ما كان للجوانب السيئة من الحضارة الحديثة أن تزهدنا فيها أو تصرفنا عنها، إن فيها محاسن شتى ضرورية ولا غنى عنها، وقد أخذنا منها بنصيب، وقطعنا فيها مراحل وأشواطًا. ولابد من مواصلة السير فيها واكتساب القوة من خلال التحكم فيها، إذ لا حياة اليوم ـ مثل الأمس ـ لقاعدة في ركن بيته أو ضعيف، علينا أن نعي كل الوعي جميع الأسباب والوسائل التي أدرك بها صانعو الحضارة الحديثة ما أدركوا من قوة ورخاء وسيطرة على الطاقات وتسخير للكائنات، فنعمل بها ما عملوا، ونحقق بها مثل الذي حققوا أو فوق الذي حققوا، ونضفي على الحضارة الحديثة ـ على الأقل في بلادنا الاسلامية ـ طابعًا إسلاميًا لتصير حضارة فضلى تزدان بالحق والعدل، وتتحلى بالرفق والمساواة وكل خلق كريم فيستفيد من خيراتها جميع البشر دون تمييز، لا فرق بين الناس من أجل اللون أو اللغة أو الدين، وفي طليعة ما يسهل علينا اختصار المسافات لنلحق بسرعة الركب الحضاري المنطلق، العمل لتوطيد الاستقرار السياسي والتخلي عن العنف الديني والطائفي لاستكمال التحرر السياسي والاقتصادي لبلادنا الاسلامية، والتمسك بالثوابت الاسلامية والنظر من ضوئها في قضايا العصر ومشاكله ا لمستجدة لإيجاد الحلول لها دون التقيد بالآراء والاجتهادات التي حلّ بها المتقدمون قضايا عصرهم ومشاكله، فإذا نحن فعلنا ذلك بتعقل وسماحة نفس، وأخذنا بالوسائل الحديثة انفتحت أمامنا أبواب الرقي، ووضحت السبل لتطوير الحضارة الحديثة من حضارة مادية طاغية إلى حضارة إسلامية وسط، تضمن راحة البدن والروح، وتكفل لشطر غير ضئيل من المجموعة البشرية الهناء والاستقرار، وتحقق فينا ولنا الوعد الذي وعد به الله سبحانه وتعالى المؤمنين الصالحين من عباده: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا) البقرة/ 55
الحضارة الإسلامية - بداية التاريخ ونهايته أيضا
أحاول جاهدا ألا أرتبط بمسجد معين. أحب التنقل علي المنابر لعلني أجد ما أريد أن أسمعه (وقد يكون هذا هو جوهر المشكلة) أو أسمع ما يستفز عقلي حتي ولو لم أتمني سماعه. ومهما كانت الخطبة مهلهلة وموضعها ركيك أحاول أن أتلمّس أي خيط متين أتعلق به لتجنب الشرود.
خطبة الجمعة
تحدث الخطيب في الجزء الأول من الخطبة عن السيرة النبوية في استعراض بانورامي سريع انتقلنا فيه من أذي المشركين في مكة إلي قرار الهجرة ثم ننحرف قليلا الي سيدنا أبو بكر ثم مرة أخري الي عمر بن الخطاب الخ في سرد ممل وكأن تتبع السيرة علي هذا النحو يصلح أن يكون موضوعا لخطبة الجمعة مهما طال زمنها. أو أن السرد بهذه الطريقة التقليدية يصلح في زمننا هذا أصلا.
سأتغافل عن هذا التساؤل لأنه يلهب أوجاعا سرمدية.
الجزء الثاني من الخطبه استهلّه الخطيب بما يلي:
تزعم أمريكا والغرب كله أنهم بناة الامبراطوريات والدول، ولكن مصعب بن عمير هو أول سفير في الاسلام بل أول سفير في العالم والانسانية كلها. ثم عاد مرة أخري للسيرة النبوية وفي أقل من خمس دقائق انتهت الخطبة وأقيمت الصلاة.
وسأركز فقط علي الجزء الثاني من الخطبة وتلك الجملة الاستهلالية التي تتحدث عن الصحابي الجليل مصعب بن عمير. لأبدأ من أول السطر: ليس لدي أي مشكلة مع سيدنا مصعب بل إنني أعتبر قصة اسلامه وحياته القصيرة بعد ذلك بمثابة كتاب ملئ بالعبر والدروس وقد كتبت فيه مقالا منذ سنة. لكن مشكلتي الأساسية كانت مع الرجل الذي خطب فينا، ورغبته في التأكيد علي أن تاريخ العالم كان صفحة بيضاء قبل مجئ الاسلام، ثم جاء الاسلام والمسلمون فكتبوا ما كتبوا ، ثم بعد ذلك خمدت جذوة الحضارة الاسلامية فأغلق كتاب التاريخ مرة أخري. هنا ترقد الحضارة الاسلامية حيث يتجمد التاريخ - حيث لا قبل ولا بعد.
نعم مشكلتي تكمن في ترويج هذه الرؤية - أن العالم لم يري أي تقدم حضاري وثقافي وتشريعي إلا بمجئ رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وأن الاسلام والمسلمين هم أول من أرسي حقوق الانسان علي الاطلاق وأن الاسلام والمسلمين هم من علّموا الناس كيف يتعلموا. وكأن العالم لم يعرف قبل الاسلام أي نوع من الحضارات وكأن البشر جميعا قبل الاسلام رضوا بالظلم والاستعباد والفحش والتخلف وكأن الفرس والروم والصينيين والفراعنة لم يفقهوا أي شئ في السياسة الي أن أصبح مصعب بن عمير سفيرا!! رؤية كارثية بحق.
الرؤية التي تجعلنا نتباكي علي أمجاد زائلة ونري جميع الخلائق والحضارات مجرد أقزام أو أشباه بشر مقارنة بالمسلمين الأوائل ورسالة الاسلام ذاتها - هذه الرؤية تدمر ولا تبني لأنها تجعل تراث الانسانية (الثمين منه والخسيس) مطموس لا لشئ إلا أنه صنع بأيادي وعقول غير مسلمة قبل مجئ الاسلام، أو ربما لكي نعزز شعورنا بذواتنا فيدفعنا ذلك الي بخس الناس أشياءهم. ألسنا نقرأ في كتاب الله:
فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم
هذه الرؤية تؤكد علي أن جماعة بشرية ما مكتفية بذاتها وأنها لا تحتاج مطلقا الي أي مفاهيم وخبرات من الجماعات الأخري وكأن اسهام المسلمين يأتي من العدم المطلق وكأن العالم قبل الاسلام كان في حالة فوضي عارمة رجوعا الي نزول الانسان الأول علي الأرض، فلم يكن هناك تشريع ولا مفاهيم جمالية ولا قيم خلقية أيا كان مصدرها.
شهد العالم قيام حضارات عديدة قبل أن يظهر دين الاسلام وقبل أن يعرف للعرب قائد أو يجتمعوا علي كلمة واحدة. ومن هذه الحضارات يمكنك أن تأخذ أو تطرح ما تشاء فليس صحيحا أن الأرض كانت خرابا فأتي المسلمون ليزرعوها كأول مستصلحين يشهدهم التاريخ، وليس صحيحا أن الأرض كانت خاوية من مفاهيم العدل والرحمة والمساواة والتشريعات القانونية انتظارا لمجئ الاسلام والمسلمين ليقدموا للبشرية مفاهيم ما سمع بها ابن آدم قط في كل وجميع المجالات بلا استثناء.
احترامنا لأنفسنا واعتزازنا بديننا لا يجب أن يكون عائقا لطمس حقوق الآخرين الأدبية، واحترامنا للآخر ولاسهاماته الفكرية في مجملها لا ينتقص أبدا من اسهامات المسلمين علي مر التاريخ. احترامنا لأنفسنا ولمكانتنا التاريخية لا يجب أن يثنينا عن ابتغاء كلمة الحق واستقصاء البحث في تاريخ الآخرين للإستفادة منهم.
ما أفهمه أن تراث البشرية الفكري والعلمي هو سلسلة لا تنقطع، كل أمة تكمل ما تركته الأمة التي تسبقها بقدر ما يتاح لها، كل حضارة تأخذ وتطرح ما يعنّ لها.
عار أن تكون من المطففين الذين يعزفون ليل نهار علي نغمة استفادة الغرب من علوم المسلمين إبّان عصر النهضة الأوروبية ولا يهدأون إلا بعد أن يستوفوا حقهم كاملا ثم يرتدّون علي أعقابهم إذا ما وصل الحديث الي الحضارات والأمم التي سبقت الاسلام
مفهوم الامة بين الحضارة الغربية والحضارة الاسلامية
بقلم:غازي التوبة
بسم الله الرحمن الرحيم
اعتبرت الدراسات الغربية أن الأمة تأتي حصيلة تفاعل نوعين من العوامل: الأولى: موضوعية: مثل اللغة ، والتاريخ ، والجنس الواحد ، والإقليم الواحد ، والمصالح المشتركة ، والآمال الواحدة ، والعادات والتقاليد الواحدة ، والثقافة الواحدة إلخ... الثانية: عوامل ذاتية: وعي الأفراد بأن لهم شخصية متميزة ومنفصلة تدفعهم إلى التعبير التنظيمي عن هذه الشخصية المتميزة (1) . مفهوم الأمة في الحضارة الإسلامية: