أعتقد أنه ظهرت بوادر كثيرة على مواجهة هذه الحالة ولكن مع الأسف أن الجوانب السياسية المهيمنة هي التي تكرس التبعية والإحساس بالدونية وحتى التي تعوق أية إمكانية للنهضة وإحياء مشروع إسلامي مستقل عن المشروع الغربي .... أما عن حالة السلبية التي ألمت بالشارعين العربي والإسلامي إزاء الاعتداءات على العراق وأفغانستان فسببها يعود إلى الأنظمة والحكام المستبدين فضلا عن الأوضاع السياسية المتدهورة في هذا الدول إلا أنه يمكن تحريك هذه الشعوب وإن كان ذلك غير مؤكد حيث يحتاج إلى قوة كبيرة يجب أن تتسم بها الطليعة التي تأخذ على عاتقها مسئولية القيام بهذه المهمة الصعبة.
** أمام حالة الانبهار الجماهيري في العالمين العربي والإسلامي إزاء الأفكار الغربية نجد الكثير ممن يدعون تبنيهم للفكر والمشروع الإسلامي يحاول من خلال أطروحاته أن يكون النسخة الإسلامية لهذه الأفكار بمعنى أوضح يتعسف في عملية التأصيل لهذه الأفكار .... هل تعتبرون مثل هذه المحاولات شكل من أشكال الاختراق الثقافي أم محاولة حسنة النوايا للبحث عن الحكمة وعملية الاستنهاض؟ ثم هل يمكن أن نعتبر أن الثقافة الغربية هي النموذج؟
*بالفعل إنني اعتبر ما يقوم به هؤلاء هو شكل من أشكال الاختراق الثقافي حتى إذا كان فيها قدر ضئيل جدا من النوايا الحسنة عند بعض الأشخاص إلا أنه تظل في غالبها جزءا لا يتجزأ بل هي الجزء الأكبر والأهم لحركة الغزو الغربي للعالم الإسلامي ... غير أنه يجب أن ألفت النظر إلى أن هناك فرق في تناول بعض الموضوعات والقضايا وغيرها حيث لا يمكننا أن نضع الجميع في سلة واحدة فالحديث مثلا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان يعبر في بعضه عن مطالب للشعوب والجماهير التي تتطلع إلى الحرية في حين أن الحديث مثلا عن حقوق المرأة يكاد ينصب في إطار الغزو الغربي .. وعليه فهناك جوانب تعبر عن رغبة شعبية حقيقية وجوانب أخرى تم صياغتها في قالب يؤدي في النهاية إلى تعميق حركة التبعية للغرب.
وأود أن أضيف أن الثقافة الغربية توجد انطباعا بأنها متجددة دائما .. فمن يتابع الإصدارات الفكرية والأدبية في بلد واحد في أوروبا - وليكن بلدا محدودا نسبيا كأسبانيا - يجدها متنوعة وكثيرة بدرجة مذهلة .. فما بالك لو أخذنا كل الدول الأوروبية مجتمعة وأضفنا إليها أمريكا؟ فالثقافة الغربية متجددة من حيث ضخامة الإنتاج وتنوعه .. ولكن السمة التي نلاحظها الآن وعلى مدى السنوات الأخيرة هي سمة الإفلاس .. فلم تعد هناك حركات فلسفية وأدبية جديدة والجميع يجتر الحركات الثقافية والأدبية التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين.
وعلى الطرف الآخر فأن في ثقافتنا العربية الإسلامية عناصر قوة ... وأول عنصر قوة هو عنصر التاريخ فالثقافة الربية الإسلامية هي ذاكرة الأمة وتراثها وهي التي شكلت هذا المجتمع.
وثاني عنصر من عناصر القوة أنها ذات طابع إنساني يستجيب للفطرة والثقافة الغربية مهما كانت براقة إلا أننا حينما نقترب منها نجد قسوة وجفافا ومادية ولا إنسانية كاملة.
** الكثير من المفكرين يعتمد في مقولاته حول مواجهة الحضارة الغربية على الانهيار الحضاري للغرب من الداخل في حين يرى البعض ضرورة ممارسة فعل ابتعاث الحضارة الإسلامية من جديد .. أي المقولتين ترى أحقيتهما بالتأصيل مع استحضار واقع وحقيقة المد الغربي على المستوى المادي والثقافي، وكذلك الجهد الذي سيبذله الغرب لاستمرار ضعف الأمة الإسلامية؟
* الحقيقة أنه لابد من إجراء عملية الابتعاث من الداخل أولا وليس التركيز على انتظار انهيار الحضارة الغربية لكن المشكلة هو أن الغرب نفسه من خلال عملائه والتابعين له يحاول دائما أن يقض على إمكانية الابتعاث الإسلامي من داخل الأمة ويحارب ذلك بكل ما أوتي من قوة، لذلك فإن السبيل الذي يمكن أن نسلكه هو أن تسعى النخب أو القوى الإسلامية باستمرار ورغم صعوبة الظروف إلى أن توسع من دائرة الوعي بأهمية النهضة الجديدة للأمة من داخلها كما يجب على هذه التيارات أيضا أن تطرح باستمرار أمام الجماهير التفاصيل والخطوط العامة لمثل هذا المشروع الذي يدعو للنهضة من داخل الأمة حتى يكون هناك أمام الجماهير نموذج أو فكرة تستطيع أن تتعلق بها وتعمل من أجل تحقيقها.
** فيما يخص الحركة الإسلامية وواقعها .. هل ترى أن حالة ركود الصحوة الإسلامية الراهنة هي مرحلة استئنافية للحركة بعد عمليات المراجعة التي قامت بها العديد من الاتجاهات داخل الحركة؟
* من الممكن أن تكون حالة الركود هي مقدمة لاستئناف الصحوة لكن كذلك من الممكن أن تكون هذه الحالة بالذات عند بعض الجماعات والأطراف في الحركة الإسلامية أزمة حقيقية تعكس ما يمكن أن نسميه التوقف للنهضة أو الحركة عند تلك الجماعات بالذات.
** يمكن أن نقول أن العنف لم يعد ظاهرة كما كان خلال حقبة الثمانينات وحتى منتصف التسعينات من القرن الماضي غير أن بعض الأعمال المسلحة وقعت مجددا ... هل يمكن اعتبار ذلك بداية لسلسلة جديدة من العنف؟
* أنا أرى أن ذلك غير ممكن فأنا أميل في اعتقادي إلى اعتبار أن العنف لم يكن أبدا سمة أصيلة من سمات الحركة الإسلامية في مجملها وإنما جاء لظرف معين تم فرضه على هذه الحركة من خارجها وافتعل في أغلبه من جانب جهات تريد تعطيل هذه الحركة وإفشالها. لكن بالتأكيد لن يعود هذه العنف مرة ثانية إلى إذا استمرت بعض الجهات التي يمكن أن تكون محلية أو خارجية في دعمه للمزيد من تشويه الحركة الإسلامية.
** وماذا عن العمليات المسلحة في فلسطين والعراق؟
* ما يحدث في فلسطين هو مقاومة بمعنى الكلمة إذ يقف شعب محاصر ضد عدو صهيوني مغتصب من أجل انتزاع حقه المسلوب .. أما ما يحدث في العراق فلابد أن نفرق بين نوعين من العنف النوع الأول ما يمكن أن نعتبره مقاومة حيث تتوجه العمليات ضد الأمريكيين وقوات الاحتلال أما النوع الثاني فهو مصطنع من أجهزة المخابرات وقوات الاحتلال بهدف تشويه صورة المقاومة وكسب العداء لها ومن نماذج ذلك العنف المتبادل بين أطراف عراقية كالسنة والشيعة والاعتداء على المساجد والمدارس الدينية فمثل هذه الأعمال يصب في صالح الاحتلال.
مصطفى صادق الرافعي- أديب كتب تحت راية القرآن
لأحد 11 شوال 1426 هـ - 13 نوفمبر 2005 م
مفكرة الإسلام: عرفت النهضة الأدبية المعاصرة مصطفى صادق الرافعي هذا العَلَم الفذ مفكرًا وأديبًا، رائدا لأمته والرائد لايكذب أهله. وقف أمام تيار التغريب الذي ماتزال الأمة تعاني من آثاره في حياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية.
وقد بدأ الرافعي قول الشِّعر في سن مبكرة، وبدأ بشعر يحاكي فيه فحول الشعراء العرب قوة وجمالًا، وفي الثالثة والعشرين من عمره أصدر الجزء الأول من ديوانه وأتبعه بعد سنة بالجزء الثاني، وبعد سنتين أخريين أصدر الجزء الثالث، وقد جمع الأجزاء الثلاثة في ديوان أسماه [النظرات] وأصدره سنة 1326 هـ، وله أناشيد وطنيه وقصائد أخرى في فنون الشعر المختلفة .. وحينما بلغ سنُّه الثلاثين عدل عن قول الشعر وترديده وتحوَّل إلى الأدب المنثور.
الرافعي .. سيرة حياة