فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 1942

وفي عام 100 من الهجرة أي منذ ثلاثة عشر قرنًا شكت جارية سوداء تسمى فرتونة إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بأن لها حائطًا قصيرًا يُقتحم منه عليها فيُسرق دجاجها، فأرسل عمر فورًا إليها يخبرها أنه أرسل إلى والي مصر يطلب إليه أن يصلح لها حائطها ويحصن لها بيتها، وكتب إلى واليه في مصر أيوب بن شرحبيل: إن فرتونة مولاة ذي أصبح قد كتبت إليَّ تذكر قصر حائطها وأنه يسرق منه دجاجها وتسأل تحصينه لها. فإذا جاءك كتابي هذا فاركب أنت بنفسك إليه حتى تحصنه لها! فلما وصله الكتاب ركب بنفسه إلى الجيزة ليسأل عن فرتونة حتى عثر على محلها، فإذا هي سوداء مسكينة، فأعلمها بما كتب به أمير المؤمنين وحصن لها بيتها.

هذا ما فعلناه قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.. وهذا مثل من حضارتنا.

"كتاب"من روائع حضارتنا"بتصرف كبير"

(الشبكة الإسلامية) دمشق ـ غادة الجوابرة

أثارت الظاهرة الاستشراقية وما زالت تثير جدلًا حاميًا بين مؤيديها ومعارضيها، بل إننا نستطيع الجزم بأنها أكثر المسائل إثارة للجدل والنقاش، وسوف تستمر هكذا ولأحقاب لاحقة، حتى يتم فهم هذه الظاهرة فهمًا علميًا بعيدًا عن التعصب والولاء.

وقد وجدت تعريفات عديدة تحدد مفهوم الاستشراق وتحاول أن تعطيه أبعاده، و نوه الشيخ بسام عجك إلى أن تعريف الاستشراق مجملًا"هو دراسات وأبحاث قام بها غربيون .. تهدف إلى دراسة العالم الشرقي ولاسيما الإسلامي، دينًا وتاريخيًا وحضارة وعادات وشعوبًا، بهدف فهم حقيقة الإسلام، وقد نشأت منذ أكثر من ألف سنة في العالم الغربي، ومازالت موجودة حتى يومنا هذا، إلا أنها في الفترات الأخيرة بدأت تأخذ أشكالًا أخرى في الظهور، باسم مستشارين اقتصاديين أو سياسيين أو لغويين يتبعون وزارات الخارجية والاقتصاد والمال والحربية في العالم الغربي، ومهمة هذه الدراسات فهم طبيعة العالم الإسلامي وتوجهات المسلمين، وذلك من أجل التعامل الغربي معهم".

بداية الاستشراق

ومعروف أن أول ترجمة غربية للقرآن الكريم كانت إلى اللغة اللاتينية، وقد تمت بإشراف رئيس دير كلوني بجنوب فرنسا سنة 1143 م، وقد أخفيت هذه الترجمة في الدير المذكور إلى سنة 1543 م حيث أظهرت، وطبعها لأول مرة تيودور بيلياندر، ثم اعتمدت واعتبرت الأساس الذي يترجم عنه إلى اللغات الأوربية.

وكانت الدراسات التي يجريها المستشرقون ولازالت تتم في مؤسسات لها مسحة أكاديمية، وقد انتشرت هذه المؤسسات في صور مراكز استشراقية تابعة لجامعات أوربية وأمريكية عديدة، وأصبحت هذه المراكز تحت أسماء وعناوين إسلامية.

والدراسة الموضوعية والمتأنية لكتابات المستشرقين في العصر الحديث منذ القرن التاسع عشر حتى الآن لتؤكد غلبة موقفهم المهاجم والمعادي من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن القرآن الكريم .

وأكثر هذا نلمحه في كتاب تاريخ الإسلام لجامعة كامبردج، وهو كتاب ضخم اشترك في تأليفه عدد كبير من المستشرقين المعاصرين، صدر في جزأين سنة 1970 يردد ما يزعمه جميع المستشرقين منذ نشأة الاستشراق حتى اليوم، وهو أن الإسلام مزيج ثقافي مستعار من عدة ثقافات أخرى: يهودية، ونصرانية ، يونانية، وفارسية، بالإضافة إلى ثقافة بيئته الأصلية، وهي البيئة الجاهلية.

وطبعًا، كثير هم المستشرقون الذين هاجموا الإسلام، ونذكر على سبيل المثال المستشرق صموئيل مرجليوث في كتابه عن محمد وظهور الإسلام (1905 م) يزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بادعائه الوحي قد ضلل الناس عمدًا .

لكن هل من بين هؤلاء المستشرقين من اتصف بالموضوعية والإنصاف؟

في الحقيقية أن بعض المؤلفات الإسلامية المعاصرة تظهر بعض المستشرقين في العصر الحديث بأنهم موضوعيون أو منصفون، و تصف دراساتهم بأنها محاولات جادة نحو فهم الإسلام، وتقول بأنهم قاموا بتلك الدراسات دون تأثير عوامل سياسية أو اقتصادية أو دينية ، بل لمجرد ذوقهم وشغفهم بالعلم.

تيارات ثلاث

وهنا تقول أستاذه التاريخ د. نجاح محمد في موضوعية الاستشراق:"لا نستطيع أن نقول إن الاستشراق موضوعي بمجمله، كذلك لا نستطيع أن نقول بأنه مغرض بمجمله أيضًا، فالاستشراق لنحكم عليه تمامًا يفترض أن نضعه ضمن سياقه التاريخي، وعبر هذه الرؤية نجد أنه احتوى على ثلاثة تيارات، الأول هو استعماري مغرض، يرتبط ببحث الاستشراق الاستكشافي، وبما يريده الغرب المستعمر من الشرق، والمصالح المأمول الحصول عليها من الشرق، وقد دخل هذا الغرض الاستعماري في كل ما يتعلق بأمور الشرق إلى أن وصل إلى التدخل في تحديد مصطلح الاستشراق نفسه، فقد زعم الغرب في البداية أنه يريد استكشاف الشرق ليعطيه رسالته الحضارية، كونه أكثر حضارة، في الوقت الذي كان الشرق يرزح تحت نير التخلف، وبالتأكيد هذا القول هو ليبرر الاستعمار أمام شعوبه و حروبه وتحركاته الوحشية البعيدة عن الإنسانية عبر رسالة إيديولوجية تمس المشاعر الإنسانية، لذلك ادعى أنه صاحب رسالة حضارية، وأخذت بالتالي ممارساته صفة المشروعية، وكان أن جاء المضمون الاستشراقي ليخدم الاستعمار ومصالحه، فظهر عدد كبير من المستشرقين قاموا بالتشويه المتعمد بهدف نشر الإيديولوجية الاستعمارية، إذ جاءت دراساتهم بعيدة عن الدقة و الموضوعية، وأخذت موقف الإنكار للرسالة والتكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وإثارة الشبهات حول الإسلام بوجه عام، وحول القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم بوجه خاص."

لكن الحقيقة بأن هذا أحد جوانب الاستشراق، إذ هنالك جوانب أخرى هامة تتعلق بالغرض الثاني للاستشراق، وأصحابه ذوو الاتجاهات الموضوعية، وأصنفهم بين تيارين اثنين للاستشراق، الأول: هو التيار المعتدل التوفيقي الذي يوفق بين المصالح القومية، التي أصبحت مهيمنة لبلاده وبين الموضوعية العلمية.

أما التيار الثاني: هو الموضوعي تمامًا، فالحضارة الإنسانية ترتبط حتمًا بالموضوعية، التي تستوجب العقل الحر القادر على إنتاج القيم والأحكام الحرة، غير المرتبطة بمصالح شخصية أو دينية أو سياسية أو اقتصادية، وتيار المستشرقين الموضوعيين اتسم بأنه أعطى الفكر الحر القادر على الحكم الموضوعي، فقدم صورا رائعة ترصد الحضارة العربية والإسلامية وما قدمته من علوم ومعارف للعالم أجمع عبر التاريخ، وعندما أقرأ لهؤلاء المستشرقين أصاب بالدهشة لمدى الدقة والموضوعية التي اتصفوا بها، فقد استطاعوا الكتابة عن الشرق بما عجز عن كتابته بنفسه، وهنا أخص بالذكر المستشرق الفرنسي بيير روسي في كتابه"مدينة ايزيس التاريخ الحقيقي للعرب"، الذي قال فيه:

"الثقافة كانت عربية منذ بداياتها، تحت شلال نور آسيا المتدفق، ومن السماء التي تظلل نهر النيل كتبت جميع الدفقات القوية التي ولدت منها الحضارة العربية الكبرى التي بسطت منذ فجر الزمان معرفتها وآداب سلوكها".

وعن حالة التزوير والتشويه التي تعرضت لها الحضارة العربية حتى قبل ظهور الإسلام ذكر روسي:"إننا باختصار في جهل مطبق، جهل علمي متفق عليه، وإن الأمر سيكون بسيطًا جدًا فيما لو أننا تكلمنا بدلا من الساميين الأبطال المختلقين من أصل خيالي، لو أننا تكلمنا عن العرب ذلك الشعب الحقيقي، والذي يمتلك وجودًا اجتماعيًا مستمرًا وجودًا ثقافيًا ولغويًا يعطي حياة وتوازنًا لهذا البحر المتوسط منذ عدة آلاف من السنين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت