أي انهن يزنين ثم يلحقن أولادهنّ من الزنا بأزواجهن، ومن الطبيعي أن يرث هؤلاء الأولاد أموال غير آبائهم، باعتبار أن الازواج لم يكونوا الآباء الحقيقيين لهم.
وفي حديث آخر نجد الامام الرضا عليه السلام يقول:
(وَحَرَّم الزنا لما فيه من الفساد، من قتل الأنفس وذهاب الأنساب، وترك التربية للأطفال، وفساد المواريث وما أشبه ذلك من وجوه الفساد) .
فالامام الرضا عليه السلام يؤكد على ان المجتمع الذي لا يحصن بالاسرة، لا يملك تربية صالحة للأولاد، إذ أن الإنسان عندما يلجأ لبيتٍ غير بيته يقضي فيه شهوته فانه لا يهتم بأمور اولاده وزوجته، والاولاد لا يشعرون بالمقابل بأهمية بيتهم، ولذلك لا يستلهمون القيم والافكار من أبيهم، فتتفتت الأسرة، وبالتالي يتفتت المجتمع.
وفي حديث آخر يقول الامام أمير المؤمنين علي عليه السلام:
(ألا أخبركم بأكبر من الزنا؟ قالوا: بلى، قال هي امرأة توطىء فراش زوجها فتأتي بولد من غيره فتلزمه زوجها، فتلك التي لا يكلّمها الله ولا ينظر إليها يوم القيامة ولا يزكيها ولها عذاب أليم) .
والعقوبات الإسلامية حول الزنا تؤكد هذه الأهمية، يقول تعالى:
?الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ? النُّور،2
في هذه الآية يبين القرآن الحكيم أن للزاني، رجلًا كان أو امرأة، ثلاث عقوبات:
عقوبة جسدية وهي مائة جلدة، وعقوبة معنوية وهي غضب الناس ?وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ?. وعقوبة نفسية وهي ?وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ?.
وبعد المرور بهذه العقوبات الصارمة يستحيل على الزاني ان يكرّر فعلته كما أنه سيصبح عبرة للآخرين. وفي بعض الأحاديث نجد تفسيرًا لسبب شدّة الإسلام مع الزناة، فعن الامام الرضا عليه السلام قال:
(علّة ضرب الزاني على جسده بأشدّ الضرب لمباشرته الزنا واستلذاذ الجسد كلّه به، فجعل الضرب عقوبة له وعبرة لغيره، وهو أعظم الجنايات) .
ثانيا: الخلايا الحضارية
يعطي الإسلام أهمية كبيرة للخلايا الحضارية التي لا يعتني بها - عادة - الا الذين يحملون قيمًا معينة يؤمنون بها.
ومن جملة الخلايا الحضارية في المجتمع، تلك الخلايا التي تتكون من مجموعة رجال يمتلكون رؤى واحدة ويسيرون في خط واحد. وعادة تتكون مثل هذه الخلايا من فرد يؤمن بفكرة ويحمل رسالة، ويتحسس بمسؤولية إجتماعية، ثم لا يبقى وحده وإنما يبحث عن أولئك الذين يؤمنون بفكرته ويتحسسون بمسؤوليته، ويحملون رسالته.. يبحث عنهم في كل مكان حتى يجدهم، فاذا وجدهم وطّد علاقته بهم، يزورهم ويجلس اليهم ويتحدث معهم عن أفكاره ويستمع منهم، حتى تتلاقح أفكارهم جميعًا.
ومن هنا نجد أن الإسلام يعطي أهمية كبيرة لزيارة الاخوان بشرط أن تكون هذه الزيارة في الله.
فحينما تجد الظلم متفشيا، والطاغوت متحكما، والظلمات مخيمة على بلدك، أو عندما تجد الفساد منتشرًا، والغزو الثقافي نشطًا، والأخطار الفكرية والعقائدية تهدد أبناء المجتمع، آنئذ عليك ان تبحث عن رفاق مسيرة، وأخوة جهاد، وعليك أن تبحث عمن يحمل أفكارك الرسالية السليمة.
فإذا وجدتهم، تزورهم في الله لكي تعمل معهم لتغيير الواقع إلى الأفضل فتجلب لمجتمعك الخير والسعادة.
لنستمع إلى الامام الباقر عليه السلام وهو يحدّث أحد القادة الرساليين، كان قد زاره في المدينة وهو خيثمة ثم حمل منه رسالة إلى اتباعه وانصاره في الكوفة:
يقول خيثمة: دخلت على أبي جعفر عليه السلام أودعه فقال لي:
(يا خيثمة! أبلغ موالينا السلام، وأوصهم بتقوى الله، وأوصهم أن يعود غنيّهم على فقيرهم، وقويّهم على ضعيفهم، وأن يشهد حيّهم جنازة ميّتهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإن لقاء بعضهم بعضًا في بيوتهم حياة لأمرنا. رحم الله عبدًا أحيا أمرنا. ياخيثمة أبلغ موالينا، أنّا لسنا نغني عنهم من الله شيئًا إلاّ بعمل، وأنّهم لن ينالوا ولايتنا إلا بورع، وإنّ أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثمّ خالفه إلى غيره) .
يعطينا هذا الحديث برنامج عمل متكاملًا للانسان الرسالي الذي يعمل على تغيير مجتمع يتحكم فيه الطاغوت أو ينتشر فيه الفساد والإنفلات. وفي حديث آخر يقول الامام الصادق عليه السلام:
(من زار أخاه في الله، قال الله عزوجل: اياي زرت وثوابك عليِّ، ولستُ أرضى لك ثوابا بدون الجنة) .
وفي حديث آخر يقول عليه السلام:
(ما زار مسلم أخاه المسلم في الله ولله، إلاّ ناداه الله تبارك وتعالى: أيّها الزائر طبت وطابت لك الجنّة) .
ويقول الامام الباقر عليه السلام:
(إن العبد المسلم إذا خرج من بيته زائرًا أخاه لله لا لغيره، إلتماس وجه الله، رغبة فيما عنده، وكًّل الله عزوجل به سبعين الف ملك ينادونه من خلفه إلى أن يرجع إلى منزله.. ألا طبت وطابت لك الجنة) .
هذه الاحاديث الصريحة التي تدل على أهمية التزاور في الله، يوصي بها الأئمة عليهم السلام أتباعهم ومواليهم الملاحَقين من قبل السلطات الغاشمة الذين لا يستطيعون اللقاء في اجتماعات عامة، ولذلك فهم يؤكدون على تزاور المؤمنين في بيوتهم.
ونقرأ في حديث مأثور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:
(حدثني جبرائيل: أن الله عزوجل أهبط ملكًا إلى الأرض، فاقبل ذلك الملك حتّى دفع إلى باب رجل، فإذا رجل يستأذن على باب الدار. فقال له الملك: ما حاجتك إلى ربِّ هذه الدار؟
قال: أخ لي مسلم زرته في الله تبارك وتعالى.
قال: تالله، ما جاء بك إلاّ ذاك؟
قال: ما جاء بي الاّ ذاك - اي ما جاء بي إلى زيارته الاّ وجه القربة إلى الله - .
قال الملك: فإني رسول الله إليك وهو يقرئك السلام ويقول: وجبت لك الجنة، إن الله تعالى يقول: ما من مسلم زار مسلمًا، فليس إيّاه زار بل إيّاي زار وثوابه الجنّة) .
فهل تريد ان تزور الله؟
زره بزيارة أخيك المسلم في سبيل الله، التي تعني السعي لتحقيق كل ما أمر به الله سبحانه وتعالى كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى والعمل على إصلاح الواقع، وتغييره إلى الأفضل.
إن هذه الاحاديث توجهنا إلى بناء الخلايا الاجتماعية الحضارية بالاضافة إلى الخلايا الفطرية الطبيعية، فبالاضافة إلى انك تنتمي إلى أسرة متماسكة ومحصنة، عليك أن تنتمي أيضًا لتجمعات ومؤسسات ثقافية فكرية رسالية للعمل معًا على بناء مجتمع إسلامي فاضل، يقوم على أساس القيم الإلهية، وتطبيق أحكام الشريعة في الحياة بكل فخر واعتزاز.
وهكذا تتشكل نواة الطليعة الرسالية المؤمنة التي تجاهد من أجل إعادة الروح للمجتمع المسلم كما أراده الله ورسوله وأهل البيت (عليهم جميعًا صلوات الله) ثم بناء الأمة المؤمنة، ثم الحضارة الإسلامية الشامخة.
صفوة الكلام
1-الإسلام يحث الفرد على الانتماء الاجتماعي لسببين:
ألف: إمكانية تطبيق الرسالة .
باء:إمكانية نشر الرسالة .
2-ويتكون المجتمع من نوعين من الخلايا:
الاول: الخلايا الفطرية، وهي التي توجدها غريزة الإنسان،وربما مصالحه .
والأسرة هي الخلية الاساسية التي يقدسها الاسلام، ويكافح كل ما يهددها بخطر .
الثاني: الخلايا الحضارية، التي يكوِّنها الإنسان إنطلاقًا من قيمه ومبادئه .
ومن ذلك الخلايا الرسالية التي تهتم بالعمل التغييري في المجتمع .