إن الحداثة الغربية تشكل الإطار الذي يدور داخله الإنسان الغربي، وهي تقدم رؤية مادية ترى العالم باعتباره مادة. وقد عرَّفت هذه الرؤية الهدف من وجود الإنسان في الكون بأنه تعظيم المنفعة واللذة، وعرَّفت التقدم بأنه تصاعد معدلات الإنتاج والاستهلاك، مما ولد شراهة استهلاكية عند الإنسان الغربي ليس لها نظير في التاريخ. وهذه الحداثة المادية لا تعني مجرد استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا، بل هي استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة.
وفي عالم متجرد من القيمة تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم نسبية، وعندئذ يصعب الحكم على أي شيء، ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر وبين العدل والظلم، بل بين الجوهري والعرضي، وأخيرًا بين الإنسان والطبيعة أو بين الإنسان والمادة.
وفي غياب قيم مطلقة يمكن الاحتكام إليها، تظهر آلية مادية واحدة ووحيدة لحل النزاعات والخلافات -التي هي من صميم الوجود الإنساني- ألا وهي القوة والإرادة.
وفي هذا الإطار تمركز الغرب حول ذاته، وجعل من نفسه مرجعية نهائية ومعيارًا يحكم به على كل الظواهر والحضارات، ونظر إلى العالم لا باعتباره كيانات مستقلة لكل منها طموحاته المشروعة وأهدافه المختلفة، وإنما باعتباره أشياء من حقه أن يوظفها لحسابه باعتباره الأقوى.
وفي هذا الإطار تحركت جيوش أوروبا وقسمت العالم فيما بينها، ونهبت ثرواته وحولته إلى مصادر للمواد الخام والعمالة الرخيصة وأسواق لسلعها. وبالفعل جاءت الجيوش الغربية إلى العالم العربي والإسلامي وأخضعت شعوبه لكل أنماط الاستعمار: استعمار عسكري في مصر وسوريا ولبنان والمغرب والسودان والعراق وليبيا، واستعمار استيطاني في الجزائر، واستعمار استيطاني إحلالي في فلسطين.
الحوار المنتظر
إن الحوار الحقيقي والبناء والهادف بين الغرب والإسلام لا بد له من أسس وهي الحق والعدل دون اختزالهما في قيم حضارية ضيقة لا تمثل إلا نفسها.
وسيكون الحوار بالفعل عندما يجلس قادة الغرب المعتدلين مع نظرائهم من العرب والمسلمين، فيكون أولا الاعتراف بالوجود ثم الحوار بالحسنى، وتجنب إستراتيجية تسجيل النقاط على طريقة حوار الملاكمة، والإصغاء بدلًا من التجاهل، والكلام بقدر الإنصات، والتفكير في نتيجة منطقية تعطي لكل طرف وتنزع من كل طرف بقدر ما أخذ، لأن العدالة لا تكون إلا كذلك، ولا يتم الرضا بها إلا إذا كانت كذلك.
إن الحوار لم يكن متعذرًا في ساعة من الساعات، ولكنه ربما أضحى صعبًا وشاقًا.
الشعوب الغربية ـ دون الحكومات والحركات ـ لا تزال تقبل الحوار معنا، وهذا ما يلمسه المختصون عبر الجاليات الإسلامية والعربية المقيمة في ديار الغرب.
ونحن نطالب أن يكون المحاور من الطرفين على أعلى المستويات علمًا وثقافة وأخلاقًا ونبلًا وتحملًا وتمثلًا علميًا لمبادئ دينه وحضارته وثقافته الذي يحاور من أجلهم، وعلينا أن نفهم أن الحوار لا يعني إلا الاجتهاد في إصابة الحق في كل أمر والسعي إلى تقديم هذا الحق المجتهد في الوصول إليه بالحكمة والموعظة الحسنة والأساليب الإنسانية الواعية الواقية العالمة.
والتقنيات الحديثة الجديدة وسيلة من وسائل الحوار العلمية فلنحسن استعمالها واستخدامها، وهي التي مهدت الطريق إلى حوارات على جانب كبير من الأهمية.
كما أننا يجب أن نفرّق بين الغرب السياسي والغرب الثقافي والمعرفي، وفي حين نصف الغرب السياسي بالإجرام والعنصرية، فإننا يمكننا أن نصف الغرب الثقافي والمعرفي بالتطور الإنساني الفعال. ولا بد أن نفرق بين الغرب السياسي والغرب الاجتماعي، لأن للغرب السياسي ثقافته ومعرفته، وللغرب الاجتماعي الشعبي ثقافته ومعرفته، إننا معنيون الآن بمخاطبة الغرب الاجتماعي أو الشعوب الغربية لأنها ربما كانت في بعض الأحيان إحدى ضحايا الغرب السياسي المستعدي من خلال وسائله الإعلامية وثقافته التي تنطبق عليها سمة التبرير.
والمنظومة الفكرية الغربية هي منظومة أو مرجعية المصلحة، وليس بالضرورة على الإطلاق أن تكون مصلحة السياسي هي ذاتها مصلحة الشعب بل كثيرًا ما نرى تظاهرات تعلنها الشعوب الغربية ضد حكوماتها بسبب اختلاف المصلحة
خفايا حرب المصطلحات ضد العرب والمسلمين!!
الخميس 21 شعبان 1427 هـ - 14 سبتمبر 2006 م
-الغرب يستخدم المصطلحات لحسم صراعه الحضاري معنا.
-لكل حضارة خصوصية في استعمال مصطلحاتها.
-يجب أن ننحت مصطلحاتنا التي تعبر عن ذاتيتنا وثقافتنا وعقيدتنا.
د. ليلى بيومي
مفكرة الإسلام: 'المصطلحات' .. من القضايا الهامة والخطيرة في عصرنا الحديث الذي يتميز بالتشابك والتداخل .. ولأن المصطلح يعني تلخيص فكرة واضعيه حول قضية معينة فإن الأمر إذن على درجة كبيرة من الخطورة تحتم علينا الحيطة والحذر في التعامل مع المصطلحات.
فالغرب كطرف أقوى حضاريًا وثقافيًا وإعلاميًا يطلق المصطلحات التي تعبر عن رؤيته لقضية معينة،ثم يسوّق هذه المصطلحات إلى العالم عبر أجهزة إعلامه المسيطرة، فتنتشر هذه المصطلحات وتسود حتى لو كانت خاطئة ومتحيزة وأنانية.
يقول المفكر الراحل د. أحمد صدقي الدجاني: إن قضية المصطلحات تبرز في كل صراع وتحتل أهمية خاصة في الإعلام عنه .. وأي غفلة عن أهميتها وأي خطأ في التعامل معها قد يكون له نتائج وخيمة. فقد تساهلنا في كثير من المصطلحات التي نحتها الغير من وجهة نظره وكان لها نتائج سلبية في مقدمتها التبعية الفكرية. وهذه المصطلحات - في إطار صراعنا الحضاري مع الغرب - نجدها قد صممت لخدمة الغرب وانحازت لفكرته ورؤيته وعقيدته.
فمثلًا مصطلح مثل 'العالمية' ورد في إطار الحديث عن الأدب العالمي والمكتبة العالمية .. وقد دأب الغرب على احتكار هذا اللفظ بحيث أصبح مصطلح العالمية ينصرف إليه وحده .. فكل ما هو غربي عالمي وكأن العالم مقتصر عليه .. وقد قبلنا هذا المصطلح الخاطئ وأصبحنا من ضحاياه .. فأصبحنا ضحايا تبعية فكرية خطيرة واتجهت أنظار أدبائنا إلى جائزة نوبل وهي جائزة غربية .. ويتحدث البعض عن لغات عالمية وأخرى ليست كذلك.
ومصطلح 'التقدم' يجب أن نحدد مفهومنا عنه .. فقد ظهر هذا المصطلح في الغرب مع تقدمه التقني في جو سادت فيه فكرة أن تقدم العلم التقني مرادف للتقدم الإنساني .. وعبرت فكرة التقدم هذه عن مفهوم اجتماعي تاريخي وكانت وثيقة الصلة بمفهوم التطور الذي جاء به داروين وبمفهوم التغير الذي ينصب على عالم الظاهر .. وكلا المفهومين عار عن أي مضمون أ خلاقي .. فبينما التقدم وهو مظهر من مظاهر التغير مرتبط أشد الارتباط بالمعيار الأخلاقي .. فهو مفهوم ذاتي يعني ما هو مرغوب فيه أو ما هو الأفضل والأصلح أو ما هو مثالي يرجى تحقيقه وهو من ثم مفهوم نسبي يمكن أن يكون اجتماعيًا أو أخلاقيًا أو دينيًا أو اقتصاديًا.
ورواج مفهوم التقدم الغربي بمفهومه التقني فقط وإهماله الجوانب الأخرى ساهم في الإغراق في التوسع في استغلال مصادر الطبيعة وتحقيق أكبر قدر من اللذات الدنيوية.