فهرس الكتاب

الصفحة 1729 من 1942

منذ زمن قصير صدر كتاب المفكر الأمريكي بول كينيدي بعنوان: (الإعداد للقرن الحادي والعشرين) ، وهو تأليف شامل يضم السياسة والاقتصاد والثقافة وعلم الاجتماع، في منظومة مستقبلية تطمح إلى الموضوعية، لدراسة مصير الإنسان، على ضوء التحولات المدوخة الكبرى في حياته ومواقفه.

والطريف في الكتاب أنه يفرد الحضارة الإسلامية، بفصل هام، يوضح فيه مدى قدرة حضارتنا في كسب سباق القرن القادم، وعناصر قوتها ونقاط ضعفها. ويستعرض بول كينيدي مواطن الصراعات الإسلامية الداخلية والخارجية، ويقول: إن أبرزها المعضلة الفلسطينية، ومشاكل عقائدية حدودية بين عدد من البلدان المسلمة، ومشاكل أقليات عرقية أو دينية في بعض البلدان ذات الأغلبية المسلمة..ويلاحظ المفكر الأمريكي، أن أبرز عراقيل التنمية في هذه البلدان هي عدم المواءمة بين التعليم والمجتمع، وتخريج خبرات لا توظف بعد تحصيلها على الشهادات، وعدم الاهتداء إلى مناهج حكم توفيقية في أغلب البلدان، وانشغال بعض الدول بالاقتصاد التعبوي (وضع العراق وإيران من 1980 إلى 1988م) إلا أن بول كينيدي ينتهي إلى خلاصة نعتقد أنها ذكية وحقيقية، فيقول: إن العالم الإسلامي يفتقد"ثقافة المشروع"، وهو مصطلح أمريكي يشير إلى انعدام رؤية مصيرية متكاملة، أي تحديد مسبق لغاية التنمية والتقدم، ثم السعي لتنفيذها بوسائل التربية، والمؤسسات الاقتصادية، والتطور الاجتماعي.

وينتقد الكاتب أفكار جل الملاحظين الغربيين الذين يقولون: إن أسباب تخلف العالم الإسلامي تعود إلى معوقات تاريخية وحضارية - وهم يقصدون طبعًا التفسير الاستعماري الجائر، بأن الإسلام مضاد للعلم - فيرد عليهم بول كينيدي، بأن"الإسلام ولقرون قبل النهضة الأوروبية، قاد العالم في الرياضيات وعلوم رسم الخرائط والطب، والعديد من وجوه العلم والصناعة، كما ضم هذا العالم مكتبات وجامعات ومراكز، في وقت لم تكن اليابان وأمريكا تمتلك شيئًا من هذا، ولم تكن أوروبا تمتلك إلا القليل…"

وإني أردت الإلحاح على رأي هذا المفكر لما وصفه للحضارة الإسلامية من وصفة"ثقافة المشروع"، فنحن فعلًا نحتاج إلى ثقافة المشروع، لأننا في الواقع نمتلك الوسائل، فلدينا الخبرات التي ندخل بها سباق الحضارات.. وهذه الخبرات المسلمة، سبعون بالمائة منها تعمل في جامعات أوروبا وأمريكا ومخابرها، ومراكزها، وأسباب هجرتها معروفة، وحلول عودتها معروفة، وهي في أيدي أهل الحل والعقد، ورهينة اختيارات سياسية، وجامعية معروفة كذلك، والزمن كفيل بتغيير هذه المعادلة، من نزيف الأدمغة، إلى إدماج الأدمغة، وتمكينها من الإنجازات والبحث والإسهام.

والقول بأن الإسلام والتخلف العلمي صنوان، هو قول أحمق يفنده التاريخ، وكذلك الحاضر الراهن، فلم يكن للعالم نصيب من العلوم التجريبية، إلا عندما نهض الإسلام وحده، بمغامرة النفاذ إلى أقطار السماوات والأرض… وغير صحيح أنه أخذ ذلك من الثقافة الإغريقية بعد تعريبها في بيت الحكمة، لأن التراث العلمي الإغريقي تراث يتسم بالتأمل في ظواهر الطبيعة، واستقراء تحولاتها، دون النفاذ التجريبي الذي استقاه العلماء المسلمون من نص القرآن، وإعلان استخلاف الإنسان في الأرض، وحثه على السعي والتدبر والتغيير. (ذلك بأن الله لم يكُ مغيّرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم ) (الأنفال:53) ، (كُلُّ امرئٍ بما كسب رهين ) (الطور:21) ، (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأنّ سعيه سوف يُرى ) (النجم:39-40) .

ويكفي القول إن كتب الطب الإسلامي ظلت تدرس بجامعات أوروبا وخاصة فرنسا إلى القرن التاسع عشر، وكذلك كتب الرياضيات ، مثل كتاب الجبر الكبير للشاعر العالم عمر الخيام، والذي توصل إلى حل معادلات الدرجة الثالثة التي نسبت ظلمًا إلى ديكارت - بعد الخيام بخمسة قرون - وكان المسلمون أول من أجرى عمليات جراحية على العين، وعلى الجمجمة مثلما دلت على ذلك اكتشافات أثرية بكل من بغداد والقيروان، ومثلمًا تؤكده الكتب الطبية، وكان المسلمون كذلك أول من عالج الأمراض العقلية، بما يسمى اليوم علم النفس في زمن كان المرضى بهذا النوع من العلل، يحرقون في الكنائس، على أيدي الرهبان والقساوسة، كمصابين بحلول الشيطان في أرواحهم.

وكان أول بابا مسيحي مستنير هو سلفستر الثاني، الذي رحل من فرنسا للدراسة في جامعة قرطبة الإسلامية، عندما كان راهبًا بسيطًا يدعى (جربير) وعاد لوطنه يبشر بالثورة العلمية والتكنولوجية، بمفهوم ذلك العهد، حتى ظنه مواطنوه مجنونًا !

التاريخ الأكبر والتاريخ الأصغر

يرتكب أغلب المجادلين في حضارة الإسلام خطأً شائعًا وهذا الخطأ أصبح كأنه الصواب ، لكثرة ما شاع حتى انغرس في الأذهان ، وتحول إلى (حقيقة) . إنه إقامة الحجة على الملتزمين بالنهج الإسلامي، بأن تاريخ الإسلام ما هو إلا مسلسل استبداد ، وسفك دماء، وانتهاك حقوق ، منذ الفتنة الكبرى إلى عهد الخلافة العثمانية، أو حتى إلى يوم الناس. وهو تفسير أيديولوجي موجه للتاريخ ، يستعمله عادة المستشرقون المغرضون، وتلامذتهم ومريدوهم من بني جلدتنا لإفحام خصومهم ومخالفيهم. ولكن على شدة ما استعمل هذا المنطق، وعلى طول تكراره ، تبناه معظم شبابنا عن حسن نية، واعتمدوه في كل جدل ، كأنما اقتنعوا به، وإنك تعثر على أثره في كتبهم ومقالاتهم ودراساتهم ، ومداخلاتهم، وهو منطق يبعث الريبة في نفوس المسلمين، ويزعزع إيمانهم ، ويحدث شروخًا في كبريائهم، ويجعلهم أذلة في اللقاءات والندوات والمناظرات.

وهكذا نجح أعداء الإسلام ، في زلزلة الإيمان في قلوب الشباب ، حينما يقدمون أمثلة الفتنة الكبرى ، ومقتل عثمان ، والحرب الطويلة ، بين على كرم الله وجهه ، ومعاوية ، كأنها هي الوجه الوحيد لفجر الإسلام ، في حين يغفلون فتح مكة ، وملحمة الشورى في السقيفة ، وهزيمة البيزنطيين في فلسطين ، وانتصار الإسلام على الفرس في القادسية ، وفتح مصر على يد عمرو بن العاص ، والقضاء على الدولة الساسانية ، وفتح أرمينيا وجورجيا ، وانتصار المسلمين في البحر على الأسطول البيزنطي في معركة أم الصواري . كل هذه الملاحم التي توشح صدر الإسلام في فجره وقعت فيما بين عام 632م ، حين التحق النبي الكريم صلى الله عليه و سلم بالرفيق الأعلى ، وسنة 656م حين قتل عثمان بن عفان ، وتولى علي بن أبي طالب رضي الله عنهما . وهي الانتصارات التي تحققت للإسلام في مطلع شمسه ، ووضع عبرها أقدامه على أرض يابسة من التمكن ، حتى أتيح له ما جاء بعدها من فتوحات . وهذه الانتصارات الكبرى ، نكاء لا نعثر لها على أثر في أغلب كتابات المؤرخين من مستشرقين وتلاميذ المستشرقين من العرب ، لأن هم هؤلاء ليس إنصاف التاريخ الإسلامي ، بل غرضهم الطعن فيه ، وفي رجاله ومؤسسيه ، واتخذوا لذلك خطة محكمة ، وهي إبراز التاريخ الأصغر على حساب التاريخ الأكبر.

التاريخ الأصغر هو تاريخ الصراع السياسي - الدموي أحيانًا - من أجل القيادة والحكم.. والتاريخ الأكبر هو ذلك المد الإسلامي العظيم الواثق الذي نبع كالنهر القوي الدافق من جهاد الرسول صلى الله عليه و سلم ، وانطلق فاتحًا الأمصار وهاديًا الأمم ، وحاملًا أمانة السلام والعدل ، ومؤمنًا الشعوب المغايرة على حياتها ومعتقداتها وأملاكها وأعراضها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت