فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 1942

ومن"أمثلة ذلك أيضًا حمل"الغاشية"بين يدي السلطان في الأماكن والمناسبات الحافلة كالميادين والأعياد والمواكب ونحوها كشعار للسلطنة. و"الغاشية"عبارة عن سرج من الجلد مخروزة بالذهب حتى يخالها الناظر كلها مصنوعة من الذهب. يحملها ركاب الدار بين يدي السلطان، ويلفتها يمينًا وشمالًا. وقد انتقلت هذه العادة إلى مصر والشام على يد صلاح الدين الأيوبي وخلفائه، واستمرت بعد ذلك في أيام سلاطين المماليك كرمز للطاقة والإخلاص للسلطان:"حمل الغاشية بين يديه"."

كذلك استحدث السلاجقة نظام المدارس الدينية، وهي منشآت علمية هدفها بث روح الجهاد بين المسلمين والتصدي للطائفية، مثل المدرسة النظامية التي أسسها الوزير السلجوقي"نظام الملك"في بغداد. وسار على هذه السياسة"نور الدين محمود زنكي"في الشام ثم"صلاح الدين الأيوبي"في مصر. على أنه يلاحظ في هذا الصدد أن مدينة الإسكندرية عرفت نظام المدارس الدينية في أواخر أيام الفاطميين وقبل مجيء صلاح الدين الأيوبي، فأول مدرسة أنشئت فيها هي المدرسة الحافظية التي أسسها"رضوان بن ولخشي"وزير الخليفة"الحافظ الفاطمي سنة 533 هـ"، وأسند التدريس فيها إلى"الفقيه المالكي أبي الطاهر بن عوف"، الذي سبق أن قرأ المذهب المالكي على زوج خالته أبي بكر الطرطوشي المشهور بكتابيه"سراج الملوك"، و"الحوادث والبدع".

وبعد عشر سنوات أي في سنة 544 هـ بنى"العادل بن السلار"، وزير الخليفة الظافر الفاطمي، مدرسة دينية أخري بالإسكندرية، وأسند التدريس بها إلى"الفقيه الشافي أبي الطاهر أحمد السلفي"صاحب كتاب"معجم السفر". ويمكن القول بأن به الأيوبيين هم الذين اهتموا في الواقع ببناء المدارس في أنحاء مصر والشام متأثرين في ذلك بسياسة السلاجقة.

وقد سار السلاجقة- أيضا- على سنة أسلافهم هم السامانيين المتمثلة في الإكثار من المماليك الأتراك، وتربيتهم منذ الصغر تربية عسكرية إسلامية لاستخدامهم في الجيش والإدارة. وقد شرح هذا النظام وزير السلجوق"نظام الملك الطوسي"في كتابها، سياسة نامة"إرشادا للحكام السلجوقيين. وعلى هذا الأساس غلب الطابع العسكري على الدولة السلجوقية، فصار ولاتها وقادتها من هؤلاء"المماليك كما أصبحت معظم أراضيها في فارس، والجزيرة، والشام، مقسمة إلى إقطاعيات عسكرية يحكمها القادة من هؤلاء المماليك، في مقابل الخدمات العسكرية التي يؤدونها للدولة في وقت الحرب. وسمي هؤلاء المماليك الكبار باسم"الأتابكة". و"الأتابك"لفظ تركي مركب معناه الأب الأمير، ومعناه المربي لابن السلطان، ثم أصبح لقبا تشريفيا يمنح للكبار من القواد بمعنى أبو الجيش أو قائد الجيش أو نائب السلطنة.

وهكذا نرى مما تقدم أن السلاجقة في أيام قوتهم اتخذوا أشخاصًا من كبار مماليكهم أطلقوا عليهم"الأتابكة"ليكونوا مربين لأولادهم القصر، ومنحوهم إقطاعيات كبيرة مقابل قيامهم على شئون هؤلاء الأبناء، وتأديتهم الخدمة العسكرية وقت الحرب. ولكن سرعان ما صار هؤلاء"الأتابكة"أصحاب النفوذ والسلطان في تلك الولايات. ومن مشاهير الأتابكة في أوائل القرن السادس الهجري (13 م) ، الأمير"عماد الدين زنكى"مؤسس أتابكية الموصل وحلب، وهو ابن قسيم الدولة اق سنقر الحاجب الذي بدأ حياته مملوكا"للسلطان"ملكشاه المسلجوقي"، وعن طريق"زنكي وابنه نور الدين محمود"كان ظهور قواده"نجم الدين أيوب"وولده"صلاح الدين"الذي تأثر بالنظم السلجوقية، واليه يرجع الفضل في انتقال تلك النظم إلى مصر والشام، حيث بقيت زمان الأيوبيين، ثم بعد ذلك دولة المماليك الأتراك، التي تبلور فيها هذا النظام التربوي العسكري الإسلامي، وصار راسخًا متينًا، ومكنها من صد الزحف المغولي شرقًا، وطرد المستعمر الصليبي من مصر والشمام غربًا. وفي ذلك يقول"القلقشندي" (صبح الأعشى ج 4 ص 6) :"ود أبت سلطنة المماليك في مصر على أن تنقل عن كل مملكة سبقتها أحسن ما فيها، فسلكت سبيله، ونسجت على منواله، حتى تهذبت وترتبت أحسن ترتيب، وفاقت سائر الممالك، وفخر ملكها على سائر الممالك"."

الأيوبيين والمماليك

الأيوبيون والمماليك: وهؤلاء لم يقتصر دورهم، على حماية الإسلام في مصر والشام، والذود عنه ضد المعتدين من الصليبيين والمغول، بل كان لهم فضل كبير أيضًا في العمل على نشره بين أهل النوبة في السودان جنوبا، وبين مغول القفجاق حول البحر الأسود شمالًا.

لقد اهتمت السياسة المصرية بوجه عام بمملكة النوبة في أعالي النيل، وكان النوبيون يدينون بالمسيحية على مذهب الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، كما كانوا يدينون بالولاء والطاعة لسلطان مصر منذ اتفاقية البقط pactum التي عقدها معهم القائد العربي"عبد الله بن سعد بن أبي السرح"سنة 30 هـ (650 م) . إلا أنهم لم يحافظوا دائمًا على هذا العهد، فكثيرًا ما شنوا الغارات علي بلاد الصعيد أي جنوب مصر، بالبر والبحر (النيل) وكثر إيذاؤهم. ولذلك اضطر ولاة مصر إلى توجيه الحملات إلى بلاد النوبة تمسكًا منهم بشرط هذا"البقط"أو العقد. وقد شجعت هذه الحملات بعض القبائل العربية على الهجرة إلى النوبة والاستقرار فيها، والاختلاط بأهلها، وخاصة في بمنطقة المريس"شمالي النوبة. ونذكر على سبيل المثال عرب ربيعة الذين تزوجوا بنات رؤساء النوبيين، وأصبحت لهم مصالح مادية لانتفاعهم بنظام الوراثة المعروف هناك، وهو توريث ابن البنت أو ابن الأخت، ونتيجة لذلك، صار لبني ربيعة نفوذ كبير في منطقة أسوان وما يليها جنوبًا في أرض المريس ."

وتوطدت علاقات حسنة بين"بني ربيعة"و (الدولة الفاطمية) ، في مصر، واستعان بهم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في القبض على الثائر المغربي أبي ركوة عندما لاذ بالفرار من مصر إلى النوبة. ونجح"أبو المكارم أمير ربيعة"في القبض عليه وتسليمه للفاطميين، وقد كافأه الفاطميون على ذلك بمنحه لقب،"كنز الدولة"، وتوارث أبناؤه هذا اللقب وعرف بنو ربيعة ببني كنز، وهم الكنوز الحاليون الذين كانوا يعيشون بين أسوان وكروسكو، قبل أن تغرق أرضهم بمياه بحيرة السد العالي.

ومنذ بداية عصر صلاح الدين الأيوبي، تجددت اعتداءات النوبيين على الأراضي المصرية، واستمرت في أيام دولة المماليك الأولى أو البحرية. وكان الرد على ذلك إرسال حملات تأديبية في عهد كل من"صلاح الدين"و،"الظاهر بيبرس"، و"سيف الدين قلاووق".

وكانت النتيجة اصطباغ مملكة النوبة بالصبغة العربية الإسلامية، وفقد أنها لطابعها المسيحي تدريجيًا نتيجة لاختلاطها بالعرب المهاجرين مع تلك الحملات. ولم يكد ينتصف القرن الثامن الهجري أو الرابع عشر الميلادي، حتى كان النوبيون قد اعتنقوا الإسلام، وانتقل الملك إلى بني كنز، فسقطت عنهم الجزية، لأن بني كنز عرب مسلمون من ربيعة.

المغول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت