وقد اتجهت سياسة الدولة العباسية- منذ البداية- إلى المشرق، وكان هذا سر نجاحها، فاتخذت من بغداد عاصمة لها بدلا من دمشق، رغم أن هذا التوجه قد أسفر عن ضعف نفوذها في الأطراف الغربية التي أخذت تنسلخ تباعًا، فاستقلت الأندلس على يد"صقر قريش،"عبد الرحمن الداخل الأموي سنة 137 هـ/ 755 م، كما استقل المغرب الأقصى على يد الأدارسة العلويين"سنة 72 1 هـ 788 م، والمغرب الأوسط على يد"بني رستم الخوارج الأباضية"سنة 38 1 هـ/ه 75 م، و اكتفى العباسيون- إزاء هذا- بإقامة دولة حاجزة موالية لههم في المغرب الأدنى هي"دولة الأغالبة". والتي امتد حكمها من سنة 84 اهـ/0 80 م- 296 هـ/09 9 م وقد استطاعت هذه الدولة الأغلبية المجاهدة أن تحقق إنجازًا حربيًا كبيرًا ، بفتح جزيرة صقلية على يد القائد المسلم الفارسي"أسد بن الفرات"في عهد زيادة الله الأول الأغلبي سنة 3 31 هـ (838 م) ، ثم فتح جزيرة مالطة التي تقع بين صقلية وأفريقيا في عهد!محمد الأغلبي"المدعو بأبي الغرانيق وذلك سنة 356 هـ (870 م) .
غير أن نفوذ العباسيين وإن كان قد ضعف وزال في المغرب والأندلس، إلا أنه قوي في المشرق- فابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ يشير في حوادث سنة 133 هـ إلى أن جيوش أبي مسلم الخراساني ، استطاعت أن تهزم في موقعة نهر طراز الجيوش الصينية التي أخذت تتدخل في بلاد تركستان بأواسط أسيا. ويبدو أن هذا هو أول ذكر للاحتكاك الحربي بين المسلمين والصين في المراجع ا لإسلامية.
ومنذ ذلك الوقت نلاحظ أن الحضارة الإسلامية أخذت تسود بلاد أواسط أسيا بعد أن أزاحت عنها الوجود الصيني. كذلك قامت في الأطراف الشرقية للدولة العباسية، دول إسلامية عريقة عملت على نشر الإسلام هناك باسم الخلافة العباسية
الكيانات الحضارية الإسلامية في آسيا
الدولة السامانية
كانت الدولة السامانية التي حكمت خراسان. وبلاد ما وراء النهر (نهر جيحون) في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وعاصمتها"بخاري"من أهم المراكز الحضارية في العالم الإسلامي. إضافة إلى سمرقند وبلخ حيث كان الطلبة يفدون إلى تلك الأماكن لدراسة العلوم، ولقد اشتهرت الدولة"السامانية"بجهادها ضد الترك الوثنيين في وسط أسيا، وحملتهم على الانخراط في جيوشها عن طريق نظام تربوي إسلامي عسكري، طبقته عليهم منذ الصغر. وقد أعطانا الوزير السلجوقي"نظام الملك الطوسي (ت 485 م) "في كتابه"سياسة نامه"، وصفًا دقيقًا باللغة الفارسية لهذا النظام التربوي الذي وضعه السامانيون لمماليكهم الأتراك، ومن ذلك قوله:"إن مماليك السامانيين يرقون تدريجيًا بناء على خدماتهم وشجاعتهم وليس اعتمادًا على المحسوبية أو الجاه".
وتمتد فترة تدريب المملوك إلى سبعة أعوام يستحق في نهايتها لقب عريف الدار حيث يرتدي قباء من الحرير، ويضع على رأسه طاقية من الجوخ الأسود ثم يأخذ المملوك في الترقي عامًا بعد عام.
وتزداد حاشيته تدريجيًا إلى أن يصل إلى مرتبة صاحب الخيل ثم حاجب الحجاب. ولا يأخذ المملوك لقب أمير ولا يتولى عملًا كبيرًا مثل القيام على ولاية من الولايات أو فرقة من الفرق العسكرية إلا بعد أن ينضج. وسن النضوج في العادة هو سن الخامسة والثلاثين"."
الدولة الغزنوية
2-الدولة الغزنوية التركيبة: وهي وليدة الدولة السامانية في منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وكان مؤسسيها الأول مملوكًا تركيًا من مماليك السامانيين في بخاري، وهو الأميرة"البتكين"الذي ولاه"السامانيون"على"غزنة، بالقرب من"كابل " في أفغانستان شمالي الهند. وهناك استطاع"البتكين"أن يقيم دولة مستقلة عن السامانيين- إلا من ناحية التبعية الاسمية- هي الدولة الغزنوية."
وبعد وفاة البتكين آلت الأمور إلى مملوكه وزوج ابنته"ناصر الدين سبكتكين"، الذي حارب باسم السامانيين في بلاد الهند الشمالية، فاستولى على"بست"ويقصدار"سنة 368 هـ، وهزم جيوش"جيبال"راجا لاهور على حدود البنجاب."
وجاء بعد سبكتكين ابنه"محمود الغزنوي" (388- 421 هـ- 998- 30 10 م) الذي بلغت الدولة الغزنوية في عهده ذروة ازدهارها، فألغى اسم السامانيين من الخطبة في مملكته، وخطب للخليفة العباسي القادر بالله، الذي أنعم عليه بلقب يمين الدولة وأمين الملة، وهو بمثابة تقليد رسمي من الخلافة، كما حصل أيضا على لقب"الغازي"وهو من أوائل الألقاب في الإسلام. هذا إلى جانب لقب سلطان الذي يعتبر"محمود الغزنوي"أول من تلقب به من الغزنويين بعد أن كانوا يتلقبون بلقب أمير.
ويؤثر عن"السلطان محمود الغزنوي"أنه غزا بلاد الهند أكثر من اثني عشرة مرة مدفوعا، في ذلك بعامل الجهاد الديني والرغبة في نشر الإسلام بين الهنود الوثنيين. واستطاع بذلك أن يبسط نفوذه إلى ما وراء كشمير والبنجاب ويحطم أصنامهم، وأن يجعل من إقليم البنجاب ولاية إسلامية قاعدتها مدينة لاهور، ويحكمها ولاة مسلمون من قبل الغزنوية، وهكذا تعتبر الدولة الغزنوية أول دولة إسلامية في الهند.
وتجدر الإشارة إلى أن المسلمين الأوائل في أواخر القرن الأول الهجري، كانوا قد فتحوا إقليم السند في شمال غرب الهند على يد"محمد بن القاسم الثقفي". وها هو ذا"محمود الغزنوي"في أواخر القرن الرابع الهجري يضيف إلى السند أقاليم البنجاب، والملتان، والبنغال، وهي الأقاليم التي تكون في مجموعها ما يسمى الآن بدولتي باكستان وبنغلاديش الإسلاميتين.
كذلك ظهرت في الهند على عهد"محمود الغزنوي"لغة الأردو (أي المعسكر) وهي مزيج من عدة لغات منها الفارسية والتركية والعربية والسنسكريتية الهندية القديمة. ولم تلبث هذه اللغة الأردية أن صارت لغة الهند وباكستان وبخط عربي.
ولقد عاش في كنف الغزنويين عدد من كبار العلماء والشعراء، نذكر منهم الشاعر الإيراني المشهور"أبا القاسم الفردوسي"الذي أهدى السلطان"محمود الغزنوى"ملحمته الشعرية الفارسية"الشاهنامة"التي يعتبرها الإيرانيون من مفاخرهم الأدبية، لأنها تقص أخبار ملوك الفرس القدماء. وقد منحه السلطان"محمود الغزنوي"ستين ألف مثقال من الفضة على عدد أبياتها. كذلك نذكر المؤرخ"أبا نصر محمد بن عبد الجبار العتبى"الذي كتب تاريخا عن حياة"محمود الغزنوي"وجهاده إلى سنة 409 هـ، وسماه"تاريخ اليميني"نسبة إلى لقبه يمين الدولة. وقد ألف هذا الكتاب باللغة العربية لكي يقرأه أهل العراق. وهناك العالم المؤرخ"أبو الريحان البيروني الخوارزمي (ت 440 هـ) "الذي صحب محمود الغزنوي في بعض غزواته بالهند ثم استقر معه في غزنة متمتعًا بمكانة سامية. وقد ألف"البيروني"عدة كتب بالفارسية والعربية نذكر منها كتاب"القانون المسعودى"الذي أهداه إلى السلطان"مودود بن مسعود"، هذا إلى جانب تاريخه المشهور باسم"الآثار الباقية عن القرون الخالية"، الذي تحدث فيه بالعربية عن الجماعات والطوائف والشعوب القديمة، مع ذكر أعيادها واحتفالاتها الدينية والقومية. وقد نشر هذا الكتاب وترجمه إلى الإنجليزية"أدوار سخاو"في القرن الماضي. وأخيرا نشير إلى المؤرخ الفارسي"أبي الفضل محمد بن حسين البيهقي (ت 470 هـ) "الذي كتب بالفارسية تاريخا"للسلطان مسعود ووالده محمود الغزنوي"عرف"بتاريخ البيهقي". وقد نقل د. يحيى الخشاب ما تبقى من هذا الكتاب إلي اللغة العربية سنة 1956.