هذه الآيات وكثير غيرها تعطي مواصفات واضحة للقيادة الإسلامية، وتضفي عليها أهمية بالغة بربطها مباشرة بطاعة الله وولايته.
ثالثًا: التشجيع المتبادل والنهي عن التثبيط
الإنسان بطبيعته يحتاج إلى من يشجعه على العمل والنشاط، ولذلك ترى المسلمين عندما يقوم أحدهم بمهمة، فان الآخرين يقبلون عليه فيشجعونه. وبهذه الطريقة يعطي البعض العزيمة والارادة للآخرين، وقد تلعب كلمة تشجيع واحدة دورًا مؤثرًا في صنع مصير انسان وتقويم مسيرة حياته. يقول تعالى:
?وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ? العصر،3
ويقول:
?ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ? البلد،17
والتشجيع هو بعض أقسام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاذا رأيت انسانًا يصلي صلاة الليل -مثلًا- فقل له: أحسنت، إن صلاة الليل نور، ولا تقل له: يا مرائي.
إن مثل هذا الكلام التثبيطي مدعاة إلى الضلال والانحراف. والواقع ان التخذيل مرض اجتماعي يتفشّى أحيانًا بين الناس بشكل يبعث على الأسى، لأنه يعرقل كثيرًا من النشاطات البنّاءة، والأعمال الصالحة التي يمكن أن تستفيد منها المجتمعات بشكل فعّال.
رابعًا: إزالة الحجب القائمة بين الأفراد
إن نصف واجبات الإسلام ووصاياه على الأقل، إنما جاءت بهدف هدم الحواجز التي يمكن أن تفصل المؤمنين عن بعضهم، مثل العصبيات بسائر أقسامها وأسمائها، والكبر، والغرور، والحقد، والحسد، وسوء الظن.. هذه القائمة الطويلة السوداء من الصفات السيئة التي جاء الإسلام للقضاء عليها واجتثاثها من جذورها.
وقد تتعجب من قول الرسول صلى الله عليه وآله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) ولكن المجتمع الذي لا يقوم على قاعدة الحب في الله والبغض في الله.. هذا المجتمع لا يمكن أن يصلّي أو يزكّي أو يعبد الله أو يبني حضارة أو يعمل أي شيء مفيد، إن مجتمع الحسد، والبغضاء ليس مجتمعًا إسلاميًا أبدًا، ولا يمكن أن ينبعث الخير منه.
إذن، القضية الأساسية هي العمل على بناء مجتمع التكامل والتفاعل، والذي يهدم الحواجز بين أبنائه، و ينظم نفسه داخليًا، وآنئذٍ يستطيع أن ينتصر على كل قوة خارجية تريد إذلاله واستعباده ونهب خيراته وثرواته.
وهنا نورد نماذج من الأحاديث الشريفة التي تعالج بعض الحواجز الشيطانية التي تفتك بالمجتمع والتي من الصعب على الإنسان أن يتخلص منها إلاّ بالتوكل على الله سبحانه.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) .
ويقول الأمام علي عليه السلام:
(إجتنب الغيبة فانها إدام كلاب النار) .
ويقول عليه السلام:
(كذب من زعم انه وُلِدَ مِنْ حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة) .
ويقول في النهي عن سوء الظن:
(ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظننّ بكلمة خرجت من أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا) .
ويقول الامام الصادق عليه السلام:
(من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله عزوجل:
?إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ? (النور،19)
فرواية أقوال وتصرفات الآخرين غير اللائقة وان كانت صحيحة، هي من الغيبة التي ينهى الإسلام عنها، وتعليل ذلك كما تشير إليه الآية الكريمة، هو أن هذا الأمر مما يشيع الفاحشة في المجتمع، فيشجع الآخرين ويعطيهم المبرر لارتكاب ذات الأعمال السيئة.
وفي حديث آخر يؤكد الإمام عليه السلام فيه على هذه الفكرة فيقول:
(الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه مما قد ستره الله عليه. فأمّا إذا قلت ما ليس فيه فذلك قول الله ?فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينا? ) .
ويؤكد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على بشاعة عمل ذي الوجهين ودور هذه الصفة في فصم عرى الاخوة الإسلامية وتفتيت المجتمع الرسالي فيقول:
(أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى، يسقون من حميم الجحيم، ينادون بالويل والثبور. يقول أهل النار بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء الأربعة قد آذونا على ما بنا من الأذى؟!
فرجل معلق في تابوت من جمر، ورجل يجرّ أمعاءه، ورجل يسيل فوه قيحًا ودمًا، ورجل يأكل لحمه، فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على مابنا من الأذى؟ فيقول: ان الأ بعد قد مات وفي عنقه أموال الناس لم يجد لها في نفسه أداء ولا وفاء.
ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: ان الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول من جسده.
ثم يقال للذي يسيل فوه قيحًا ودمًا: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: ان الأبعد كان يحاكي، فينظر إلى كل كلمة خبيثة فيسندها ويحاكي بها .
ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: ان الأبعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة ويمشي بالنميمة) .
هذا هو تنظيم الله سبحانه.. إنه تنظيم لا يقوم على الشعارات والقرارات الجوفاء، وإنما يقوم على تبادل الحب، ورفع الحجب والتكامل العضوي في جوّ من الحيوية والنشاط والعزيمة الشديدة لتطبيق أحكام السماء.
صفوة الكلام
1-يتميز المجتمع الإسلامي الرسالي بالتنظيم والتكامل العضوي بين أبنائه، وهذا هو السر في إنتصار المسلمين في بادئ أمرهم .
2-والتنظيم الذي ينادي الاسلام بضرورته، ليس على غرار النمط الغربي الذي يقوم على مجموعة من الاجراءات المعقّدة التي تضيِّع الإنسان في خضم الروتين المحيِّر والمعطِّل للنشاطات البشرية البنَّاءة .
3-والتنظيم في الإسلام يعني:
التعاون السهل بين المسلمين، والتكامل بين أفكارهم ونشاطاتهم في اتجاه تطبيق الشريعة .
4-وتقوم الحالة التنظيمية في الامة على:
ألف: مبدء الشورى .
باء: القيادة الصحيحة .
جيم: التشجيع المتبادل، وعدم التثبيط .
دال: إزالة الحجب القائمة بين الأفراد .
-عز وجل - علينا مقاومة الحضارة المادية بتأسيس حضارة إسلامية متكاملة الأبعاد .
-عز وجل - عندما يصبح المجتمع الإسلامي كتلة متراصة، فلا يمكن إختراقها أبدًا .
الصراع القائم بين الإسلام والجاهلية صراع ذو أبعاد مختلفة، ثقافية وإجتماعية وإقتصادية وسياسية، وبالتالي فهو صراع حضاري شامل لا يمكن كسبه إلا بتكثيف الجهود وتركيزها.
فلا يمكن أن نقاوم القوى الساعية للتسلط علينا وقهرنا، عن طريق الحركة السياسية وحدها، أو بالتغيير الثقافي فقط، أو بالتحدي الاقتصادي والوصول إلى الاكتفاء الذاتي في حقل الانتاج فحسب، وإنّما علينا أن نقاوم الحضارات المادية، بتأسيس حضارة إسلامية متكاملة الأبعاد.
وحينما نقول (حضارة) فاننا نقصد بها: التحول الثقافي والإجتماعي ومن ثم الاقتصادي والسياسي والعمراني، وفي كل الجوانب وعلى مدى واسع. وكذلك العمل من أجل تكوين كياننا، لمقاومة التحديات عن طريق تكثيف وتركيز كل الجهود، وذلك غير ممكن إلا عن طريق البرامج الرسالية.
ذلك لأن الحضارات المادية قد سبقت الحضارات الروحية من حيث تطوير الوسائل المادية، فلابد أن نجهز أنفسنا بعامل لا يوجد عند أصحاب تلك الحضارات، ونركب قاطرة أسرع من تلك التي إمتطوها حتى بلغوا هذا المستوى، وهذه القاطرة ليست فقط الأخذ بالعوامل المادية، وإنما كذلك الأخذ بالبرامج الروحية.
الانفتاح الواعي