ويمكن رصد مثل هذا (الخط ) في الأندلس، حيث وقعت الفاجعة، ورحل من رحل، وأحرقت الكتب في الساحات العامة، وهدمت الحمامات، وأقفرت المدارس والمساجد.
والجديد عند مالك هو ما يتعلق بحضارة اليوم، فكأنه يشارك توينبي أنها سائرة نحو السقوط، ولكنه يبحث عن (إرجاء إلهي ) يمنعها من السقوط.
أما مالك فوجد حلًا آخر -غير الإرجاء الإلهي- فحضارة (1) اليوم صارت حضارة العالم، لكثرة المشاركين فيها من كل أرجاء العالم، فانتقلت من حضارة مجتمع خاص إلى حضارة أوسع، ومن كونها ثمرة عبقرية معينة، إلى نطاق أعم وهكذا، ولذا فهو يرى أن قانون التغيير حدث فيه تعديل.
فالأحداث الحاضرة تدل على تغير طارئ في قانون الحضارة.. فالتطور الطارئ مع الحضارة الغربية، من الناحية الصناعية، وانتشارها من ناحية أخرى بفعل الاستعمار، نقل الحضارة من كونها في إطار مجتمع معين، أو ثمرة عبقرية معينة إلى نطاق عالمي، بحيث أصبحت العبقريات كلها تشارك في صنع الحضارة واستمرارها. وقد أحدث هذا التوسع تحولًا في طبيعتها التاريخية، فلم تعد خاضعة لقانون الدورات، فهي إنما كانت تخضع لهذا القانون حينما كانت في نطاق مجتمع معين، وعبقرية معينة، لا تلبث بعد مدة من الزمن أن تفقد إبداعها، فتأفل حضارتها.. أما في هذا العصر فليس هناك مجال بتوقع الأفول، لأن صنع الحضارة واستمرارها أصبح من شأن الشعوب الإنسانية كلها، فإذا تضاءلت الحضارة في مكان، فإنها تنمو في مكان آخر، وهذا الأمر يؤكد أن نهاية الحضارة الإنسانية -بعد هذالتطور- سيكون بالكسوف الكلي النهائي.
وقد ظهر أثر -هذا الامتداد- في اتجاه العالم نحو تحقيق وحدته المعنوية أو الحضارية، بعد تحقيق الوحدة من الناحية التقنية المادية، فما لبث العالم يقترب من تحقيق هذه الوحدة، وإن كانت أصول الاتجاه لهذه الوحدة تمتد في أعماق تطور النشاط البشري، فإنها أخذت في التجلي بشكل واضح منذ منتصف القرن العشرين. ومن مظاهرها، في المجال السياسي ظهور هيئة الأمم، وفي مجال المواصلات ظهور البريد العالمي، وفي الثقافة منظمة اليونسكو، إلى غير ذلك من المنظمات والاتحادات التي تظهر اتجاه العالم نحو تحقيق وحدته.
من ناحية أخرى، فهذ التطور يبرز حاجة البشرية إلى منهج رشيد يحقق وحدتها، في عهد حضارتها العالمية.. ومن خلال استقراء الأحداث الحاضرة يلمح مالك بن نبي دور الإسلام، باعتباره المرشح الوحيد القادر على تركيب الحضارة الإنسانية في عهدها العالمي.
نهاية حضارة اليوم:
والذي أتصوره أن الحضارة الإسلامية قد شارك فيها أمم وشعوب مسلمة وغير مسلمة، ولم يمنعها ذلك من السقوط، ولكن يمكنني القول: بأن حضارة اليوم وبفضل النمو الهائل في العلوم والمعارف، صارت قادرة على معالجة ما يواجهها من مشاكل بطرق علمية سليمة ستطيل من عمرها.
لكنها بما حققته من صناعات حربية، ومن أسلحة فتاكة، فمتى ما اشتعلت حرب كونية، كالحرب العالمية الأولى أو الثانية، فإن نهاية هذه الحضارة ستقع، وفي مدة قصيرة جدًا، تتناسب مع فتك الأسلحة الجديدة والصوايخ عابرة القارات وغيرها.
وإن ما حدث في (شارنوبل ) ومفاعلها أكبر تحذير، فهناك أربع مفاعلات، تعطل واحد منها وراح يسرب إشعاعات قاتلة، ولولا رحمة الله سبحانه وتعالى، ثم الإمكانات الكبرى، لأمكن أن يستمر الإشعاع، وقد يتبعه مفاعل آخر، وهكذا..
ولو حصلت الحرب واستعملت كافة أنواع الأسلحة الفتاكة، فإن الحياة ستنتهي على الأرض خلال ساعات. علماؤنا يقولون: من حرك ساكنًا لزمه، وقد حركت حضارة اليوم مليون ساكن، والويل للعالم إذا تحركت كل السواكن، وتفجرت كل الأسلحة، فهنا يصدق قول الحق: {وإذا البحار سجرت } (التكوير:6) .
وتسجير البحار اشتعالها، ولن يشتعل الماء إلا بفعل مادة كيماوية تجعله كذلك، وعلينا أن نتصور اشتعال المياه كافة، فستتحول الأرض إلى جهنم حمراء، فتموت جميع الأحياء، صغيرها وكبيرها، وخلال مدة وجيزة، وقد تكون نهاية عالمنا، وبداية الحياة الثانية.
وقد يكون قول الله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض } (الأنعام:65) ، قد تكون صورة قريبة، حيث ينصب العذاب على الرؤوس، وتتفجر الأرض، وقد تنقسم الأمم والشعوب إلى جماعات متناحرة، يضرب بعضها بعضًا، فلا تكون حياة ولا نجاة، ليس للإنسان فقط، ولكن لجميع الأحياء.
إن حضارة زودت إنسانها بكل وسائل الدمار الشامل، التي لا تبقي ولا تذر، والتي لا ترحم إنسانًا ولا حيوانًا ولا نباتًا، لا تترك فيلًا ولا بعوضة.
ويصور الله جلَّ وعلا نهاية الحضارة، فيقول: { حتى إذا الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } (يونس:24) .
قد يعترض معترض فيقول: أين علامات الساعة؟
فأسارع للقول: أنا أتحد ث عن نهاية حضارة اليوم، وليس نهاية العالم، فقد يتم تدمير هذه الحضارة بمنجزاتها، فيعود العالم قرونًا إلى الوراء، وهذا ما أقصده وأعنيه.