فهرس الكتاب

الصفحة 905 من 1942

وهذا الطبيب الفيلسوف الألماني"البرت شفيتزر"يصرخ من كل أعماقه".... الخاصية الروعة في حضارتنا هي أن تقدمها المادي اكبر بكثير من تقدمها الروحي ..لقد اختل توازنها.... والحضارة التي لا تنمو فيها إلا النواحي المادية دون أن يواكب ذلك النمو نمو متكافئ في ميدان الروح هي أشبه ما يكون بسفينة اختلت قيادتها ومضت بسرعة متزايدة نحو الكارثة التي ستقضي عليها... إن توكيد العالم والحياة قد تزعزع عندنا فلم يعد الرجل العصري المتحضر يشعر بدافع إلى التفكير في المثل العليا ذلك انه لم يعد يؤمن بالتقدم الروحي والأخلاقي للناس والإنسانية مع أن هذا التقدم الروحي والأخلاقي هو العنصر الجوهري في الحضارة...".

"ومن هنا نشأ الإنسان الغربي المتحضر يتيما تافها لا يعدو أن يكون مجرد جسد ومجرد حاجيات مادية.. نشأ يتيما لأنه لا ينتظر أية مساعدة من الله- كما قال"شبنهاور"- ... ونشأ تافها لأنه اعتبر العالم فوضى من المعقولات والقبائح" ( ما هو الغرب ؟ للغنوشي) .

ونحن لا ننكر أن الحضارة الغربية بإقلاعها المادي الباهر قد أشبعت الجانب البطني الترابي من الإنسان وملأت حياته- حد التخمة- بأسباب الرفاه والترف الشيء الذي حبب إليه المجون واللامبالاة والتميع وأوقعه بالقلق والقسوة...

وإزاء هذه الحال المنذرة بمزيد من الشر وهو شر لن يتوقف خطره على الغرب فحسب إنما هو قادم في سباق نحونا إن عاجلا أو آجلا. وذلك بحكم التبعية العمياء التي نسلكها إزاء الغرب والمنهج الذيلي الذي نطبقه في شتى المجالات.... إزاء كل هذا فواجب على المسلمين الصادقين أن ينقذوا الإنسانية من هذه الظلمات المتراكمة و أن يعجلوا بتقديم الجرعة الشافية للبشرية المريضة ذلك أن الله سبحانه قد حملهم الشهادة على العالم.

لقاح ضد جراثيم الفساد....

وهم لن يستطيعوا ذلك إلا عندما يقدمون الدين للعالمين كموعظة للعقل? دعوة إلى الإبداع والخلق والابتكار.. وكشفاء للنفس يحميها ويلقحها من جراثيم الفساد والانحلال والتميع .. وكهدى ورحمة للفرد والجماعة يبصر به سواء السبيل ويحفظ به عرض الإنسانية ويذود عن شرفها وكرامتها من أن يتطفل عليها عابث ماجن.

وهذا شرط يؤهلنا- كمسلمين- للدخول في المجتمع العالمي ويمكن لنا- كمسلمين شهداء على الناس- من قيادة الإنسانية قيادة هي في اشد الحاجة إليها .. قيادة نحو النور نحو العدل نحو الحرية قيادة نحو دائرة الضوء الرباني.... وفي هذا الصدد يقول المفكر الجزائري المسلم مالك بن نبي ?"إن شرط دخولنا في المجتمع العالمي في أن يكون في نشاطنا الروحي ما تعترف به الإنسانية كحاجة مثل السلم والحرية والديمقراطية.... حاجة لابد من إشباعها".

الفهرس?

تقديم 3

بين الجزم والتميع 5

* الإسلام محجوب بالمسلمين 5

* لماذا شاخ المسلمون 9

* حين يتخلى المسلمون عن الجد 13

* المسجد..ليس مكانا لطقطقة المسابيح 17

المسلمون وضرورة الوعي التاريخي 23

تعاملنا مع الحضارة الغربية 39

البشرية وتجارب العقائد 57

العطش الروحي من يرويه 67

ابن خلدون: محاولة في المنهجية الإسلامية

د. عماد الدين خليل

هناك مدى قد يبدو شاسعا بين (المنهج العلمي) و (الروح العلمية) فالمنتهج انما هو تقنية عمل في هذا الحقل او ذاك من حقول المعرفة البشرية للكشف عن حقيقة ما او مقاربتها تحليلا وتركيبا، وهو بهذا قد يكون مسألة (موضوعية) يتحكم فيها قانون تراكم الخبرة ويتلقاها الباحث عن الخارج مضيفا اليها حينا، ومنفذا مطالبها دونما أي قدر من الاضافة او التعديل حينا آخر.

وهذا يبدو أكثر ما يبدو في العصر الحديث الذي تبلورت عبره الملامح الاساسية لمنهج البحث العلمي بمقاطعه ومراحله جميعا.

اما الروح العلمية فهي أقرب الى أن تكون أمرا ذاتيا يرتبط بالباحث نفسه ويصبغ ـ أو يحكم ـ رؤيته للعالم والظواهر والاشياء، وهو يتعامل معها بحثا وكشفا وتحليلا وتركيبا.

لكننا يجب أن نكون حذرين، فأن هذه الرؤية التي قد تبدو ذاتية ليست منفصلة بالكلية عن الخارج، عن الموضوع.. وبعبارة أخرى فأن البيئة الحضارية التي ينتمي اليها الباحث ستلعب دورا مؤثرا في تشكيل روحه العلمية سلبا وايجابا.

بالنسبة لابن خلدون، حيث لم يكن منهج البحث العلمي في التاريخ على وجه الخصوص قد قطع شوطا كبيرا صوب النضج والاكتمال، تبدو محاولته في (المقدمة) خطوة جريئة بمقدار ما تتضمنه من قدرة على ارتياد آفاق عمل جديدة من أجل صياغة، أو اضافة تقنيات وضوابط منهجية في هذا الحقل ولا ريب أن تكون الروح العلمية في حالة كهذه ذات دور فعال في صياغة المنهج، وأن تكون المرتكزات الاساسية للحضارة الاسلامية ذات تأثير لا يقل خطورة.

وهكذا فأن المدى المتباعد بين المنهج والروح سيتقارب هاهنا وسيكون الحديث عنهما او اعتمادهما كمفردتين أمرا متصلا متداخلا بقدر ما يتعلق الامر بابن خلدون.

ثمة مسألة اخرى يجب التأشير عليها قبل المضي في الموضوع.. أن المنهج نفسه ليس طبقة أو دائرة واحدة وإنما هو طبقات ودوائر تنداح من بؤرتها المركزية الحرفية الصرفة باتجاه التأثر بالمعطيات الحضارية ذات الخصوصية، وتمضي لكي تكون في مداها الأكثر اتساعا مرادفا للشريعة التي تتولى مهمة تنفيذ مطالب العقيدة على أرضية العالم.

اذا بدأنا من هاهنا فأننا سنجد القرآن الكريم يعتمد اللفظة للدلالة على هذا المعنى.

ابن كثير ـ مثلا ـ وهو يتناول الآية الثامنة والاربعين من سورة المائدة يفسر قوله تعالى (ولكم جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) بالسبيل والسنة (أي الطريقة) ، وأن الشرعة هي الشريعة.. اما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل، والسنن الطرائق، وفي (صفوة التفاسير) اننا جعلنا لكل امة شريعة وطريقا بينا واضحا خاصا بتلك الامة. واختلاف المناهج هذا ينصب على الاحكام أما المعتقد فهو واحد لجميع الناس: توحيد وإيمان بالرسل وجميع الكتب وما تضمنته من المعاد والجزاء (2) ، أي لكافة المنتمين للديانات السماوية في جوهرها الاصيل.

ما الذي يقوله المعجم العربي بصدد المفردة؟

النهج هو الطريق الواضح البين والجمع نهجات.. وطرق نهجة أي واضحة كالمنهج والمنهاج..

وأنهج أي أوضح، قال يزيد العبدي

سبل المكارم والهدى تعدى ... ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت

أي تعين وتقوى..

ونهج الطريق أي سلكه، واستنهج الطريق صار نهجا واضحا بينا..

وأنهج الطريق اذا وضح واستبان..

وفلان استنهج طريق فلان اذا سلك مسلكه..

وطريق ناهجة أي واضحة بينة) 3)..

فالمفردة ـ إذن ـ لا تتجاوز هنا حدود اللغوية باتجاه المصطلح الاكثر حداثة والذي يدل على حرفية البحث العلمي حينا، كما يدل في مداه الواسع على رؤية جماعة ما، وبرنامج عملها، أو شريعتها التي تتولى مهمة تحويل مفردات الرؤية الى واقع معاش.

بما أن هذه الورقات ليست حديثا عن المنهج، وإنما هي متابعة موجزة لملامح (العلمية الاسلامية) في منهج ابن خلدون فأن هذا يكفي.. كل ما هنالك هو ضرورة أن نضع هذه المسائل في الحسبان ونحن نتحدث عن الرجل، فان المنهج عنده مزيج من التقنيات الحرفية (الموضوعية) التي لعب دورا كبيرا في إغنائها بل في تأسيسها، والروح التي تمثل حصيلة رؤيته المعرفية (الابستمولوجية) .. ثم وهذا هو المهم رؤيته الاسلامية التي طبعت بصماتها منهجه وروحه العلمية معا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت