس، وهلمّ جرًّا..
أمّا مصادرهم التي ينهلون منها، فهي بعض الكتب الفكريّة لبعض الكُتّاب المنحرفين من تلامذة المستشرقين الحاقدين، ومن أصحاب التوجّهات العلمانية المشبوهة، الذين يجيدون بثّ الشبه، والتشكيك في أصول الدين ومصادره، وتاريخ المسلمين، بطريقة ماكرة، وغير منهجية، قد تخفى على كثير من الشباب الغضّ الذي ليس له حظّ وافر من العلم الشرعي، ومن أبرز هؤلاء المفكّرين، وأكثرهم حضورًا في كتاباتهم: المفكّر المغربي محمّد عابد الجابري.
ففي الوقت الذي يطعنون فيه بأئمّة السلف وعلماء الأمّة كما سيأتي؛ نجدهم يسبغون أوصاف التعظيم والتبجيل لهذا المفكر وأمثاله.
يقول أحدهم - وهو أشدّهم تطرّفًا - في مقال له بعنوان (إشكالية العنف الفلسطيني الإسرائيلي) (الرياض: 13401) : فلسطين والنهضة العربية، أيهما الوسيلة، وأيهما الهدف ؟ تاه العربي في هذا السياق وغمّ عليه! وأصبحت الحيرة في هذا من الإشكاليات المزمنة في الوعي العربي ذي البعد الوحدويّ؛ كما يرى ذلك المفكّر المغربيّ الكبير: محمد عابد الجابريّ..!!! .
ويقول آخر - وهو أكثرهم حديثًا عن العقائد، وتقرير مذهب الاعتزال في مقال له بعنوان: (غرس المفاهيم من خلال الطرح غير العقلاني) (الرياض: 13477) : يرى الدكتور محمد عابد الجابري أنّه لكي يتمّ غرس المفاهيم الحداثية في الذاكرة الجمعية لمجتمع معين مثل مفاهيم الديمقراطية والتسامح وحقوق الإنسان والمجتمع المدني فلا بدّ من تجذيرها تراثيًا.. ويستمر الكاتب في شرح وجهة نظر الجابري، وعلى الرغم من أنّه أبدى شيئًا من التحفظ المؤدب تجاه تلك الوجهة، إلا أنّه يختم مقاله بقوله: وهذه على الأقلّ تظلّ مجالًا للتساؤلات التي على المفكّرين الكبار من طراز الجابري بالذات أن يولونها (هكذا) اهتمامهم. ، وأضع تحت كلمتي (طراز) و (بالذات) عدّة خطوط.
وفي مقال آخر بعنوان: (النظام المعرفي والهوية الثقافية) الرياض: (13551) .
يقول الكاتب نفسه: مفكرون عرب كبار وعلى رأسهم الجابري.
أمّا ترديد أفكار الجابريّ، وحتى ألفاظه ومصطلحاته، فهو كثير في كتاباتهم، ومن ذلك:
* ( بنية العقل العربي) من مقال بعنوان: (بائعو الكلام) الرياض: (13490) .
* ( الإيبيستيمولوجيا، النظام البياني والعرفاني والبرهاني) من مقال بعنوان: ( النظام المعرفي والهوية الثقافية ) (الرياض: 13551) .
* (التاريخ السياسي المتدثّر برداء الدين، والمحافظ على أيدلوجيته القبليّة، ومكاسبه الغنائميّة) من مقال بعنوان: (قراءة في بعض فروع العقائد) (الرياض: 13667) .
* ( المخيال الجمعي) من مقال بعنوان: ( مفهوم الحاكمية ) (الرياض: 13716) وغيرها من العبارات.
وهم إذ يتّهمون السلفية بالتقليدية، ويلمزونها بذلك، وهي من أشدّ المذاهب حرصًا على اتباع الدليل، ونبذ التقليد؛ نراهم يقلدون هذا الجابري وأمثاله، ويرددون ذات الأفكار، بل ذات الألفاظ التي يردّدها، والتي صدرت - أوّل ما صدرت - من المستشرقين الحاقدين، وأخذها عنهم هؤلاء المقلدون، فعاد الأمر إلى تقليد المستشرقين، وترديد شبههم..، وإذا كان ولا بد من التقليد، فتقليد السلف الصالح خير من تقليد المنصّرين من المستشرقين، وأذنابهم من المفكّرين بعقول غيرهم (!!!) .
وبعد، فهذا أوان البدء بالمقصود:
أوّلًا: السمات الظاهرة: فأمّا سماتهم الشكلية الظاهرة فأبرزها إعفاء اللحى مع الأخذ منها، أو على حدّ تعبير أحد مشايخنا الأجلاء - اللحى الليبرالية - حتى إنّ أشدّهم تطرّفًا لو رأيت صورته لحسبته من الصالحين، بينما كتاباته تمتليء حقدًا وغلًا على الصالحين والمصلحين لا سيما أصحاب المنهج السلفي القويم من الأوّلين والآخرين 1وليس ذلك خاصًّا بهم، فقد يشترك معهم في ذلك بعض العامّة ممن لا يحمل فكرهم المنحرف..
ومع ذلك، فقد تقتضي مرحلة من المراحل الظهور بغير لحى، فهي ليست ضرورية عندهم..
كما أنّ من سماتهم الظاهرة حضور الجمع والجماعات، مع انتقادهم الشديد لأئمّة المساجد واحتقارهم وكراهيتهم، إلى درجة الطعن والتشكيك في دينهم أحيانًا، والتأليب عليهم، وأحيانًا السخرية منهم والتندّر بهم لا سيما إذا خالفوهم في الأفكار المطروحة.. ويظهر ذلك جليًّا في مواقعهم على الأنترنت، فما لا يقدرون على بثه في صحفهم ومجلاتهم بأسمائهم الصريحة، يبثونه عبر تلك المواقع بأسماء مستعارة.. بل إنّ أحدهم - وهو أشدّهم تطرفًا وبذاءة _ دعا في مقال له بعنوان: (نحن والخوارج إلى أين) (الرياض: 13716) إلى فرض الوصاية على الخطباء - الذين هم في الغالب من طلاب العلم وأساتذة الجامعات _ وكتابة الخطب لهم بل حتى الأدعية، فلا يكون لهم دور إلا مجرد قراءة الخطب المكتوبة فقط (!) ، هذا مع طنطنة هذا الكاتب وغيره من هذه الفئة على ضرورة رفع الوصاية المفروضة على عامة الناس من قِبل العلماء، والتي تحول بينهم وبين الاقتناع بالأفكار المضللة التي تدعو إليها هذه الفئة الضالة وغيرها، وهذه من أعجب تناقضاتهم كما سيأتي إن شاء الله..
يقول أحدهم _ وهو من أكثرهم حديثًا عن السياسة والدعوة إلى الفكر الاعتزالي -في مقال له تفوح منه رائحة العلمنة بعنوان: (التجييش الطائفي على المنابر) (الرياض: 13770) _ وكلّ من يدعو إلى الدين والعقيدة عندهم فهو طائفي -، يقول:"أدركتني صلاة الجمعة الماضية مع أحد الخطباء ذي الباع الطويل في التسييس المنبري (!) ومنذ قد غادرت مسجده منذ مدّة ليست بالقصيرة عندما أدركت حينها أنني لا أكاد أسمع وأنا منصت لخطبته إلا تحاليل (!) سياسية رديئة المضمون (!) رائجة السوق لدى الخطاب الديماغوغي (!) القابل للتجييش بطبيعته.. إلى آخر ما ذكر بأسلوبه الركيك المتهالك، أمّا الخطاب الديماغوغي!!! فهذا الذي لم أفهمه إلى هذه الساعة، ولعلّه مشتق من الدماغ، والله تعالى أعلم، أما (التحاليل) ، فذكرتني بالمستشفيات، والدماء المسحوبة، ولعله اختار هذا اللفظ لمناسبته للإرهاب وسفك الدماء.."
وفي مقال بعنوان: (نجاحات الأمن قدوة كيف نبرر قتلنا المجاني) الوطن: 1156، يلمز أحدهم خطيب العيد الذي صلى خلفه، لأنّه _ كما يقول _ ذكر أنّ للتطرف وجهين، وجه محسوس وهو الذي يؤدي إلى التفجير والتخريب، والوجه الآخر تطرف فكري وهو تطرف العلمانيين والمنحرفين من كتّاب ومثقفين... وذِكْرُ هذا الوجه الأخير هو الذي أقضّ مضجع هذا الكاتب، واغتاظ منه (كاد المريب أن يقول خذوني) ، فما كان منه إلا أن اتهم الخطيب بالتبرير للإرهاب المحسوس، مع أنّه لم يقل ذلك، لكنه الصيد في الماء العكر، والدفاع عن وجودهم، حيث استغلوا الأحداث الأخيرة لتصفية الحساب مع خصومهم التقليديين.
هذه مجمل سماتهم الظاهرة..
أمّا سماتهم الفكرية العامّة التي ظهرت من خلال كتاباتهم المعلنة، فهي كثيرة جدًا، منها: