نحن والحضارة والشهود (الجزء الثاني)
تقديم بقلم: عمر عبيد حسنه
الحمد لله الذي جعل القرآن شاهدًا على الكتب السماوية السابقة، وجماع رسالاتها، ومحققًا الاكتمال والكمال لتاريخ النبوة، ومؤكدًا لوحدتها، مصوبًا لمسيرتها، ومبينًا علل التدين التي لحقت بأصحابها وكانت سبب سقوطهم، ليكون ذلك يبانًا وهدى وموعظة وتقوى للأمة الخاتمة التي لا يتحقق شهودها ما لم تتعرف على قوانين الحركة التاريخية وسنن السقوط والنهوض الحضاري.
كما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدًا على الأمة المسلمة والأمم السابقة بما نيط به من البيان للهيمنة والشهود القرآني.
وجعل الأمة المسلمة، بما تؤمن به من قيم القرآن والبيان النبوي وتتمثل بهما، شاهدة على الأمم، شهودًا تاريخيًا من خلال عطاء القصص القرآني، وشهودًا واقعيًا من خلال تقويمها للحاضر بقيم القرآن والبيان النبوي، وشهودًا مستقبليًا من خلال بيان معالم طريق النجاة والصراط المستقيم ووضع الضوابط التي تحمي السائر من السقوط حتى لا يضل ولا يشقى.
والصلاة والسلام على النبي الخاتم، الذي جاء بمقومات الشهود التاريخي والمستقبلي، فورث النبوة والكتاب، وتوقف تاريخ النبوة عند بعثته وجُعلت معايير ومقومات الشهود التي جاء بها خالدة مجردة عن حدود الزمان والمكان والأشخاص.. وبعد:
فهذا ( كتاب الآمة ) الحادي والثمانون: (الجزء الثاني ) من كتاب ( نحن والحضارة والشهود ) ، للدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، في محاولة لمعاودة إخراج الأمة المسلمة، وإحياء رسالتها الإنسانية، والمساهمة في استرداد الدور المنوط بها من الوعي بذاتها والشهود على نفسها، والوعي ( بالآخر ) ، محل الشهود والدعوة، والوعي بمعايير ومقومات الشهود، والعودة بالأمة إلى موقع الوسطية بكل مدلولاته وأبعاده الإيجابية غير المنحازة، التي تعيد التوازن وضبط النسب وتحمل ميزان الاعتدال، استجابة لقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أُمةً وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) (البقرة:143) .
فهذا الجعل من الله، أو هذا الموقع الحضاري والثقافي الوسط، وهذه النبوات التاريخية التي توحدت بالرسالة الخاتمة: (وإنَّ هذه أُمتكم أُمةً واحدة وأنا ربكم فاتقون ) (المؤمنون:52) ، التي أكدت وتمحورت حول الوحدانية لله عز وجل، التي ألغت الآلهة المزيفة، وأوقفت تسلط الإنسان على الإنسان، منبع الشر والفساد الحضاري…
هذا الجعل الوسط، بكل آفاقه وأبعاده ومقتضياته، هيأ الأمة المسلمة لأهلية تحمل الشهادة على الناس، ـ وأهلية أدائها لهم، ليستقيم أمرهم. ذلك أن النكوص عن هذا التحمل، والقعود عن هذا الأداء، يترتب عليه مسؤوليات جسام، ويكون سبيلًا لإشاعة الفساد في الأرض، والخراب الحضاري، وظهور الآلهة المزيفة والأنبياء الكذبة، وعودة أصول الشر الكامن في تسلط الإنسان على الإنسان، وإهدار إنسانية الإنسان وكرامته، قال تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياءُ بعض إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير ) (الأنفاق:73) .
إن الكفر في حقيقته، هو عدول عن الإيمان بالله والتلقي عنه إلى آلهة أخرى.. فإذا لم يحقق المسلمون الشهود الذاتي بكل مقتضياته، من موالاة لله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم وموالاة للذين آمنوا، ونكلوا عن الحمل، كان ذلك إيذانًا بفتح باب الشر والفساد والسقوط الحضاري (إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير ) (الأنفال:73) .
ذلك أن درء الفتنة عن الأرض، والحيلولة دون الفساد الكبير، يقتضي بروز قوامة العدل، وشهادة العدل، وأمة العدل، وهذا منوط إلى حد بعيد بوعي الأمة المسلمة لذاتها، ووعيها لرسالتها، وأبعاد مستلزمات شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، لتصويب طريقها وتأهيلها للشهادة الإنسانية، ووعيها بالناس الذين كُلفت بالشهادة عليهم، يقول تعالى: (يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شُهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئانٌ قومٍ على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقربُ للتقوى واتقوا الله ) (المائدة: 8) ، ويقول سبحانه: (يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) (النساء:135) .
إن أعباء هذا الجعل الوسط ومسؤولياته وما يتطلبه من القوامة المستمرة على حماية قيم الأمن والحق والعدل، واحترام حقوق الإنسان، وتحقيق كرامته، لمجرد كونه إنسانًا مهما كانت عقيدته، استجابة لقوله تعالى: (ولقد كرَّمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (الإسراء: 70) ، والاضطلاع بأعباء هذا الجعل الوسط غير المنحاز عن قيم الحق والعدل، وحسن القيام بأعباء الاستخلاف الإنساني، أو بتعبير آخر: تجسيد قيم النبوة واعتماد معاييرها في التعامل مع الذات و (والآخر ) ، هو الذي يؤهل الأمة لهذه الوسطية وهذه الشهادة والقيادة والحراسة لتلك القيم الإنسانية.
وقد يكون المطلوب باستمرار تحرير معايير الشهود الحضاري، وإبصار مقوماته، والاجتهاد في وضع البرامج والآليات لحسن ممارسته وفك احتمال تلبسه بالأشخاص والأجناس والأقوام… إلخ، بحيث تبقى هذه المعايير قيمًا مجردة منفتحة على بني الإنسان جميعًا، يمكن التحلي بها والتعامل معها واختيارها من قبل الجميع، لأنها في حقيقة الأمر ليست حكرًا على أحد، وبالتالي تصبح من حق الجميع ابتداءً، ومن واجب الجميع حراستها من الانتحال والانحراف أو التأويل الباطل في نهاية المطاف.
إذ لا يمكن أن نتصور بحال من الأحوال أن يكون الإنسان، بأنشطته المتعددة ورغباته ونزواته وتطور إمكاناته المستمر، وما يعرض له من السقوط والنهوض، هو المعيار والشاهد على نفسه وعلى الآخرين، لأنه بذلك يصبح المعيار وموضوع المعايرة في الوقت نفسه، إضافة إلى أن الله قد خلق الخلق كلهم وكأنهم يعيشون على مائدة مستديرة، متساوين في الحقوق والواجبات الإنسانية، لا يرى أحدهم فضلًا لأحد على آخر.. فكيف يمكن لإنسان أن يقبل وضع القيم المعيارية لسلوكه ونشاطه من قبل إنسان آخر يماثله؟ وما هي الضمانات ألا تكون تلك القيم وسيلة للتسلط والاستبداد؟
فإذا كان الإنسان عاجزًا عن وضع المعايير لنفسه، التي تتقلب في الرغبات والرهبات والنزوات والإمكانات والظروف المحيطة والضغوط المختلفة، الأمر الذي يضطره إلى تغيير أحكامه ومعاييره والحكم بقصورها أحيانًا ونقضها في أحيان أخرى، فأنى له أن يضع معايير لغيره؟
يضاف إلى ذلك أن منبع الشر في التاريخ البشري كان كامنًا في تسلط الإنسان على الإنسان، حيث أخذ هذا التسلط أشكالًا متعددة، من اللون والقوم والطبقة والجنس والدين (رجال الدين في الحكم الثيوقراطي ) والحزب والقبيلة.. إلخ .. وأن هذا التسلط كان ولا يزال هو سبب البلاء والوباء الحضاري، وأن إنسانية الإنسان لا يمكن أن تتحقق وتسترد ما لم يوقف هذا التسلط، وتصبح المعايير الحاكمة والقيم المقومة للسلوك تستمد من جهة أخرى، خارجة عن سيطرته ووضعه أصلًا.
لذلك نقول: بأن عملية الشهود الحضاري على الذات و (الآخر ) تتطلب قيمًا ومبادىء ومعايير مستمدة من مصدر آخر، يتساوى الناس أمامه، ولا يملك أحد الحق فيها دون آخر إلا من يؤمن بها ويعمل لها، والإيمان بها متاح للجميع.. إنها قيم النبوة الخالدة، الثابتة، المستمدة من خالق الإنسان، الذي يعلم خصائصه وطاقاته وغرائزه وحاجاته وما ينفعه وما يضره، قال تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) (الملك: 14) .
فالعلم بالإنسان والخبرة به، لا يحيط بها إلا خالق هذا الإنسان، ونصيب الإنسان من هذا العلم لا يؤهله لوضع المعايير.
لذلك نعتقد أن التحقق بهذا الجعل الوسط، الذي يؤهل للشهادة على الذات و (الآخر ) ، بحاجة دائمًا للتقويم والمراجعة للمحافظة على سلامة المعيار، وعدم تلبسه بالأشخاص، واكتشاف الخلل، وتحديد أسبابه، وتصويب المسار، وهذه هي الشهادة على الذات التي تؤهل للشهادة على (الآخر ) .
والمعروف أن الشاهد من حيث الخصائص والصفات، أو أهلية الشهادة المعتمدة، وصفاتها هو كالقاضي، سواءً بسواء.. فالشاهد في بعض أبعاد الشهادة هو قاض، بكل ما يتطلب القضاء من خصائص وصفات في القاضي، وما يتطلب من معرفة بالمعايير القانونية التي تحكم على الحادثة بأنها جريمة وخروج غير مشروع، أو هي تقع ضمن العمل المشروع، فإذا سقطت العدالة أو خرمت الكفاءة سقطت أهلية الشهادة، فأصبح غير مؤهل لتحمل الشهادة ولا لأدائها.
وفي تقديري، أن الأمة المسلمة، باعتبارها أمة الفكرة أو أمة العقيدة، حيث إن كل من يؤمن بهذه العقيدة ويتحقق بهذا الخيار فهو مسلك في الأمة الوسط الشهيدة، مهما كان جنسه أو لونه أو قومه أو جغرافيته، بعيدًا عن الانغلاق والتعصب والتميز، مؤهلة بهذا الاعتبار، وهذا الخيار، وهذه الموازين للكرامة والتأهيل، لحمل الشهادة وأدائها.
نعود إلى التأكيد، أن القيم والمعايير، المستمدة من خالق الإنسان، العالم بكينونته وحاجاته ونزواته وشهواته وأهوائه، المجسدة في سيرة النبوة وبيانها، بعيدًا عن وضع الإنسان وعبث الإنسان، واستغلال الإنسان، مؤهلة لأن تكون معايير الشهود على الذات، و (الآخر ) . لذلك فالقيم المستمدة من النبوة لا يمكن إلا أن تكون واقعية، قابلة للتطبيق، حيث تعتبر مناط التكليف هو استطاعة الإنسان وفطرته واستعداداته.