لكن القرآن الكريم لم يعتبر المسلمين أمة واحدة لاجتماعهم على دين واحد فقط، بل لا بد لهم حتى يكونوا أمة إسلامية من أن يتصفوا بصفات أخرى يحققونها في وجودهم وكيانهم ، أبرزها:
1-الشهادة على الناس:
قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا} (البقرة،143) . تبين الآية السابقة أن الله -تعالى- جعل الأمة الإسلامية أمة وسطًا لعلّة وحكمة هي أن تكون قادرة على القيام بأمانة الشهادة على الناس ، والشهادة تقتضي العلم وتفتّح الوعي وتحقق الإدراك من الشاهد حتى يستطيع أن يقوم بأمانة الشهادة على المشهود عليه .
2-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (آل عمران،104) . وقال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران ،110) .
دعت الآية الأولى الأمة الإسلامية أن تكون أمة خير تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، ثم بيّنت الآية الثانية أن خيرية الأمة الإسلامية جاءت نتيجة أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر ، وليس من شك في أن تحقيق الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني التطهير المستمر للمجتمع الإسلامي من أي ارتكاس ومن أية معوّقات داخلية ، ويعطيه أفقًا عاليًا من الشفافية والحيوية .
3-الدين واحد والقيادة للأنبياء جميعًا:
تحدثت"سورة الأنبياء"عن معظم الأنبياء السابقين وهم: موسى وهارون وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وذو النون وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام جميعًا ، وذكرت طرفًا من سيرتهم ، وحياتهم ، ومواقفهم ، وعبادتهم ، ودعوتهم ، وصراعهم مع الباطل ، وصبرهم على أذى الكافرين ، وفضل الله عليهم ، ثم عقّبت بعد ذلك بآية قال تعالى فيها: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} (الأنبياء،192) .
كما تحدثت سورة أخرى هي"المؤمنون"عن عدد من الأنبياء هم: نوح وهود وموسى وهارون وعيسى عليهم السلام ثم قال الله تعالى بعد ذلك: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} (المؤمنون ،51-52) .
أشارت الآيتان السابقتان بعد الحديث عن معظم الانبياء إلى أن أمة الانبياء جميعهم أمة واحدة ، ويمكن أن نفسر الأمة الواحدة بتفسيرين مرتبطين ببعضهما هما:
الأول: الدين الواحد والملة الواحدة لجميع الانبياء من لدن آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام وهو دين الإسلام الذي أوحاه الله إليهم ، وأشارت آيات أخرى إلى مثل هذا المعنى فصرّحت إلى انتماء بعض الأنبياء إلى دين الإسلام فطلب يوسف عليه السلام أن يتوفاه الله على الإسلام ، قال تعالى: {أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما والحقني بالصالحين} (يوسف،101) ، وقد وصى إبراهيم ويعقوب عليهما السلام أولادهما أن يموتوا على دين الإسلام ، فقال تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة،132) .
الثاني: قيادة الأمة الإسلامية منوطة بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لذلك فإن الامة الإسلامية ليست أتباع محمد ( وحده بل تشمل أتباع الأنبياء السابقين جميعهم.
إذن نستطيع أن نتبين من خلال الكلام السابق أبعادًا أخرى لمفهوم الأمة في الحضارة الإسلامية يتجاوز الاجتماع الموحد والتجانس المشترك الذي قصدته الحضارة الغربية ، وأبرز هذه الأبعاد:
البعد الاجتماعي: يشتمل على واجبين:
الأول: نحو المجتمع الإسلامي: وذلك بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعني ديناميكية فعالة من أجل التوازن المستمر
الثاني: نحو المجتمعات الأخرى: وذلك بالقيام بواجب الشهادة عليها ونقلها إلى ما هو أفضل لها وأخير .
2-البعد الشرعي: يقوم على الالتزام بالشرع الذي جاء به الدين الإسلامي ، ولا شك أن هذا الالتزام يرفع الأمة باستمرار إلى أفق سامٍ من التكيفات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والعقلية والجمالية .
3-البعد التاريخي: يقوم على الارتباط بالأمم السابقة وتشكيل أمة واحدة معها والاعتراف بحق القيادة لأنبيائهم .
ومما يؤكد وضوح الأبعاد السابقة عند علماء المسلمين ما أورده الشاطبي عن الجماعة في معرض حديثه عن الأمة الإسلامية والفرق التي افترقت إليها ، فقال إن الجماعة تعود إلى خمسة معان هي:
الأول: السواد الأعظم من أهل الإسلام .
الثاني: جماعة أئمة العلماء المجتهدين .
الثالث: الصحابة .
الرابع: جماعة أهل الإسلام إذا اجتمعوا على أمر فهو واجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم .
الخامس: ما اختاره الطبري الإمام من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير فأمر عليه الصلاة والسلام بلزومه (3) .
وقد لخص بعض العلماء كلام الشاطبي فقالوا إن الجماعة ترجع في النهاية إلى معنيين:
الأول: الالتزام بالحق الموجود في الكتاب والسنة ، والخروج من الجماعة بهذا المعنى هو الابتداع والضلال .
الثاني: الالتزام بإمام جماعة المسلمين وطاعته ، والخروج عن الجماعة بهذا المعنى هو البغي والعدوان .
إذن يلتقي مفهوم الجماعة الذي وضحه الشاطبي مع مفهوم الأمة في بعدين:
الأول: بعد التزام الحق الموجود في الشريعة .
الثاني: بعد التزام القيادة المسلمة التي تتبع الرسول
والآن: ما هي أبرز نتائج الأبعاد الخاصة لمفهوم الأمة في الحضارة الإسلامية على مسيرة التاريخ الإسلامي ؟
لقد أعطى البعد الشرعي الأمة الإسلامية انطلاقة هائلة عندما أقام بنيانها على التعارف بين الشعوب والقبائل انطلاقًا من قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات،13) . وقوله ( في حجة الوداع:"يا أيها الناس إن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ، الناس سواسية كأسنان المشط"، وهذا ما جعل المجتمع الإسلامي مجتمعًا فريدًا في الماضي والحاضر عندما استوعب أجناسًا وعروقًا وشعوبًا وقبائل متعددة داخل كيانه ، ليس هذا فحسب بل ساهمت هذه الأجناس والعروق والشعوب والقبائل في إقامة الحضارة الإسلامية بما وهبها الله - تعالى - من إمكانيات ، وفي الدفاع عنها عندما تعرضت للتهديدات .
2-لقد حفظ البعد الشرعي الأمة الإسلامية بعيدًا عن النزعات الاستعلائية وهي اللوثة التي أصابت الأمم في الحضارة الغربية والتي أدت إلى حربين عالميتين أهلكتا الحرث والنسل ، وأدت إلى نهب قارتي آسيا وأفريقيا لمدة قرنين وإفقارهما وتدميرهما ، وأدت إلى إبادة الهنود الحمر في أمريكا .
3-لقد أعطى البعد التاريخي الأمة الإسلامية سعة في الزمان وامتدادًا في المكان ، وجعلها تتفاعل مع ما قبلها وتستوعبه دون إحساس بالغربة ، ولم يبق هذا الاتصال التاريخي شعورًا مبهمًا بل تجسد في قواعد وأصول منها: القاعدة الأصولية التي تعتبر شرع من قبلنا شرع لنا ، وفي أحاديث الرسول ( التي قال في أحدها تعقيبًا على صيام العاشر من محرّم عند بني إسرائيل شكرًا لله على إنجاء موسى عليه السلام من فرعون ، فصام وأمر بصيامه وقال:"نحن أولى بموسى منكم".