فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 1942

وانتهت الدولة الغزنوية في القرن السادس الهجري (12 م) على أيدي قوتين كبيرتين هما: قوة الغوريين الأفغان، وقوة السلاجقة الأتراك.

الغوريون

وهم الذين قضوا على ملك الغزنويين في الهند، واستولوا على قاعدتهم في لاهور، وأقاموا هناك ثاني دولة إسلامية في الهند، وهي الدولة الغورية (543- 612 هـ= 1148- 1215 م) التي سميت باسم مكان نشأتها، وهي جبال الغور بأفغانستان بين هراة وغزنة وتسمى حاليا هزارستان. غير أن سلاطين هذه الدولة الغورية لم يقيموا في الهند دائمًا، وإنما كانوا يقيمون في مدينة غزنة عاصمة ملكهم، وصاروا يحكمون الهند عن طريق مماليكهم الأتراك.

وقد أكثر السلطان"محمد الغوري"من شراء المماليك واعتنى بتربيتهم واعدادهم لمهمة الغزو والجهاد. ويؤثر عنه أنه كان كلما ناقشه أحد عن ضرورة الحاجة إلى ابن ذكر يحافظ على ملك أسرته من بعده، أجابه بأن لديه ألوفًا من الأبناء، ألا وهم مماليكه الأتراك.

وقد ارتفع بعض هؤلاء المماليك إلى مناصب الحكم والقيادة، نذكر منهم،"يلدز"حاكم كرمان، و"ناصر الدين قباجة"في السند، و"قطب الدين أيبك"في دلهي وهو أقوى الجميع نفوذًا، وقد زوجه السلطان إحدى بناته. وهكذا استطاع محمد الغوري بفضل جهود مماليكه وعلى رأسهم"أيبك"، أن يملك جميع الأراضي الهندية في شمال جبال فنديا vindha حتى مصبات نهر الكنج، فعم بها الإسلام، وتحولت معابدها الهندوسية إلى مساجد ويدفع راجاتها الجزية.

وفي سنة 603 هـ (1206 م) اغتيل السلطان"محمد الغوري"، على ضفاف السند بيد أحد غلاة الإسماعيلية، وبموته اختفت غزنة والغور من التاريخ، وظهرت مدينة دلهي كعاصمة إسلامية لدولة سلاطين المماليك في الهند.

دولة المماليك في دلهي

وكان أول سلاطينها"قطب الدين أيبك"بعد موت سيده. وقد اشتهر عنه تمسكه بتعاليم الإسلام، ويظهر ذلك بوضوح في عدائه الشديد لنظام الطبقات الذي كان سائدًا في الهند، ومعاملته للناس على أساس المساواة التي ينص عليها الإسلام. وينسب لأيبك في دلهي مسجد عظيم أسماه"قوة إسلام"، ويبلغ ارتفاع مئذنته 250 قدم، وهي تعد أطول منارة في العالم، ولا تزال قائمة إلى اليوم وتعرف باسم"قطب مينار"أي منارة قطب"وتمتاز بنقوشها وزخارفها ذات الطابع العربي والهندي."

وانتهى حكم أيبك على هندستان في سنة 608 هـ (1210م) وذلك على أثر سقوطه من على فرسه. أثناء لعبة الكرة أو البولو- جوكان- فتوفي على الأثر. وخلفه أحد مماليكة البارزين وزوج ابنته"شمس الدين التتم"الذي سار سيرة حسنة في رعيته، واشتد في رد المظالم وأنصاف المظلومين. فيؤثر عنه أنه أمر أن يلبس كل مظلوم ثوبًا مصبوغًا. وأهل الهند جميعا يلبسون البياض، فكان إذا قعد للناس أو ركب، فرأى أحدًا عليه ثوب مصبوغ نظر في قضيته وأنصفه ممن ظلمه.

وبلغ فوز السلطان،"التتمش"أقصى مداه حينما اعترف به خليفة بغداد المستنصر بالله العباسي، سلطان على الهند، وبعث له بالتقليد والخلع والألوية في سنة 626 هـ (1229 م) ، فأصبح (التتمش"بذلك أول ملك في الهند تسلم مثل هذا التقليد. ومنذ ذلك التاريخ ضرب"التتمش"نقودا فضية نقش عليها اسم الخليفة العباسي بجوار اسمه. ويعتبر هذا العمل شيئا جديدًا على نظام العملة الهندية، إذ كان الحكام المسلمون قيل ذلك يضربون نقودًا معدنية صغيرة على غرار النقود الوطنية، تنقش عليها أشكال مألوفة لدى الهنود،"كثور سيفا"مثلًا، كما كانت أسماء الفاتحين تكتب بحروف هندية في غالب الأحيان."فالتتمش"يعتبر إذن أول من ضرب نقودا فضية خالصة في الهند."

وتوفي السلطان"التتمنثى"سنة 634 هـ (1236 م) ولم تكن هناك شخصية صالحة للملك من بعده سوى شخصية ابنته"رضية الدين"التي فضلها أبوها على أخوتها الذكور لذكائها وحسن إسلامها، وقد سماها مؤرخو الهند باسم"ملكة دوران بلقيس جهان"أي فتنة العالم. وقد بذلت هذه السلطانة جهودًا عظيمة في إدارة شئون الدولة، ولكنها اصطدمت في النهاية بمجلس أمراء المماليك الذين حقدوا عليها بسبب زواجها من فارس حبشي، فثاروا ضدها، وانتهى الأمر بقتلها سنة 638 هـ ( 1240 م) بعد حكم دام أربع سنوات، فكانت نهايتها تشبه نهاية السلطانة"شجرة الدر"التي حكمت مصر بعدها بعشر سنوات، وانتهى أمرها بالقتل أيضا سنة 648 هـ (1250 م) .

الأتراك السلاجقة

الأتراك السلاجقة: ويمثلون القوة الإسلامية الجديدة التي حلت محل الغزنويين في خراسان والمشرق الإسلامي، والتي غذت الإسلام، بدماء فتية جديدة، ساعدته على الصمود والانتصار، والانتشار في بلاد الروم. ذلك لأن الخلافة العباسية قبل ذلك الوقت كانت عاجزة عن حماية حدودها بسبب عداوتها مع الخلافة الفاطمية في القاهرة. وقد انتهزت الدولة البيزنطية هذه الفرصة، وأخذت تغير على الحدود الإسلامية المتاخمة لها، وتتوغل في شمال الشام والجزيرة. ولكن من حسن حظ الخلافة العباسية في ذلك الوقت، أن جاءتها من المشرق تلك القوة التركية الفتية المليئة بفتوة البداوة وعنفوانها، فأنقذتها من انهيار محقق. ففي سنة 463 هـ (1071 م) استطاعت جيوش السلاجقة بقيادة سلطانها"ألب أرسلان"، وباسم الخلافة العباسية، أن تحرز انتصارًا حاسمًا على الإمبراطور البيزنطي"رومانوس ديوجينيس""ROMANOS DIOGENES وأن تأخذه أسيرًا في موقعة"ملا ذكرد"أو"منزكرد"من أعمال"خلاط"على الفرات الأعلى، شمال بحيرة فانVAN عند أرمينية."

لقد جاء السلاجقة في فترة انحطاط القوى الإسلامية الأخرى من عباسية وفاطمية ونجحوا في توحيد المشرق الإسلامي من جديد، فأعطوا المسلمين الحيوية والنشاط في الجهاد ضد الصليبيين، ويذكر بأن طغرل سلطان السملاجقة كتب إلى الخليفة العباسي القائم بأمر الله مظهرًا ولاءه له، مؤكدًا حبه لرفع راية الإسلام وإعلاء كلمة الله في نشر الإسلام غربًا، وقد أقره الخليفة العباسي سنة 432 هـ/1040 م سلطانًا على السلاجقة، مما أكسب دولة السلاجقة الفتية صفة الشرعية وأثار حميتها الدينية لمنا جزة البيزنطيين واسترداد البقاع التي كانوا قد احتلوها في أرمينية والأناضول وقد أعطت نتائج هذه الموقعة سمعة إسلامية ضخمة للسلاجقة باعتبارهم المجاهدين والمدافعين عن الإسلام، والعاملين على نشر الدعوة، وإزاء ذلك مهدت الطريق أمام السلاجقة لنشر الدعوة في آسيا الصغر- حيث وجه"ألب أرسلان"ابن عمه"سليمان قتلمش"، إلى الأناضول، وأقام هناك دولة سلاجقة الروم، نسبة إلى بلاد الروم التي قامت فيها. ومنذ ذلك الوقت، عم الإسلام بلاد آسيا الصغرى التي صارت تعرف إلى الآن باسم بلاد الأناضول الإسلامية.

واستحدث السلاجقة- أيضا- بعض الأنظمة والعادات الفارسية والتركية التي جلبوها معهم من المشرق، ولم تكن معروفة من قبل أيام الأمويين والعباسيين والفاطميين. ومن أمثلة ذلك، استخدام"الجاليش"في مقدمة الجيش. و،"الجاليش"عبارة عن خصلة وشعر ذيل الحصان، كانت ترفع في أعلا سنان الراية أمام الجيش. ثم صارت تطلق مجازًا على مقدمة الجيش أو طلائعه باسم"الجاليشية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت