فهل يعني هذا الكلام أنه كان على الحارثي أن يبيع داره وينفق ثمنها في سبيل الله حتى يكسب بذلك دارًا في الآخرة؟ يجيب الإمام عليه السلام على هذا التساؤل في تتمة كلامه:
(وبلى إن شئت بلغتَ بها الآخرة؛ تُقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتُطلِع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغتَ بها الآخرة) .
صفوة الكلام
1 -الإنسان مفطور - بطبيعته - على النشاط ، ومجبول على التحرك، بل ومفطور على الطموح أيضًا، فهو لا يكتفي بما يحصل عليه، وإنما يطلب المزيد دائمًا.
2-إذن فالعمل - الذي هو نتيجة الطموح - هو من طبيعة الإنسان، ولكن هناك مشكلتان:
الاولى: الفساد و الانحراف في الطموح . ولذلك فإن القرآن الكريم يؤكد دائمًا على صلاح العمل .
الثانية: وجود الأغلال الكثيرة أمام العمل الايجابي والحركة الهادفة،ولقد جاءت الرسالات الالهية من أجل فك هذه الأغلال، وهي بإيجاز:
ألف: الخشية من أصحاب القوة .
ب: الخوف من أخطار المستقبل والحزن على خسائر الماضي .
ج: التأثر بالإعلام المضلِّل .
د: الإستحياء من الحق .
هـ: اليأس والقنوط .
-عز وجل - المجتمع الرسالي، مجتمع نهضوي، يحمل رسالة التوحيد إلى العالم .
-عز وجل - على كل مؤمن أن ينتمي لتجمعات ومؤسسات ثقافية فكرية رسالية للعمل على بناء مجتمع إسلامي فاضل، يقوم على أساس القيم الإلهية، وتطبيق أحكام الشريعة
لماذا يعطي الإسلام الحياة الاجتماعية شرعية مؤكدة، ويفضّلها على الفردية والإنعزال والانطواء على الذات؟
ولماذا يحثّ الفرد على الانتماء الاجتماعي؟
لسببين رئيسيين:
1-إمكانية تطبيق الرسالة
إن المجتمعات المتماسكة تجري فيها الشرائع والقوانين بسهولة ويسر، بينما المجتمعات المائعة وغير المتماسكة، من الصعب تطبيق القوانين والأنظمة فيها، ومن الصعب توفيق الافراد مع الخط العام للمجتمع.
فالمجتمع المتماسك هو المجتمع الذي يندفع فيه الفرد نحو تكييف نفسه مع الآخرين إندفاعًا ذاتيًا، ولا يجد صعوبة في تطبيق الأنظمة على نفسه، بل يندفع نحو التطبيق إندفاع السيل من عل، من دون صعوبة أو مقاومة، وهو منذ الطفولة يتربى على ذلك.
وبما أن الإسلام رسالة الهية متكاملة ذات قيم وأنظمة، وذات أحكام وشرائع تفصيلية، لذلك تجد أن هذا الدين لابد وأن يؤكد على شرعية المجتمع لكي تُطبق تلك القيم، وتلك الشرائع في هذا المجتمع بسهولة ويسر.
وطالما أنه يقرر وجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأهمية الصدق والوفاء، وضرورة الصلاح والخير، ويؤكد على ذلك كله.. فلا يمكنه أن يترك تطبيق هذه القيم والانظمة من دون إيجاد سبيل وضمان لذلك، ومن أبرز تلك الضمانات، إيجاد التماسك الوثيق داخل المجتمع عن طريق إعطاء الشرعية للكيان الاجتماعي.
2-امكانية نشر الرسالة
المجتمع الرسالي مجتمع نهضوي، لانّه يحمل رسالة التوحيد إلى العالم، وحينما يحمل مجتمع ما مثل هذه الرسالة فإنّه سوف يصطدم حتما مع قوى كثيرة في طريق نشرها. والإسلام - من جهة أخرى - رسالة عالمية لا تريد أن تحصر نفسها في الجزيرة العربية أو في البلاد النائية فقط، وانّما هو رسالة لكل إنسان، والى هذا يشير قوله تعالى: ?وما أرسلناك الا رحمة للعالمين? الانبياء ، 107 .
وما دامت رسالة الإسلام عالمية، لذلك لابد أن يستعد المجتمع الذي يؤمن بها للصدام، ذلك لانه عندما يصطدم هذا المجتمع بالعقبات، فلابد أن يضحي من أجل ازالة تلك العقبات بالاموال والانفس، وعندما يستعد هذا المجتمع للتضحية، فإن التضحية ستكون عادة وسنة فطرية لهذا المجتمع، وسيكون هذا المجتمع معطاء، يعطي من دماء أبنائه بسخاء في سبيل تطبيق الرسالة.
والمجتمع المتماسك من السهل عليه أن يقدم ضحايا من أبنائه لتطبيق قيمه لإعتبارين:
الاول: ان هذا المجتمع يؤمن بالقيم ايمانًا شديدًا ومن يؤمن بالقيم يضحي من أجلها.
الثاني: السبب النفسي، ولكي أوضّح هذا السبب، لابد أن أضرب مثالًا: الإنسان الذي له إبن واحدٌ فقط، من الصعب عليه أن يقدمه شهيدًا في سبيل الله لانّه لا يملك غيره. ولكن لو افترضنا أن رجلا له عشرة أولاد، فسيكون تقديم الشهداء بالنسبة له أكثر قبولًا لانّه سيفقد قسمًا من أولاده ويحتفظ بالباقين.
وهكذا الإنسان الذي يعيش داخل مجتمع متماسك، ويحس بشدة الانتماء الاجتماعي، سوف يحس شعوريًا ونفسيًا بأن كل أبناء المجتمع هم أبناؤه أو آباؤه أو إخوانه وأخواته. لذلك لا فرق عنده بين أن يضحّي ببعض أولاده أو أقاربه، أو أن يضحي الآخرون في هذا السبيل، بل من السهل عليه أن يضحي بنفسه لأنّه لا يحس بفرديته أو تميزه عن الآخرين، إنما يحس أنّه جزء متفاعل مع كل أفراد المجتمع. فإذا مضى في سبيل الله فانه سيكون وراءه من يتابع دربه ويحقق أهدافه.
وهذا هو الشعور الذي كان يسود المجاهدين الإسلاميين الأوائل وهم يجاهدون في كل الجبهات في أقاصي الارض حيث كان بعضهم يجاهد في حدود السند، والبعض الآخر في الاندلس ولكنهم جميعًا كانوا يشعرون بأنّهم أمة واحدة، إذا استشهد أحدهم فلا ضير، لأن هناك الملايين ممن سيواصلون دربه ويحققون طموحاته. كما يقول ربنا عنهم:
?مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا? الاحزَاب،23
من هنا ولأسباب أخرى غيرها يعطي الإسلام الشرعية للانتماء الاجتماعي. ولكن كيف يحقق تلك الشرعية وبأي أسلوب؟
الخلايا الاجتماعية
يتكون المجتمع من خلايا عديدة تنتظم في تشكيلات معينة وهي على نوعين: خلايا فطرية توجدها غريزة الإنسان وربما مصالحه، وخلايا حضارية تكوِّنها قيم الإنسان ومبادؤه.
أولًا: الخلايا الفطرية
يؤمن الإسلام بخلية الاسرة ايمانًا قويًا قد لا يصل إليه إيمان أي مذهب أو دين آخر، ويؤكد على تماسكها. فالأسرة مقدسة في نظر الإسلام، والتماسك الأسري في الإسلام هو أحد الأسس الرئيسية لتماسك المجتمع.
ويقوم المجتمع الإسلامي على أساس الاسرة كوحدة اجتماعية، ولذلك تُسمى الأسرة فيه حصنا. فالإسلام يسمي الرجل المتزوج بالمُحْصَن، ويسمي المرأة المتزوجة بالمُحْصَنة، لأنّهما قد دخلا في الحصن.. والإسلام لا يرضى لأي سبب من الأسباب بهدم هذا الحصن.
ومن أهم الاسباب الهدّامة التي وضع الإسلام تشريعات مشددة لمكافحتها هو الزنا، فاعتبر الزاني هو ذلك الذي يعتدي على حصن الاسرة فيسبب هدم البيت الاسري.
والواقع أنّه إذا تفشى الزنا في المجتمع فان الأسرة تتفتت وتنهار. وهذا مانراه في المجتمعات المادية التي ينتشر فيها هذا المرض الإجتماعي الخطير.
لذلك، فإن الإسلام يؤكد على حرمة الزنا ويعتبره أمرًا خطيرًا جدًا.
يقول تعالى:
?وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا? الاسراء،32
ونجد أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسائر الأئمة من أهل بيته عليهم السلام حينما يريدون ان يبيّنوا سبب حرمة الزنا يؤكدون أن الزنا يهدم حصن الأسرة وبالتالي يحطّم المجتمع. ونستطيع أن نستلهم هذه الافكار من الأحاديث التالية:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
(لما أُسري بي مررت بنسوان معلقات بثديهن، فقلت من هؤلاء يا جبرائيل؟ فقال هؤلاء الّلواتي يورثن أموال ازواجهنّ أولاد غيرهم)