فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 1942

فلتنزل المرأة إلى الميدان بأقذر أسلحتها .. أسلحة الإِغراء .. وليكن الإِغراء هدفا في ذاته ولو لم يكن هناك هدف آخر من ورائه .. كالحصول على الزوج أو الحصول حتى على العشيق !

الإغراء من أجل الإِغراء !

من أجل أن تحس المرأة أنها ذات جاذبية .. ثم ذات سلطان !

وكان لها فعلا ذلك السلطان !

فما دام الرجل هو ذلك الإِنسان الدارويني الشبيه بالحيوان ..

وما دام هو الرجل الواقع تحت سطوة الجنس الذي أطلقه فرويد من عقاله ..

وما دام هو الرجل الراغب في المتاع الزائد عن الحد ..

ما دام الرجل هو ذلك .. فالسلطان الأكبر عليه هو سلطان الشهوة . سلطان الجسد .. وكل مثير لشهوة الجسد فهو في حياته صاحب سلطان .

ومن ثم فالمرأة"المغرية"في حسه ذات سلطان .

وأحست المرأة - بالفطرة - أنها كلما زادت إغراء زاد سلطانها على الرجل الغارق في الشهوات .

ومن هنا أصبح الإِغراء هدفا في ذاته عند المرأة ، ليس من الضروري أن تستخدمه للحصول على الزوج أو حتى على العشيق .. وإنما هو سلاح تستخدمه مع الرجل عامة ، ولغير هدف سوى أن تحس أنها"موجودة"في كيان هذا الرجل أو ذاك .

فهي في حياتها الراهنة أصبحت تعمل وتكدح ، وتشقى في عملها وكدحها .. ولكنها تعوض هذا الشقاء"بالسلطان"الذي تكسبه عن طريق الإغراء ، وبإحساسها أنها"موجودة"في قلوب الرجال !

وفتنها سلطانها الإِغرائي على الرجل فتمادت فيه ..

وراحت من ورائها - تنفخ فيها - أبواق الشيطان .

السينما العارية والإِذاعة العارية والمسرح العاري والقصة العارية والصحافة العارية .. وكل وسيلة من وسائل الإثارة والإِغراء ...

وصار كل مكان ميدانا للفتنة .. وتحول العالم إلى ماخور ...

وكان هذا"تطورا"أوربيا تزجيه إلى البشرية باسم الحضارة والارتقاء ! وتحطم به ما بقي - إن كان قد بقي شيء - من الدين والأخلاق والتقاليد .

وكان"طبيعيا"أن يمتد هذا"التطور"إلى العالم الإِسلامي المغلوب على أمره ، المغزوّ من قبل بكل لون من ألوان الفساد .

ومع حركة"التحرر"النسوية ، المنقولة من أوربا نقل التقليد بلا تبصر ولا دراسة ، والتي ينفخ فيها الاستعمار ويغذيها لتهدم كيان الأمة الإسلامية - كما سبق من كلام المبشرين - مع هذه الحركة التحررية سرت فنون الإِغراء القادمة من الغرب ، فقد كان كل شيء مهيأ لوصولها في الموعد المرقوب !

تعلمت المرأة"المسلمة !"فنون الإغراء ..

ووجدت في بلدها - وبلغتها - السينما العارية والصحافة العارية والإذاعة العارية والقصة العارية .. تعلمها كها فنون الإِغراء ، وتغريها بها وتحضها عليها ..

ووجدت محررين ومحررات في باب"المرأة"في الصحافة يشرحون لها كيف تكون"جذابة !"أو في حقيقة الأمر"مغرية".. وكيف يكون لها على الرجل سلطان !

إغراء في البيت وفي الشارع ..

إغراء في اللفظ وفي الحركة ..

إغراء في الملبس والزينة ..

إغراء في المشية والجلسة والنظرة ..

وصار الإغراء عند المرأة"المسلمة !"هدفا في ذاته .. ليس من الضروري أن تستخدمه في الحصول على الزوج ، ولا حتى في الحصول على العشيق .. وقد صار من"حقها"بتوجيه"الكتاب"المتحررين أن تتخذ العشيق !

وإنما صارت مهمة الإِغراء في حياتها أن تشعر بأنها"موجودة"بقدر ما تمارس من فنون الإِغراء إزاء كل رجل تلقاه في المكتب أو في الطريق .

بل صارت المرأة"المسلمة !"أشد رقاعة من زميلتها الغربية ، بحكم"تميع"المجتمع الشرقي في هذه الفترة .. وانفلات الضوابط كلها .. وتميع الأهداف كذلك في داخل النفوس .

وتمت الحلقة لهدم كل بقية متبقية من هذا الدين !

والآن .. بعد هذا العرض المذهل في أرض الإِسلام وفي كل الأرض ..

هل كان المتوقع بعد هذا الجهد الفظيع كله الذي بذل لهدم هذه العقيدة بكل وسائل الهدم .. واشتركت فيه من قريب أو بعيد كل قوى الأرض .. هل كان المتوقع أن يظل على ظهر الأرض إسلام ومسلمون ؟!

وكيف يتأتى أن يوجد مسلم أو مسلمة .. وقد كان الهدف الذي سعت إليه قوى التدمير كلها أن تجعل الحياة لهما مستحيلة في أية بقعة من الأرض ، وأن يكون مجرد الوجود بالنسبة لهما كأنه قطعة من الجحيم ؟

جحيم الاضطهاد . وجحيم التضييق . وجحيم الغربة النفسية والفكرية والروحية والاجتماعية التي يلقيانها في مجتمع غير مسلم .. وجحيم المطاردة والملاحقة بالسخرية والأذى والتحقير والتنفير ..

والمسلمة بصفة خاصة .. بزيها المتميز تميزا حادا في المجتمع العاري المنفلت من القيود ..

إنه لمن العجب أن يظل إنسان - بعد هذا كله - يقول: لا إله إلا الله . محمد رسول الله .

ومع ذلك ..

هل تعجب .. أو تفزع .. إذا قلت لك ..

إن المستقبل للإِسلام ؟!

المستقبل للإسْلام !

المستقبل للإسلام ؟

هل يصدق أحد هذا الكلام ؟ بعد هذه الجهود المدمرة التي بذلت لتحطيمه ، وبعد أن عملت في القضاء عليه كل العوامل المحلية والتيارات العالمية التي وصفناها في هذا الكتاب ؟

نعم ..

لقد بذل الاستعمار الصليبي كل ما في وسعه للقضاء عليه ..

فتت العالم الإسلامي إلى دويلات ..

وأمسك بكل دويلة على حدة يعزلها عن أخواتها ويثير بينها الأحقاد والمنازعات ..

وفي كل منها عزل الدين عن المجتمع وعزل الشريعة عن الحياة ..

وحارب كل حركة تقوم فيها لإحياء الدين وإعادته إلى الواقع الحي المتحرك البنّاء

ورسم سياسة تعليمية تبعد الشباب النابت عن منابع دينه ، ولا تبقي في نفسه منه غير الشبهات ..

وحرص على إخراج جيل من"المثقفين"في كل بلد إسلامي ، ينفر من الدين وينسلخ منه ، ويرى فيه أنه جمود وتأخر ورجعية وانحطاط ..

وحرص على أن يمزق شر ممزق كل حركة تقوم بين المثقفين خاصة تنادي بالعودة إلى الإِسلام .. لأن ذلك معناه إضاعة الجهد كله الذي بذله الاستعمار الصليبي في قرنين من الزمان ..

ونجح في ذلك كله ..

نجح في إبعاد المسلمين عن دينهم ..

ونجح في تعويق أية حركة إسلامية في الشرق الإِسلامي .. لجيل أو أجيال ..

ثم .. ؟!

ثم تقوم في أمريكا ذاتها ، التي أنفقت ألوف الملايين من الدولارات على الحركة التبشيرية لمحاربة الإِِسلام .. تقوم حركة إسلامية بين الزنوج هناك يصل أتباعها إلى نصف مليون في ثلاث سنوات !

وتعتقل أمريكا الزنوج وتعاملهم في سجونها بالعنف والقسوة - كما تقول مجلة تايم Time الأمريكية في أحد أعدادها - فإذا الدعوة تنتشر في داخل السجون ! وإذا هؤلاء المسلمون - كما تقول المجلة - لا يبالون بشيء في سبيل الوصول إلى أهدافهم ، لا تصدهم القسوة ولا يرهبهم العنف .. لأنهم صاروا مسلمين !!

ثم .. ؟!

ثم تكتشف أمريكا ذاتها ، التي أنفقت ما أنفقت لوقف المد الإِسلامي في أفريقيا ، أنها في حاجة إلى مهادنة الإسلام في أفريقيا بالذات ، وإلا اكتسحت الشيوعية القارة السوداء !!

فماذا يصنع"الإِنسان"إزاء هذه الإرادة الإلهية التي تأبى أن ينطفئ نور الله في الأرض: ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (72) .

ونترك العالم الإِسلامي كله والمسلمين فيه ، وننظر إلى الغرب ذاته الذي اجتاحته تلك التيارات .

إن الإِفلاس الروحي الذريع الذي يعانيه الغرب لا يمكن أن يدوم .. إلا إذا كان مقدورًا أن تنتهي البشرية في هذا الجيل ..

أما إذا كان في تقدير الله أن تستمر هذه البشرية أيّ مدىً من الزمان ، فلا بد لها أن تفيق من غفوتها ، وتصحو على الهاوية التي تنحدر إلى أعماقها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت