فهرس الكتاب

الصفحة 1429 من 1942

1 -الصحوة الدينية وحدها هي التي يمكن أن توفر العزم- دون تردد أو تساهل- على تطبيق أحكام القرآن، ولاسيما تلك الأحكام التي تتعلق بالأمراض الاجتماعية المتأصلة، أو التي من شأنها إحراج أصحاب السلطان ومحتكري الثروات العريضة، وتعني الصحوة الدينية أن يتم تطبيق هذه الأحكام دون عنف أو كراهية؛ لأن كل المجتمع الذي استيقظ فيه وعيه الديني أو غالبيته سوف يفقه هذه الأحكام ويرحِّب بها طاعةً لأمر الله وتحقيقًا للعدل.

2 -لا يمكن تصور نهضة إسلامية بدون استعداد الناس لتضحيات هائلة بالأموال والأنفس، ولا بدون درجة عالية من الثقة المتبادلة والتعاون المخلص فيما بينهم، وإلا فما الذي يحول دون استغلال هذه الجهود والتضحيات التي يفرضها على نفسه فريق من المجتمع؛ لكي يستخدمها فريق آخر لدعم سيطرته وإشباع مطامعه؟ وما الذي يمنع من تكرار مأساة الهزائم الأخلاقية التي يتكرر ظهورها في التاريخ الحديث للمسلمين؟! إن كل نظام- بما في ذلك النظام الإسلامي- يكون دائما أكثر تمثيلًا للناس الذين أقاموه من تمثيله للمبادئ التي ينادون بها.

3 -نظرًا للتخلف المذهل في العالم الإسلامي عليه أن يسير سيرًا حثيثًا في مجالي التربية والتصنيع، جنبًا إلى جنب؛ وذلك لأن التنمية المادية المتسرعة تكون عادةً مصحوبةً بأعراض مرضية خطيرة، تتمثل في الاستبداد والفساد، وتحطيم الأسرة، وانتهاب الثروات بطرق سريعة غير مشروعة، وبروز الانتهازيين ومعدومي الضمير في المقدمة، والتوسع في المدن على حساب الريف، وانتشار الكحول والمخدرات، وتفشي الدِّعارة، ولا يوجد سدٌّ يحول دون الفيضان الكاسح لهذا الخبث المضاد للثقافة والأخلاق إلا ذلك السدُّ الذي يبنَى على أساس من الإيمان القوي الخالص بالله، والالتزام بتعاليم الدين من قبل جميع فئات الشعب، فالدين وحده هو الذي يضمن لنا ألا تقوض الحضارة أركان الثقافة، أما التقدم المادي والتقني المجرد- كما رأينا بوضوح في كثير من الحالات- فإنه قد يتحوَّل إلى بربرية.

السلطة الإسلامية

إننا إذا كنا نؤكد على أولوية الصحوة الدينية والأخلاقية، فهذا لا يعني- ولا يصح تأويله ليعني- أن النظام الإسلامي يمكن أن يقوم دون سلطة إسلامية، إنه يعني فحسب أن طريقنا لا يبدأ بالاستيلاء على السلطة، وإنما بكسب الناس، وأن الصحوة الإسلامية إنما هي ثورة في التربية تؤدي إلى ثورة في السياسة، فيجب علينا أن نكون أولًا دعاةً، ثم بعد ذلك نكون جنودًا مجاهدين، وسلاحنا هو القدوة الشخصية والكتاب والكلمة، فمتى تلحق القوة بهذا كله؟!

اختيار هذه اللحظة هو دائمًا اختيار واقعي يعتمد على سلسلة من العوامل، وتوجد على كل حال قاعدةٌ عامة: أن الحركة الإسلامية يمكنها؛ بل يجب عليها أن تبدأ في السعي إلى السلطة عندما تجد في نفسها من القوة الأخلاقية والعددية ما يمكِّنها- ليس فقط- من تغيير الحكومة غير الإسلامية؛ بل أيضًا من بناء حكومة إسلامية، وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأن تغيير النظام وبناء نظام آخر لا يتطلبان نفس الدرجة من التهيؤ النفسي والمادي.

التسرع في هذه الأمور خطر، شأنه في ذلك شأن التراخي، وتسلُّم السلطة نتيجة توافر مجموعة من الظروف المواتية بدون إعداد أخلاقي ونفسي كافٍ، وبدون

كيف تصبح شخصية فعالة - أنت مفتاح النهضة

السبت غرة صفر 1426 هـ - 12 مارس 2005 م

مفكرة الإسلام: 'يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: كلا بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت'.

بهذا الحديث والذي يعد علمًا من أعلام النبوة، يوصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم وبدقة متناهية واقعنا المرير الذي تحياه أمة الإسلام في هذا الزمان، فعلى الصعيد الخارجي ها هي أمم الكفر من اليهود والصليبيين قد تداعت علينا، كل يريد أكل نصيبه من قصعة الإسلام، والتي أصبحت حلًا مستباحًا لكل من هب ودب من أعداء الله، ففي الوقت الذي ما زال فيه جرح الأمة يسيل في القدس الشريف، اذ بها تبتلي بجراح أخرى لا تقل عنها نزفا في الشيشان، ثم في أفغانستان وأخيرًا في العراق والبقية تأتي.

وعلى الصعيد الداخلي: فالمأساة أقوى وأشد، فقد انحرفت جماهير الأمة عن شرع الله تعالى، انتشر الفساد وخربت الأخلاق، وعرفت الشعوب في حب الشهوات والملذات، وعطلت أحكام الله تعالى، دب الوهن في قلوب المسلمين، وتخلفوا عن ركب الحضارة والتقدم، انتشر الجهل والتخلف أصبحنا في ذيل الأمم، نتقوت على فتات الحضارة الغربية، بعد أن كنا أساتذة النهضة والمدنية، ساد فينا نموذج العاجز الكسلان بعد أن كنا فرسان الإنجاز والفاعلية، ضاع منا زمام القيادة بعد أن كنا قد:

ملكنا هذه الدنيا قرونا

وأخضعها جدود خالدونا

وسطرنا صحائف من ضيا

فما نسي الزمان ولا نسينا

ولكن:

وما فتئ الزمان يدور حتى

مضى بالمجد قوم آخرونا

وأصبح لا يرى في الركب قومي

وقد عاشوا أئمته سنينا

وآلمني وآلم كل حر

سؤال الدهر .. أين المسلمونا؟

ويقف المؤمن الحر أمام هذا الواقع متفكرًا أين المخرج؟

ما السبيل إلى عودة هذه الأمة لتسلم لواء السيادة الذي أوجب الله عليها حمله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143] .

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110] .

ما الطريق إلى تبوأ أمتنا لهذه المكانة العلية؟ واعتلائها لذري المجد والسؤدد والحضارة والتقدم، والعزة والتمكين، والجواب أن هذا الطريق الشاق يبدأ منك أنت أخي المؤمن، بهذا أخبرنا الله تعالى في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11] .

إن الطريق إلى بناء الأمة يبدأ من بناء الفرد المؤمن، ولكنه البناء الكامل الشامل وحده الذي يمكن أن يحدث النهضة، إننا نريد نموذج المؤمن الفعال لا المؤمن العاجز السلبي ذلك أن مهمة النهوض بهذه الأمة من كبوتها الحالية مهمة شاقة عسيرة لا يكفي للقيام بها عاجز ضعيف الشخصية، ناقص القدرات والمهارات حتى لو كان على قدر كبير من الصلاح والتقوى، إننا نخطئ كثيرًا حينما لا نفصل بين منزلة الإنسان عند ربه والتي معيارها التقوى والطاعة، وبين صلاحية هذا الإنسان لتولي زمام القيادة، ومهمة التغيير، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول في أبي ذر رضي الله عنه: 'ما أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر'.

ومع ذلك يمنعه صلى الله عليه وسلم من تولي القيادة فقال له: 'يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا فلا تولين إمرة اثنين'. وما ضر ذلك أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ ولا نقص من قدره شيئًا بعد أن انتصب أستاذًا في الزهد، وتربية المسلمين بالقدوة واللسان الدعوى الناطق، ولكن لكل مهمة مقوماتها، ولكل دور رجاله، وكل ميسر لما خلق له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت